نقدٌ لأطروحة التبعية وتغييب مسؤولية الداخل
يحمل مقال عادل عبد المهدي، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، “دولة 2003: دولة متذبذبة، وسط فضاءات واعدة”، المنشور في موقع “المجموعة العراقية للشؤون الخارجية”، هماً مشروعاً يتعلق بمستقبل العراق، ويطرح أسئلة مهمة حول الدولة والسيادة والاستعمار والتدخل الخارجي وطبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003. وهذه أسئلة لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جاد حول العراق ومستقبله.
غير أن الإشكالية الأساسية في المقال لا تكمن في إثارة هذه الأسئلة، بل في طريقة تفسيرها. فالمقال يبدأ من وقائع صحيحة في جانب مهم منها، لكنه يميل في بعض استنتاجاته إلى توسيع دور العامل الخارجي إلى درجة يصبح معها الخارج أقرب إلى التفسير المركزي لمعظم أزمات العراق، بينما تتراجع مسؤولية القوى السياسية والاجتماعية العراقية، ومؤسسات الدولة، والنخب التي تولت إدارة المرحلة بعد 2003، إلى مرتبة ثانوية.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في بعض مقدمات المقال ونتائجه، لا بهدف تبرئة الخارج أو إنكار اثر الاحتلال والتدخلات الدولية، وإنما بهدف طرح سؤال أكثر صعوبة : إذا كان الخارج قد تدخل في العراق، فلماذا استطاع أن يتدخل بهذا العمق؟ ولماذا لم يتمكن الداخل، طوال هذه السنوات، من بناء دولة قادرة على حماية قرارها ومصالحها؟
إن تحميل الخارج مسؤولية كل شيء قد يبدو تفسيراً مريحاً، لكنه لا ينتج مشروعاً سياسياً. أما الاعتراف بمسؤولية الداخل، فهو أكثر إيلاماً، لكنه يمثل بداية أي مشروع حقيقي للإصلاح.
ليست كل فكرة جاءت من الغرب مؤامرة غربية
من الأخطاء المنهجية أن نربط بين منشأ الفكرة وبين صلاحيتها.
صحيح أن الدولة الحديثة، ومفاهيم المواطنة والقانون والدستور والمؤسسات السياسية الحديثة، تطورت في سياقات أوروبية، وأن القوى الاستعمارية استخدمت كثيراً من هذه المفاهيم بصورة انتقائية لخدمة مصالحها. لكن هذا لا يعني أن القانون، والمواطنة، واستقلال القضاء، والمساواة أمام القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان أصبحت ملكاً حصرياً للغرب.
فالأفكار لا تحمل جنسية أصحابها.
والسؤال البسيط هنا: إذا كان استقلال القضاء “فكرة غربية”، فما البديل؟
وإذا كانت المساواة أمام القانون جزءاً من التجربة الغربية، فهل نريد قانوناً لا يساوي بين العراقيين؟
وإذا كان احتكار الدولة للسلاح من مبادئ الدولة الحديثة، فهل البديل دولة تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة؟
وإذا كانت الديمقراطية قد تطورت في الغرب، فهل يعني ذلك أن العراقيين مطالبون برفض مبدأ تداول السلطة؟
المشكلة إذن ليست في مصدر الفكرة، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى مؤسسات وطنية تتلاءم مع واقع العراق وتحمي مصالح العراقيين.
ليس المطلوب أن نرفض الدولة الحديثة لأنها ظهرت في الغرب، كما ليس المطلوب أن نستورد نموذجاً غربياً جاهزاً. المطلوب أن نبني دولة عراقية تستفيد من التجارب الإنسانية كلها، وتختار منها ما يخدم مجتمعها ومصالحها.
فالاستقلال الفكري لا يعني رفض ما يأتي من الخارج لمجرد أنه يأتي من الخارج، بل يعني امتلاك القدرة على الاختيار والنقد والتكييف.
