-
نور أبو فرّاجالجمهورية .نت
-
-
-
رمى طبيب الأورام التحاليل غاضباً، وقال مؤنّباً بالتركية إن السرطان في مراحل متقدمة، وإن تمّام تأخر وكابر على آلامه. لحسن الحظ، أو لسوئه، لم تصل هذه الرسالة إلى تمّام، فصديقه الكاتب والمترجم عن التركية اختار ألّا يترجمها له، مدركاً أن المعركة في ذلك الوقت باتت معركة مع الأمل والحظ والصدف، وأن رسالة مثل تلك قد تضعف عزيمته، وهو يحتاج الآن للتشبث بكل أملٍ ممكن للنجاة.
تلك الثغرة في الحكاية ما تزال غامضة حتى الآن؛ لماذا صبر وكابر؟ تمّام الرقيق، الذي يكره الألم ويخاف من الموت، لماذا أخفى ألمه وضاعف سراً عيار المسكنات قبل أن يستسلم أخيراً ويذهب لإجراء الفحوص التي كشفت عن سرطان المريء؟
أفسّر ذلك الآن، غاضبة، بكره خفي للذات أو إهمال متعمد للجسد؛ بحيث رأى هو أن هناك قضايا أكثر إلحاحاً من الحفاظ على حياته. طباع شخصية استسلم لها، كالكسل والتسويف، ومهمات عالقة على قائمة الـ(To Do List)، تتضمن جلب مريم من الروضة، أو لقاء صديق، أو حضور مباراة، أو مشواراً إلى البازار لشراء مستلزمات الأسبوع من الخضار، أو درس لغة تركية، أو قصيدة غير منتهية، أو مهمات أخرى لم يبح بها لأحد؛ كانت كلها بنظره أكثر أهمية من الذهاب إلى عيادة الطبيب في الوقت المناسب.
أم تراه الخوف؟ الخوف من أن يؤكد له الطبيب ما عرفه في قرارة نفسه، بأن حياته لن تستمر طويلاً، وأن حبه لها لن يحميها من الزوال. فتمّام، حتى قبل سنوات من المرض، لم يكن يتحدث عن نفسه بصيغة الشخص الطامح لأن يعمّر طويلاً. ومع ذلك، لا أعتقد بأنه توقع أن يموت في عمر الـ42؛ فهذا توقيت مبكر جداً، حتى من وجهة نظره هو.
بمجرد إشاعة خبر المرض بين أفراد أسرته وأصدقائه المقربين، بدأت المشاورات حول المكان الأفضل لبدء رحلة العلاج؛ فالعلاجُ في تركيا مُكلف وغير مضمون النتائج. أما سوريا فكانت الخيار الأفضل له نفسياً، لكن ليس طبياً. ما زلت أغلق عيني وأتخيله مستلقياً في سرير ومحاطاً بأفراد أسرته الذين احتاج إلى وجودهم قربه. لكن هذا الخيار ظلَّ في نطاق الخيالات غير المحققة؛ فتمّام لم يمتلك ترف الموت أو محاولات النجاة في بلاده، لأن النظام الصحي والهشاشة الأمنية والشحن الطائفي كانت ستعجل بموته.
الخيار الأنسب والأكثر عقلانية كان العودة إلى السويد، لتلقي أفضل علاج ممكن، تاركاً خلفه شمس إسطنبول التي أحبّها. في المرة الأخيرة التي زارني فيها في إسطنبول، قبل يوم من سفره الأخير، قال لي: «تستطيعين البكاء»، وكان يقصد بذلك دفعي للتوقف عن التمثيل أمامه بأن معنوياتي كانت مرتفعة، في حين أنني كنت مرتعدة من الخوف عليه. وبمجرد قوله ذلك، توقفت عن الكذب وتركت حزني يتكشفُ أمامه. جلسنا صامتين معظم الوقت، والتقطنا صورة أخيرة على شرفة منزلي يظهر فيها حاسبه المحمول مفتوحاً على الصفحة التي كان يحجز بها تذاكر الطيران.
