غضب السوريين اليوم ظاهرة مركّبة لا يمكن اختصارها في مؤامرة واحدة ولا في جهة بعينها. فبعد سنوات من الحرب وعقود من الاستبداد، من الطبيعي أن يعبّر الناس عن غضبهم من الفقر وتدهور المعيشة والقلق على مستقبل البلاد. غير أن هذا الغضب، بوصفه تعبيراً شعبياً واسعاً، يبقى عرضة لمحاولات التأويل والمصادرة من أطراف متعددة، كلٌّ يدّعي أنه الأحق بتمثيله أو تفسيره.
وهنا لا بد من التمييز بين الاحتجاج والاستغلال. فالاحتجاج حق للمواطن، تعبيراً عن ضيق مشروع ورفض لواقع مأزوم. أما الاستغلال فهو محاولة توظيف هذا الغضب لتحقيق أجندات سياسية أو إقليمية، أو تحويل المطالب السلمية إلى صراع وعنف. ووجود من يحاول استغلال الاحتجاج لا يلغي شرعيته، كما أن مشروعية الاحتجاج لا تعني تجاهل محاولات استغلاله.
إن من يملك حق تفسير غضب السوريين، في المقام الأول، هو السوري نفسه: المواطن الذي يعيش الفقر والقلق والتدهور، لا السياسي الذي يبحث عن منصة، ولا الخارجي الذي يبحث عن ورقة ضغط. غير أن هذا الحق الفردي لا يتحول إلى فعل سياسي إلا عبر قنوات سلمية تضمن عدم احتكاره من أي طرف.
ويبقى السؤال الأهم أمام السلطة الحالية: هل تمتلك مشروعاً واضحاً لبناء دولة المؤسسات والقانون، وصون الحريات، وتحويل الغضب الشعبي إلى حوار سياسي؟ فالمشكلة ليست في وجود الغضب، بل في غياب القنوات التي تحوّله إلى إصلاح بدلاً من انفجار.
قد يكون اتساع هامش الحرية هو ما سمح بظهور الغضب إلى العلن، بعد عقود كان فيها التعبير عنه مكلفاً. وهذا في ذاته مكسب هشّ، إن لم يُبنَ عليه مؤسساتياً، إذ سرعان ما يتحول هذا الهامش إلى فوضى أو إلى ذريعة لقمع جديد.
السوريون لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم، بل إلى دولة تسمعهم وتحترم حقهم في الاحتجاج، وتحميهم من الاستغلال، وتفتح أمامهم طريقاً سلمياً للمشاركة وصنع المستقبل. وعندها فقط يصبح السؤال عن “من يملك حق التفسير” سؤالاً بلا موضوع، لأن الغضب سيجد ما هو أهم من التفسير: طريقاً إلى الحل.