الاستعمار جزء من تفسير التاريخ، لكنه ليس تفسير التاريخ كله
لا جدال في أن الاستعمار الأوروبي كان مشروعاً سياسياً واقتصادياً قائماً على السيطرة والاستغلال، وأن الدول الاستعمارية راكمت قدراً كبيراً من القوة والثروة من خلال سيطرتها على أجزاء واسعة من العالم.
ولا يمكن فهم تاريخ المنطقة العربية والعراق بمعزل عن آثار الاستعمار ورسم الحدود والتدخلات الدولية وبنية النظام الدولي التي نشأت في القرن العشرين.
لكن تحويل الاستعمار إلى التفسير الشامل لتفوق الغرب يختزل التاريخ اختزالاً شديداً.
فالعلم، والتعليم، والثورة الصناعية، وتطور الإدارة، والقانون، والمؤسسات السياسية، والبحث العلمي، والتراكم المعرفي، كلها عوامل لعبت أدواراً أساسية في صعود الدول الغربية.
ولو كان الاستعمار وحده هو الذي يصنع القوة، لكانت جميع الدول الاستعمارية متساوية في قوتها، ولكانت جميع الشعوب التي خرجت من الاستعمار قد سلكت الطريق نفسه بعد الاستقلال. لكن الواقع يثبت العكس.
لقد استفاد الغرب من الاستعمار، ولا يجوز إنكار ذلك. لكن الاستعمار لا يفسر وحده لماذا تقدمت بعض المجتمعات، ولماذا تعثرت أخرى، ولماذا استطاعت دول خرجت من الاستعمار أن تبني مؤسسات قوية، بينما بقيت دول أخرى أسيرة ضعف الدولة والانقسامات والصراعات الداخلية.
التاريخ أكثر تعقيداً من ثنائية المستعمر والضحية.
والأهم أن الشعوب لا تستطيع أن تبني مستقبلها إذا بقيت تنظر إلى نفسها بوصفها مجرد نتيجة دائمة لما فعله الآخرون بها.
الغرب ليس عقلاً واحداً
من المشكلات الأخرى في هذه الرؤية التعامل مع “الغرب” وكأنه كيان واحد يمتلك مشروعاً موحداً ومستمراً عبر التاريخ، من الاستعمار إلى يومنا هذا.
لكن الدول الغربية ليست كتلة سياسية واحدة. بينها تنافس وصراعات ومصالح متعارضة، كما أن سياساتها تجاه العراق والمنطقة لم تكن دائماً متطابقة.
والأمر نفسه ينطبق على ما يسمى “الشرق”.
الصين ليست روسيا، وروسيا ليست إيران، وإيران ليست تركيا، ودول الخليج ليست جميعاً ذات مصالح واحدة. لكل دولة حساباتها ومصالحها وأدواتها.
ولهذا فإن الانتقال من فكرة “الشرق هو البديل” إلى فكرة “الغرب يهيمن علينا” لا يمثل خروجاً من التبعية، بل قد يعني مجرد تغيير الجهة التي نتبعها.
العراق لا يحتاج إلى استبدال تبعية بتبعية أخرى.
العراق يحتاج إلى إنهاء التبعية نفسها.والطريق إلى ذلك ليس إعلان العداء للغرب ولا الارتماء في أحضان الشرق، وإنما بناء دولة تستطيع التعامل مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية.
السؤال الأصعب: ماذا فعل العراقيون؟
هنا تقع النقطة الأكثر حساسية في أي نقاش عن العراق بعد 2003.
نعم، الولايات المتحدة احتلت العراق، وأنتج الاحتلال واقعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً ترك آثاراً عميقة ما زالت مستمرة.
ونعم، كان للاحتلال أثر بالغ في تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية، وفي فتح المجال أمام صراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية واسعة.
لكن هل الولايات المتحدة اختارت كل مسؤول عراقي؟
هل هي التي قررت أن تتحول الوظيفة العامة إلى مجال للمحاصصة؟
هل هي التي فرضت على كل حزب عراقي أن يقدم الولاء الحزبي على المصلحة العامة؟
هل هي التي أفسدت كل مؤسسة حكومية؟
هل هي التي قررت أن تكون الدولة ساحة لتوزيع النفوذ والمغانم؟
وهل هي التي منعت العراقيين من الاتفاق على مشروع وطني لبناء مؤسسات مستقرة؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة «لا»، فعلينا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن جزءاً كبيراً من أزمة الدولة العراقية صنعه العراقيون أنفسهم.