في الأشهر الأخيرة التي عاشها في تركيا، قبل أن يتم تشخيص السرطان رسمياً، بدأت ألمس تغيّرات طفيفة في هيئته وطريقته في الكلام؛ صار أكثر حزماً، وأكثر ضجراً وتعباً. آنذاك قرأت ذلك كشكل من أشكال النضج، كأنه تعلم أن يرسم حدوده، وألّا يوزّع دماثته بالمجان إلا لمن يستحقها. هل يُعقل أن ذلك كان مؤشراً على أنه بات يضيق ذرعاً بالحياة، وأنه ما عاد قادراً على احتمالها؟
لم يكن تمّام شاعراً دائماً أو أباً أو مناضلاً سياسياً فهو كان قبل كل ذلك طفلاً. يظهر هذا الطفل الأسمر في كل صور أعياد ميلادي تقريباً وأنا صغيرة، وهو الذي يكبرني أربعة أعوام، تتجسد بعدد من السنتيمترات التي تفصل بين قامته وقامتي في الصور. رغم اختلاف العمر، جمعنا ربما نوعٌ من الاغتراب المشترك في مواجهة العالم؛ كأننا كنّا ننتمي إلى محيطنا ولا ننتمي إليه في الوقت نفسه. في مقاهي إسطنبول وشوارعها وعبّاراتها استطعنا، بعد سنوات، استرجاع طفولتنا المشتركة، ومقاطعة الروايات ووجهات النظر، لنكتشف أن ما جمعنا كان أكبر مما كنا نظن. لكن صلة الدم لم تكن القاسم المشترك الوحيد بيننا، لأننا أدركنا مبكراً أن المرء منا يولد في عائلة واحدة، لكنه يختار بعدها طواعيةً تكوين عشرات العائلات الأخرى.
يُذكرني تمّام بجمال الصداقات؛ تلك الصلة العجيبة، الاختيارية بالكامل، التي تنشأ بين الأغراب الذين لا يعودون أغراباً لأنهم ربطوا مصائرهم ببعضهم البعض، وقرروا بأن الحياة يمكن احتمالها بالكاد حينما تجد رفاقاً يشاركونك ثقلها.
يمتلك تمّام علاقة غريبة بالوقت والتواريخ؛ لا يقتصر الأمر على حفظ تاريخ الأحداث المفصلية في حياته، كزواجه واعتقاله ومغادرته سوريا للمرة الأولى، بل يتجاوز ذلك إلى تأريخ اللقاءات والأحاديث التي قد تُعد هامشية في نظر أشخاص غيره. لطالما استغربت علاقته تلك بالوقت، كما لو أن حياته خط زمني واضح المعالم، وهو قادر على تحديد الفصل واليوم، وأحياناً الساعة التي حدث فيها هذا الأمر أو ذاك. امتلك أيضاً عادة غريبة أخرى، تتجلى في إصراره على التوثيق ونسب الأحاديث لأصحابها، كأن يقول لي: «كنت أقول لعبد الله، أو لأيهم، كذا…» أو «كنت أحادث علاء عبر الهاتف وقلت له كذا».
لم أفهم يوماً إصراره على توثيق السياق الذي وُلدت فيه أفكاره، لكنني ربما أفهم ذلك الآن. فتمّام يرى ربما أن التفكير عمل جماعي، والأفكار التي تولد خلال حديث مع عبد الله ستختلف عن تلك التي يتبادلها مع أحمد أو معاوية، والأمر ذاته ينطبق على آلاف النكات والمفارقات التي صاغها مع رفاقه في ساعات السهر على الشرفات أو الاتصالات الهاتفية أو جلسات المقاهي.
كان تكرار السياق اعترافاً بحالة الخلق الجماعي للفكرة، أو احتفاءً بعمق الأحاديث وغنى الصداقات التي ساهمت في توليدها.
يقولون رحل تمّام عن عالمنا، ترجّل، غادر، انتقل. وأقول بأنه طُرد من عالمنا طرداً. أو هذا ما أحسّه الآن على أي حال بتأثير الغضب من خسارته. لو كان الأمر بيده، لكان بقي متشبثاً بالحياة لأطول وقت ممكن، كشخص يرفض الاعتراف بأن الحفلة انتهت، والموسيقى توقفت، والوقت حان للعودة إلى المنزل. لم يرحل تمّام عن عالمنا طواعيةً، لكن الحياة وصعوباتها عقّدت محاولات نجاته وأضعفت همّته على الاستمرار في القتال من أجلها.
