يعد رولان بارت واحدا من كبار فلاسفة اللغة في الكتابة الأدبية، سواء الشعرية أو الروائية أو المسرحية. وهو صاحب نظرية “جديدة” متكاملة التعبير والتفكير والانسجام، وضعها في منتصف سبعينات القرن الماضي، فأشعلت سجالا كبيرا وباتت مرجعية لا سابق لها في فرنسا وصولا إلى العالم العربي وأبعد منه، خصوصا للنقاد وطلاب الجامعات، بل صار بارت “موضة” يفتخر بنهجها هؤلاء. إنه نبي النقد ومرشده، إذ نسف الاتجاهات التقليدية في قراءة النص، تحت عنوان “في درجة الصفر للكتابة”، وتحت عناوين عديدة منها “موت المؤلف الواحد وتعدد الدلالات”. فهو يرفض فكرة أن النص الأدبي يمتلك معنى نهائيا واحدا يختبئ داخله، وأن مهمة القارئ اكتشاف دلالات حقيقية ثابتة، وصفها المؤلف مسبقا وباتت هي المرجعية. فمن النص الواحد إلى تعدد المعاني في النص التقليدي، يكون النص مجردا كالرسالة السهلة الواضحة المتكاملة التي لا لبس فيها ولا وراءها سوى أبجديتها، أي التي تفتقر إلى أي جوهر دلالي.
وينتقل بارت إلى أن المؤلف وحده يمتلك المعنى، وهي المقولة التي رددها بعض الشعراء العرب قبل مئات السنين: “المعنى في قلب الشاعر”. وأن القارئ يحاول تفكيك هذا المعنى. أي يمكن للنص الواحد أن يفتح قراءات مختلفة باختلاف القراء والأزمان والثقافات، فليس بالضرورة التوقف عند معنى واحد، وإنما شبكة من المعاني، مما يؤدي إلى موت المؤلف، ويقصد بذلك أن سلطة المؤلف في تفسير نصه تدخل في شبكة واسعة من اللغة ومشتقاتها وتطورها وانقساماتها، والثقافات والنصوص السابقة والرموز، والخطب الاجتماعية والاقتباسات، والتناصات التي تتشابه أو تلتقي أو تسرق أو تكرر اللغة الأدبية.
ويبرز ذلك أن النص لا يكتشف، فالقارئ هو الذي ينتج الدلالة. فعندما أقرأ رواية قد أجد فيها معنى سياسيا وآخر يوصفها نفسيا، وقد تتغير دلالاتها بالنسبة إلى القارئ نفسه بعد سنوات. فالنص ثابت نسبيا لكن الدلالة متحركة. وهنا يدخل بارت نسيج النص فيرى أنه لا يبدأ من الصفر بل يستعيد كلماته وصوره، فليس هناك معنى واحد للنص بل شبكة من المعاني، ونتيجة ذلك يموت المؤلف ويقصد أن سلطته في تحديد المعنى النهائي للنص تتراجع، كما أسلفنا.
فإذا كان بارت قد نفى وجود المعنى الواحد، وها هو ينتزع سلطة الكاتب عن كتاباته، فهو مرتبط بما سماه موروث النسائج بكلياتها وتعبيراتها، وهنا يدس مسألة اللاوعي في طبيعة الكتابة والرسم والرواية. لكن نتساءل اليوم ماذا تبقى من نظرية بارت التي هي أصلا تكثيف للكثير من آراء الشعراء والقراء، والمدونات النقدية والفلسفية المختلفة، التي بدأت تظهر في القرن الثامن عشر والقرن العشرين، وقد جمعها بارت واختزلها واستوعبها، وصاغها في مدار فلسفي منسجم، فالسجال حول تعدد المعنى واختلاف دلالاته وغموضه، قائم منذ ما قبل الإسلام عندنا، فقد اتهم المتنبي بالتناص (أي بالسرقة) أو تشابه نصوصه بنصوص شعراء آخرين. وأبو تمام عندما سأله أحدهم: “لماذا لا تقول ما يفهم؟”، فأجابه: “لماذا لا تفهم ما يقال”. وهذا مرتبط بالغموض في الشعر والرواية والرسم، وهنا بيت القصيد: أي تعدد الدلالات والمفاهيم والأحاسيس التي تدور كلها حول النص نفسه، من قارئ إلى آخر، ومن زمن إلى آخر.
وحين نصل إلى الحداثة، نسأل: هل يمكن أن تستجمع دلالة ما، من النصوص الدادائية مثلا وهي حركة فوضوية متفجرة لفظية بلا معان، ولا إسقاطات. وكذلك الرمزية التي لم يستطع النقاد أن يفسروا الدلالات عند معظم شعرائها ومنهم الفرنسي رينيه شار، أو إيلوار أو بعض كتابات رامبو، أو نصوص أراغون عندما كان ينتمي إلى السيريالية، التي أبعد أو أصغر من المعنى الذي نريد اكتشافه، وهي تصنع، بإحساسات مستقلة لغوية أو حتى جسدية.
حتى إذا استخدمنا المدرسة العبثية، فقد نخطئ، إذا حللناها لاقترانها بالعبثية نفسها. إنها لغة بلا لغة، ومعنى بلا معنى: كيف نفسر النصوص المجانية، هل نلجأ إلى الحلم أو إلى فرويد، أو آخر موضات النقد: التفكيكية وما بعد التفكيكية… وإذا أردنا سلوك هذا السبيل فلن نلجأ إلى نظرية بارت بل إلى كثير من المفاهيم، أولها اللغة وثانيها المجتمع وثالثها مسألة التناص ورابعها التاريخ وحتى الجينات.
ويحزننا اليوم أن نرى موت المؤلف والمعنى والدلالات معا، في زمن الذكاء الاصطناعي، أي الآلة والتكنولوجيا، وغياب الإنسان بإبداعه ومصائره.
ويمكن استنتاج معاني وأهمية نظرية بارت بأنها تركز على نوع من النصوص ذات الغموض وحتى الإبهام، وهي ترفع إلى طبقة خاصة بعمقها ودلالاتها. لكن هناك نوعا من النصوص الشعرية أو النثرية تتميز بالبساطة وعدم التعقيد، وهي نصوص مهمة افتتحت جديدا، كما نرى عند نزار قباني، وبول إيلويار، وإلياس أبو شبكة، والشعراء اللبنانيين في المهاجر وعلى رأسهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وسواهما، فهؤلاء لم يفصلوا بين القارئ والمعنى، وبين النصوص والدلالات.
