نشرت صفحة الأرشيف السوري، المهتمة بجمع صور وتسجيلات ومواد أرشيفية توثّق التحوّلات في تاريخ سوريا، على منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي أغنية بعنوان: «يا حافظ الأسد – المجموعة»، مع إشارة إلى أن هوية الشاعر الذي كتب كلماتها مجهولة، وكذلك هوية الملحن أو الفرقة التي أدتها، وتاريخ تسجيلها والمناسبة التي أُنجِزت من أجلها.

وللحقيقة، فإن غياب هذه المعلومات لا يُشكِّل أي فرق، لأن الأغنية مثال نموذجي على عشرات الإنتاجات المشابهة الأخرى التي كبر عليها السوريون، بحيث يبدو لحنها أزلياً ومألوفاً، حتى لمن يسمعها لأول مرة. كما أن غياب أسماء الأفراد الذين أنتجوها جزءٌ من هويتها، لأنها، بكل الأحوال، موقّعة باسم «الشعب السوري» كله.

يمكن القول إن الأغنية أشبه برسالة غزل مفتوحة لحافظ الأسد، الذي، كما تقول كلماتها، حلّ في شعبنا «كالروح في الجسد». لاحقاً، تُكمل أبياتها بالركاكة نفسها، ومع الإصرار ذاته على استخدام ضمير الجماعة: «يا حبّنا عاهدتنا إنا معاهدوك/ ونصرتنا فاسلم لنا إنا مؤيدوك».

أمّا الصور التي أرفقتها المنصة بالأغنية، فهي أيضاً مثالٌ نموذجيٌ على الجداريات التي كسَت المدارس والمباني الحكومية، واللوحات التي ظهرت على صفحات الكتب المدرسية في سوريا خلال سنوات حكمه. في إحداها، نرى حافظ الأسد متوسطاً اللوحة، وهو يرتدي بدلةً رسميةً، ويُحاذيه أطفال يرتدون زيّ طلائع البعث ويُقدّمون له الزهور، أمّا حوله فيحتشد «الشعب» أو «السوريون» الذين يرتدون أزياء ترمز لمختلف الأديان والمهن والمحافظات. وفي صورة أخرى، نرى حافظ الأسد مرتدياً بدلةً عسكريةً، وهو يرفع العلم السوري على سارية، بحيث يُشكّل جسده المرتفع قليلاً ذروة هرمٍ من الأجساد البشرية. وأسفله باقي فئات الشعب يُصفِقون ويرفعون أيديهم له بالتحية والورود. في هذه الصورة، يمتد الأخضر الزيتي لبدلة القائد العسكرية ويتَّحدُ مع البدلات العسكرية لطلاب وطالبات «الفتّوة» في المرحلتين الإعدادية والثانوية، بالإشارة المكررة إلى الجيل الجديد الذي يُكمل مسيرة القائد.

بصورةٍ أو أخرى، تُقدِّم هذه المواد الأرشيفية دعوة لإعادة التأمل والتفكير بما يمكن تسميته بتاريخ «الولاء الأدائي» أو الاستعراضي (Performative Loyalty) في سوريا.  يختلف الولاء العفوي لقائد أو فكرة، عن الولاء الأدائي، لأن الأول قد يكون باطنياً أو يبقى في نطاق التفضيلات والتوجهات الشخصية، في حين أن الثاني يفترض وجود جمهور يتفاعل ويتأثر ويُحاكي ولاء «المؤدي» لقائده بما قد يُسهِم في حشد جمهور أكبر من الموالين له. في سوريا، قد لا يكون من المبالغة القول، إن ظاهرة الولاء، حينما تَحوّل إلى شكل من أشكال الأداء الاجتماعي والرمزي والسياسي، أعيّت الباحثين وجذبت اهتمامهم في الوقت ذاته.

في كتابها التباسات الهيمنة: السياسة والخطاب والرموز في سورية المعاصرة، تدرسُ ليزا ويدين بتعمُّق ظاهرة تقديس حافظ الأسد، رغم كونها تعجز عن تفسيرها أو فهمها تماماً. يُركز عملها على تحليل الخطاب السياسي السوري في المسرح والإنتاج التلفزيوني والشارع والاحتفالات الجماهيرية والجرائد الرسمية التي تُصوِّر الأسد على أنه «حاضر في كل مكان وعليم بكل شيء» خاصة وهو «الأب»، و«المقاتل»، و«المعلم الأول»، و«منقذ لبنان»، و«القائد الأبدي»، أو «الفارس الشجاع».

تَرى ويدين أن تقديس الأسد يتَّسم بقدرٍ من الابتذال الجليّ، رغم انتشار الشعارات التي تُمجِّده وصوره المتكررة بلا نهاية، فهي تكتب: «إذا كان الهدف من هذا التقديس هو صناعة الكاريزما وترسيخ الإيمان الشعبي بها، فإنه لا يبدو ناجحاً في تحقيق ذلك. ومع ذلك، تُواصل القيادة السورية تخصيص قدرٍ كبيرٍ من الوقت والمال لإدامة هذا التقديس وإجبار المواطنين على المشاركة فيه».