لا يُصيب السرطان السوريين فقط، أو المهاجرين واللاجئين، أو المعتقلين السابقين، لكنه يكتسب معنى إضافياً حينما يأتي تتويجاً لحياة شاب سوري رقيق اعتُقل وهُجّر وخسر منزل طفولته وحلمه بسوريا أفضل. تمّام اعتُقل مرتين، وهو ابن معتقل أيضاً. أتذكر أنني سمعت مرة أن ظهره حمل آثار السجائر التي أطفأها السجانون على جلده أثناء جلسات التحقيق، لكنني لم أسمع ذلك منه يوماً. وحتى حينما عملت أنا في توثيق شهادات المعتقلين السابقين، لم يسارع يوماً إلى مشاركتي بتجاربه الخاصة. لم يتحدث يوماً أمامي عن التعذيب، لكنه تحدث عن الصداقات التي بدأها في السجن، وأتبعها أحياناً برحلات بحث استمرت سنوات عن أشخاص انقطعت أخبارهم بعد خروجهم من المعتقل.
أحب تمّام اللغة العربية، بل عشقها. العربية كانت ملجأه وطريقته في الدفاع عن نفسه في مواجهة العالم، لكنه حُرم من استخدامها في أصعب لحظات حياته. بينما كان يموت، اضطر لاستبدالها أولاً بالتركية التي استخدمها في مواعيده الأولى مع الأطباء ومخابر التحليل في إسطنبول، ومن ثم بالإنكليزية والسويدية اللتين تواصل عبرهما مع الكادر الطبي في مالمو. لا يوجد ما هو أكثر وحشة من أن تموت وأنت تتحدث بلغات ليست لغتك. لطالما تحدثنا أنا وهو عن تعلقنا باللغة العربية من منظور التحليل النفسي الذي يُركز على رمزية «اللغة الأم». حاولنا فهم الصلة الغامضة التي تجعلنا نتلعثم ونفقد بلاغتنا حينما نتحدث بلغات أجنبية، كما لو أننا نرفض لا شعورياً الإخلاص للّغات غير العربية.
لطالما عارك تمّام مع نظام التعليم في سوريا، وامتحان الشهادة الثانوية، ونظام التعليم المفتوح حينما درس الصحافة في دمشق فيما بعد، لكنه بعد مغادرتها كان قادراً على تعلم ثلاث لغات ونيل شهادات في اختصاصات مختلفة، كي يُثبت لنفسه وللآخرين من حوله أن المشكلة لم تكن دائماً فيه، بل في النظام التعليمي الذي لم يُبنَ ليتقبل أو يتعامل مع أشخاص ذوي حاجات تعليمية مختلفة. وحينما انتهت معارك إثبات الذات، رغب في العودة إلى الدراسة باللغة العربية في قسم علم الاجتماع في جامعة ماردين، لكن المرض حرمه من نيل شهادته الجامعية الأخيرة.
في 5 شباط (فبراير) 2025، كنت من بين بضعة أشخاص رافقوه في رحلة رجوعه الأولى، والأخيرة، إلى سوريا بعد سقوط النظام. كان الحدث كبيراً حتى شعرنا بأن الراجع بعد سنوات من الاغتراب القسري يستحق أن يُزفّ إلى بلاده زفّاً. مع اقتراب الحافلة التي أقلتنا من لبنان حتى سوريا، جلس صامتاً بجانب السائق، متشبثاً بمقبض بلاستيكي مثبت على السقف، كما لو أنه يخاف السقوط، فيما كنت أصوِّر أنا ظهره من الخلف، مفترضةً أنه كان يذرف دموعاً لا أراها. العودة إلى سوريا كانت جارفة بكل معنى الكلمة. لقد كان سعيداً، لكن عاتباً، كما لو أن البلاد تحتاج إلى بذل جهد أكبر لكسب ثقته مرة أخرى، وكي يستطيع مسامحتها على ما فعلت به. توجسه كان في مكانه؛ فسوريا حملت له المزيد من الخيبات اللاحقة.
في منزل أسرته في صمّا، كانت قمر زوجته توثّق بكاميرتها كل شيء؛ مائدة الإفطار الصباحية، وساعة الحائط، وصور أفراد العائلة، وكانت تتبع خطوات ابنتهما مريم وهي تستكشف منزل جدها للمرة الأولى.