وهذا لا يعني تبرئة الخارج من مسؤولياته، بل يعني رفض استخدام الخارج ذريعة لإعفاء الداخل من مسؤوليته.
فالاحتلال قد يفسر ظروفاً معينة، لكنه لا يستطيع أن يفسر كل قرار اتخذ بعد انتهاء الاحتلال، ولا كل فساد حدث في مؤسسة، ولا كل صفقة سياسية، ولا كل تعيين حزبي، ولا كل انقسام داخلي.
وهنا تصبح العبارة الواردة في المقال نفسه: “كنا أقوياء في المعارضة، ضعفاء في البناء”، من أكثر العبارات دلالة على جوهر المشكلة.
فقد امتلك العراق قوى سياسية كثيرة تجيد معارضة السلطة، لكنه لم يمتلك بالقدر نفسه قوى سياسية تمتلك مشروعاً متكاملاً لبناء الدولة.
وهذه ليست مشكلة عام 2003 وحده، بل مشكلة سياسية وثقافية ومؤسسية أعمق: كيف ننتقل من عقلية الوصول إلى السلطة إلى عقلية بناء الدولة؟
من معارضة الدولة إلى بناء الدولة
ربما يكون أحد أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من التجربة العراقية أن معارضة نظام سياسي لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة دولة.
فالاحتجاج على الظلم شيء، وبناء مؤسسات تمنع الظلم شيء آخر.
وإسقاط نظام شيء، وإقامة نظام قادر على إنتاج القانون والخدمات والمساءلة والاستقرار شيء آخر.
والتعبئة السياسية شيء، وإدارة الاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء والأمن والعلاقات الخارجية شيء آخر تماماً.
لقد أظهرت التجربة العراقية أن بعض القوى كانت أكثر استعداداً لخوض معركة السلطة من استعدادها لتحمل مسؤولية الدولة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: يمكن لحركة سياسية أن تنجح في الوصول إلى الحكم وتفشل في بناء الدولة في الوقت نفسه.
الدولة ليست غنيمة سياسية، ولا جائزة لمن يفوز بالانتخابات، ولا ملكاً للحزب الذي يسيطر على الحكومة.
الدولة ملك للمواطنين، والحكومة أداة مؤقتة لإدارتها.
الاحتلال لا يبرر انهيار مفهوم الدولة
يمكن للعراقي أن يرفض الاحتلال والتدخل الأجنبي، وفي الوقت نفسه يرفض تعدد مراكز القوة داخل العراق.
بل إن الموقفين منسجمان.
إذا كان وجود قوة أجنبية على الأراضي العراقية يمس السيادة، فإن معالجة ذلك يجب أن تكون عبر الدولة والقانون والقرار السياسي الوطني.
لكن وجود قوة أجنبية لا يمنح أي طرف عراقي حقاً دائماً في امتلاك قوة مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة.
لا يمكن معالجة انتهاك للسيادة بانتهاك آخر للسيادة
فالدولة التي لا تحتكر القوة القانونية لا تستطيع أن تضمن تطبيق القانون، ولا أن تحمي المواطن بصورة متساوية، ولا أن تتخذ قرار الحرب والسلم بصورة واضحة.
ومن هنا فإن قضية السلاح ليست قضية فصيل بعينه، ولا طائفة بعينها، ولا طرف سياسي بعينه؛ إنها قضية مبدأ الدولة.
المعيار يجب أن يكون واحداً: من يملك قرار السلاح يمتلك جزءاً من قرار الدولة.
ولهذا فإن وجود قوى مسلحة متعددة لا يهدد فقط الأمن، بل يهدد طبيعة النظام السياسي نفسه، لأن الدولة تصبح عاجزة عن تحديد من يتحمل المسؤولية النهائية عن قرارات الحرب والسلم والأمن.