كل ما صورته قمر بكاميرتها أُحيل رماداً بعد أشهر فقط من الزيارة. ففي تموز (يوليو) 2025، تم تهريب والد تمّام وأمه وأخيه إلى منزل أحد معارفهم في قرى محافظة درعا، بعد أن خاطر الرجل بسلامته لتأمين نجاتهم.
في 17 تموز 2025، وخلال بث فيديو مباشر على فيسبوك، ظهر تمّام بعد أيام من انتهاء المجزرة، وكان يبدو هزيلاً ومتعباً جراء جلسات العلاج الكيماوي، لكنه تحدث عن السويداء وعن نجاة أسرته بأعجوبة من الموت. شكر صديق أسرته أبا رامي، ونقل بأمانة عبارته المحبة التي قالها باللهجة الحورانية. في التسجيل، قال حانقاً إن نموذج العيش المشترك موجود حقاً في سوريا وليس متخيلاً؛ فهناك من أساء، وهناك في المقابل من فعل خيراً، وحمى غيره، واختار أن يكون شجاعاً ويقول كلمة الحق.
في وقت التسجيل، لم يكن المنزل قد احترق بعد، لكن الأخبار توالت عن ذلك لاحقاً. بصورة أو بأخرى، جعلت أخبار سوريا المتسارعة حدث إصابته بالسرطان حدثاً هامشياً حتى بالنسبة له؛ كل شيء بدا أكثر أهمية وإلحاحاً من حياة شاعر رقيق خانه جسده.
للمفارقة، كان موته بعد أشهر دليلاً آخر على إمكانية العيش المشترك، أو بالأحرى إمكانية الحب المشترك الذي تدفق من جميع المدن السورية ومن أقطار عربية أخرى لحظة إعلان خبر موته. بصورة أو بأخرى، كانت سوريا قاسية على تمّام، لكن السوريين لم يكونوا كذلك. فهو كان محاطاً بالحب أثناء حياته وفي لحظة غيابه. وأعتقد أنه كان أيضاً من القلائل المحظوظين الذين أحسّوا بحب الآخرين لهم قبل فوات الأوان.
أُعيد قراءة النص الذي كتبته مرة أخيرة، وأفكر بأن تمّام لن يعجبه الإكثار من الأفعال الماضية الناقصة، خاصةً وأنني كنت أستوعب أثناء الكتابة رحيله، فأُعدل في تركيب الجمل، كأن أكتب «في رجوعه الأول إلى سوريا»، وأفطن إلى أنه بات أيضاً الرجوع الأخير. أدرك أن كل ما سأكتبه أو أقوله عنه بات إلى الأبد أسير الزمن الماضي الكامل، وأنني لن أستخدم بعد الآن معه فعلاً مضارعاً واحداً. لكنني أستطيع دائماً وفي كل مناسبة الهرب نحو صيغ المستقبل، وتخيل سيناريوهات لجمل كان سيقولها أو أمور سيفعلها في هذا الظرف أو ذاك. سأكون محظوظة إذا نجحت حينها في استذكار بحة صوته وابتسامة وجهه التي لا تموت.
أتخيل قائمة مهام كتبها بخط يده وعلّقها على ثلاجة المطبخ أو فوق مكتبه. أمام كل مهمة أتمّها، رسم إشارة (✓).
كتب حفنة من الدواوين الرقيقة، والتقط لنا ما يكفي من صور السيلفي في المطارات والمستشفيات والشوارع، وتعلم اللغات التي احتاج إلى تعلمها، وأحب فلسطين، وشاهد ديكتاتوراً يسقط، وزار مدناً كثيرة، ووجد أخيراً شجرة نارنج في غرناطة، قطف منها ثمرة كي يشم رائحتها لآخر مرة. أنجب مريم وعرف كيف يحبها، كاسراً تقاليد الآباء الغائبين، وشاهد مصر تشارك في بطولات كأس العالم، وأثبت أن الحب في هذه البقعة من الأرض ما زال ممكناً، وأن المرء في بحثه عن النموذج المضيء للعيش المشترك قد لا يفطن إلى أنه هو نفسه مثال حي لهذا العيش. نعم، الشفاء التام من السرطان كان المهمة الأخيرة التي عجز عن إتمامها. لكنه كان أكثر تعباً من أن يعبأ بذلك.
-