المقاومة ليست بديلاً عن الدولة
قد تكون مقاومة الاحتلال موقفاً وطنياً في ظروف معينة، وقد تكون مواجهة التدخل الخارجي واجباً سياسياً أو وطنياً في حالات أخرى.
لكن يجب أن تبقى هناك حدود واضحة بين مفهوم المقاومة ومفهوم الدولة.
المقاومة ليست دولة.
والحزب ليس دولة.
والعشيرة ليست دولة.
والمرجعية ليست دولة.
والجماعة المسلحة ليست دولة.
كل هذه القوى يمكن أن تكون جزءاً من المجتمع، وقد تؤدي أدواراً سياسية أو اجتماعية مهمة، لكن الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة القرار السيادي النهائي.
وعندما يصبح لكل قوة سياسية أو اجتماعية أو مسلحة قرار مستقل، تتحول الدولة إلى ساحة تفاوض بين مراكز قوى، لا إلى مؤسسة فوق الجميع.
وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن نتجاوزه، أياً كان الطرف الذي يمارس هذا النفوذ.
فالسيادة ليست فقط أن نرفض قراراً يأتي من الخارج؛ السيادة أيضاً أن تكون داخل حدود الدولة جهة واحدة مسؤولة عن القرار العام.
الديمقراطية ليست المشكلة
قد يكون من المشروع نقد الطريقة التي طُبقت بها الديمقراطية في العراق، لكن من غير المنطقي تحميل “الديمقراطية” مسؤولية الفشل الذي نتج عن غياب مؤسساتها الحقيقية.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.
إنها قضاء مستقل، ومؤسسات رقابية، وإعلام حر، ومعارضة سياسية، وتداول سلمي للسلطة، وشفافية، ومساءلة، وقبول بنتائج الانتخابات، وقواعد دستورية يلتزم بها الحاكم قبل المحكوم.
المشكلة في العراق لم تكن أن العراقيين مارسوا ديمقراطية “غربية” أكثر مما ينبغي، وإنما أنهم لم ينجحوا في بناء ديمقراطية مؤسسية مستقرة.
فقد تحولت الانتخابات في كثير من الأحيان من وسيلة لتداول السلطة إلى وسيلة لتقاسم النفوذ، وتحول الانتماء السياسي والطائفي والقومي في أحيان كثيرة إلى أداة للحصول على الدولة بدلاً من أن تكون الدولة ملكاً متساوياً لجميع المواطنين.
لكن المشكلة لا تكمن في وجود التنوع الاجتماعي نفسه.
فالتنوع الطائفي والقومي والمناطقي ليس بالضرورة مشكلة؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الهويات الاجتماعية إلى أدوات لاقتسام مؤسسات الدولة.
الدولة الحديثة لا تطلب من المواطن أن يتخلى عن هويته، وإنما تمنعه من تحويل هويته إلى امتياز سياسي أو قانوني على حساب مواطن آخر.
التقارب مع الشرق ليس استقلالاً بحد ذاته
من الطبيعي أن يسعى العراق إلى تنويع علاقاته الاقتصادية والسياسية، وأن يفتح أبوابه أمام الصين وروسيا وتركيا وإيران ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها.
لكن التوجه نحو الشرق لا يصبح استقلالاً لمجرد أنه توجه نحو الشرق.
إذا كان العراق يعتمد على قوة خارجية واحدة بدلاً من أخرى، فما الذي تغير جوهرياً؟
السيادة ليست أن نختار معسكرنا.
السيادة أن نملك القدرة على ألا نكون تابعين لأي معسكر.
العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الجميع، وأن يجعل معيار العلاقة هو مصلحة العراق، لا قرب الدولة الأخرى من هذا المحور أو ذاك.
فإذا اشترطت واشنطن شيئاً يضر بمصلحة العراق، يجب أن يرفضه العراق.
وإذا طلبت الصين شيئاً يضر بالمصلحة العراقية، يجب أن يرفضه العراق.
وإذا مارست إيران أو تركيا أو روسيا أو أي دولة أخرى ضغطاً يتعارض مع المصلحة الوطنية، يجب أن يكون للعراق القدرة السياسية والمؤسسية على رفضه.
هذه هي الاستقلالية الحقيقية.
وليست المشكلة أن تكون للعراق علاقات قوية مع دولة معينة، بل المشكلة أن تتحول العلاقة إلى تبعية تجعل القرار العراقي مرتهناً بإرادة الخارج.
لا ينبغي للعراق أن ينتظر سقوط الغرب
لا ينبغي أن يكون مستقبل العراق رهناً بانهيار الغرب.
قد يتغير النظام الدولي فعلاً، وقد تتراجع الهيمنة الأمريكية، وقد تصعد الصين، وقد تستعيد روسيا نفوذاً أكبر، وقد تظهر مراكز قوة جديدة.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا سيفعل العراق إذا تغير العالم وبقي هو كما هو؟
فانتقال القوة من دولة إلى أخرى لا يجعل العراق قوياً تلقائياً.
قد يؤدي تغير موازين القوى إلى فتح فرص جديدة، لكنه قد يحول الدول الضعيفة أيضاً إلى ساحات للتنافس بين القوى الكبرى.
الدولة القوية تستفيد من التحولات الدولية.
أما الدولة الضعيفة، فقد تصبح ضحية لها.
ولهذا فإن مشروع العراق يجب ألا يقوم على انتظار سقوط قوة دولية وصعود قوة أخرى، بل على بناء قدرة عراقية تجعل العراق قادراً على التعامل مع أي نظام دولي جديد.
فإذا كان النظام العالمي يتغير، فإن أفضل استراتيجية للعراق ليست المراهنة على المنتصر القادم، وإنما بناء دولة تستطيع التكيف مع تغير المنتصرين.
الاستقلال لا يبدأ من السياسة الخارجية
كثيراً ما يُناقش استقلال العراق من زاوية علاقاته مع الولايات المتحدة أو إيران أو الصين أو روسيا.
لكن الاستقلال الحقيقي يبدأ من الداخل.
الدولة التي لا تستطيع إدارة مواردها، أو حماية حدودها، أو تطبيق قوانينها، أو محاسبة الفاسدين، أو بناء اقتصاد منتج، أو توفير خدمات أساسية، ستكون ضعيفة في السياسة الخارجية مهما رفعت من شعارات الاستقلال.
فالسياسة الخارجية القوية هي في النهاية انعكاس لقوة الدولة الداخلية.
ومن هنا فإن بناء الدولة ليس شأناً داخلياً منفصلاً عن السيادة؛ بل هو شرط من شروط السيادة.
كلما كانت مؤسسات العراق أكثر قوة واستقلالاً، أصبح الخارج أقل قدرة على التأثير في قراره.
وكلما كانت الدولة أكثر انقساماً، أصبح التدخل الخارجي أكثر سهولة.
وبذلك فإن أفضل وسيلة لمواجهة النفوذ الخارجي ليست الخطاب السياسي وحده، وإنما إغلاق الأبواب الداخلية التي يدخل منها هذا النفوذ.
المشكلة الحقيقية ليست: شرق أم غرب؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يجب أن يخرج به النقاش من هذا المقال هو:
هل نريد عراقاً تابعاً للغرب، أم تابعاً للشرق؟ أم نريد عراقاً مستقلاً؟
إذا كان الخيار الثالث هو الهدف، فإن الطريق واضح، وإن كان صعباً.
نريد دولة لا يحكمها حزب، ولا طائفة، ولا قومية، ولا عشيرة، ولا جماعة مسلحة، ولا سفارة أجنبية.
نريد دولة يكون فيها:
– القانون فوق الجميع.
– السلاح بيد الدولة.
– القضاء مستقلاً.
– المواطن متساوياً أمام القانون.
– المال العام ملكاً عاماً.
– الوظيفة العامة خدمة لا غنيمة.
– الجيش مؤسسة وطنية لا أداة حزبية.
– المعارضة حقاً سياسياً لا خيانة.
– الانتخابات وسيلة لتداول السلطة لا لتقاسمها.
– الاقتصاد متنوعاً لا أسير النفط.
– السياسة الخارجية قائمة على المصلحة الوطنية.
– المؤسسات أقوى من الأشخاص.
– الدولة أقوى من مراكز النفوذ.
– الدستور مرجعية سياسية وقانونية لا وثيقة انتقائية.
– المساءلة قاعدة للحكم لا أداة لتصفية الخصوم.
وهنا يجب أن نضيف شرطاً أساسياً: أن تكون الدولة قادرة على إنتاج الثقة.
فالمواطن لن يدافع عن دولة لا يثق بعدالتها، ولن يشعر بالانتماء إلى مؤسسات يراها ملكاً لحزب أو طائفة أو جماعة.
الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها المواطن، وإنما الدولة التي يثق المواطن بأنها ستعامله وفق القانون، وتحمي حقوقه، وتوفر له فرصاً متساوية، وتحاسبه بالمعيار نفسه الذي تحاسب به السلطة.
الخلاصة: لا تبرئة للخارج ولا إعفاء للداخل
ليس المطلوب إنكار الاستعمار، ولا تبرئة الاحتلال، ولا التقليل من أثر التدخلات الأجنبية في العراق. وليس المطلوب كذلك تجاهل المصالح الدولية التي سعت وتسعى إلى التأثير في القرار العراقي.
لكن في المقابل، ليس من المنهج السياسي السليم أن نجعل الخارج التفسير الوحيد لكل إخفاق، لأن ذلك يقود في النهاية إلى نتيجة خطيرة: إعفاء الداخل من مسؤوليته التاريخية عن بناء الدولة.
السؤال ليس فقط: لماذا يتدخل الخارج في العراق؟
السؤال الأكثر إزعاجاً هو:
لماذا يجد الخارج دائماً في الداخل بيئة تسمح له بالتدخل؟
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
فالعراق لن يصبح مستقلاً بمجرد خروج القوات الأجنبية، ولن يصبح مستقلاً بمجرد الاقتراب من الصين، ولن يصبح مستقلاً بمجرد التحالف مع روسيا أو إيران أو غيرهما.
سيصبح العراق مستقلاً عندما تكون الدولة أقوى من الحزب، والقانون أقوى من السلاح، والمواطنة أقوى من الطائفة، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والاقتصاد أقوى من الريع، والقرار الوطني أقوى من الخارج.
وهذا لا يعني أن العراق يستطيع أن يعيش خارج النظام الدولي أو بعيداً عن مصالح الدول الكبرى؛ فالدول جميعاً تتفاعل وتتفاوض وتتنافس. لكن الفرق بين الدولة التابعة والدولة المستقلة هو أن الأولى تتلقى قواعد اللعبة، بينما تحاول الثانية التأثير فيها والتفاوض عليها من موقع مصالحها وقدرتها.
إن الاستقلال ليس شعاراً، ولا هوية أيديولوجية، ولا موقفاً من دولة بعينها.
الاستقلال قدرة.
قدرة على الرفض عندما يكون الرفض ضرورياً، وعلى القبول عندما يكون القبول في مصلحة العراق، وعلى التفاوض عندما تتعارض المصالح، وعلى حماية القرار الوطني عندما يتعرض للضغط.
وعندها فقط يمكن القول إن العراق لم يخرج من “دولة 2003” إلى مجرد تبعية جديدة، بل انتقل فعلاً إلى دولة عراقية حقيقية، تعرف مصالحها، وتحمي قرارها، وتتعامل مع العالم من موقع الندية لا التبعية.
فالمعركة الحقيقية للعراق ليست بين شرق وغرب، ولا بين قوة دولية وأخرى؛ إنها معركة بناء الدولة نفسها.
وحين تُبنى الدولة، يصبح الخارج شريكاً أو منافساً أو خصماً بحسب المصلحة.
أما حين تضعف الدولة، فإن كل الخارج يصبح قادراً على أن يكون وصياً عليها.