وفي قسم آخر من الكتاب، تتّخذ الكاتبة من كتابات ميشيل فوكو حول الانضباط والسيطرة أساساً لتفسير إصرار النظام السوري على إخضاع جسد المواطن العادي وتحويله إلى مؤدٍ فاعل في مشهدية الهيمنة. فهي تُفرِد مساحة كبيرة لتحليل حفل افتتاح دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط ​​عام 1987، الذي يمزج وفق قولها بين الابتذال والسيطرة. وما استوقفها كان رفع أكثر من اثني عشر ألف شخص، في مدرجات الملعب، بطاقات ملونة شكّلت، في اجتماعها، لوحة فسيفسائية تقول: (نحن  حافظ الأسد). تُظهر هذه المشاهد صورة النظام السوري عن نفسه كنظام محبوب ومُمثل لأبناء شعبه، لكنها أيضاً تعكس قدرته على إخضاع الأفراد وتشكيل الفضاء العام، بحيث يُصبح جسد الرئيس، بصورة أو أخرى، جسدَ الأمة.

في تحليلها، تُركِّز ليزا ويدين على هذا النوع من الولاء الاستعراضي، بوصفه استراتيجيةً مفروضة من الأعلى إلى الأسفل، وتُشير إلى تأثُّر نظام حافظ الأسد بالاستعراضات العسكرية والملصقات الدعائية في الاتحاد السوفيتي، بحيث تتحول ظاهرة عبادة الرئيس، في نظرها، إلى أداة رخيصة التكلفة تُعزِّز هيمنة واستدامة النظام.

أمّا في زمن بشار الأسد، فالولاءُ الأدائي لم يختفِ، لكنه أخذ أشكالاً أخرى. وكما هو معروفٌ اليوم، اتبع  بشار الأسد استراتيجية مختلفة عن أبيه، وتحديداً في سنوات حكمه الأولى، حينما تجنّب أن يُجسَّده بتماثيل أو نُصب فيزيائية، ورفضَ أيضاً إطلاق اسمه الأول على المباني الحكومية والشوارع. وقامت سياسات العلاقات العامة لبشار الأسد على فكرة التنصّل من نهج فرض الولاء بالإجبار كجزء من استراتيجية دعائية. على العكس من ذلك، حاول بشار الأسد في سنوات حكمه الأولى على الأقل، أن يُصوِّر الولاء الأدائي على أنه خيار شخصي لأفراد الشعب بدلاً من أمر مفروض عليهم؛ فهو، وعلى اعتبار أنه قائد «شاب وديمقراطي» لم يُرِد أن يمنع أفراد شعبه من أن يُعبِّروا عن حبهم له بالطرق التي يختارونها. لكنْ، ورغم غياب التماثيل، عزّز الأسد الابن هيمنته لاحقاً بالصور الفوتوغرافية، وبإعادةِ استخدام اسمه مراراً وتكراراً في الشعارات والهتافات المحكية وفي الأغاني الدعائية. وثّقت دراسة صادرة عام 2018 عن مركز حرمون، أجراها الباحث والصحفي سلطان جلبي، حول أدلجة الغناء ضمن السياق السوري، ظهور أكثر من 700 أغنية تمجّد النظام السوري بعد عام 2011. ومن أصل الأغاني العشر التي حلَّلتها الدراسة كنموذج لأغاني السلطة، تكرَّر ذكر اسم بشار الأسد 109 مرّات.

ضمن هذا السياق، وبعد سقوط النظام، قدّم الفيديو الذي سُرب من داخل سيارة بشار الأسد، في رحلته ضمن منطقة الغوطة مادةً غنيّةً لتحليل كيف كان الأسد يتفاعل مع ولاء جيشه له في الكواليس، وكيف كان بدوره يؤدي دور الرئيس. فحينما تسأله لونا الشبل عن مشاعره حينما يرى صوره منتشرة في كل مكان، يقول إنه لا يُحس بشيء، وإن عينيه وعقله اعتادا ألا يريا هذه الصور. بصورة أو أخرى، درّب بشار الأسد جهازه الإدراكي على ألا يرى صورته وألا يُميزها في حين أن السوريين وأينما تلفتوا لم يروا سواها تلاحقهم في كل مكان.

وفي مشهد آخر رأينا الأسد وهو يسحب يده محاولاً أن يمنع أحد المحتشدين حول سيارته من تقبيلها لتعلق لونا الشبل ساخرة بأن أبناء الشعب «ما فيهن بلا ما يبوسوا الأيادي». وأخيراً نسمع الأسد والشبل يناقشان ويسخران من صورة نشرها سهيل الحسن فوق جبل قاسيون مع مقاتلين روس، وأرفقها بعبارة «نمر قاسيون». هنا أيضاً، يستوقفُنا مجدَّداً كيف يُحيّد بشار الأسد نفسه عن هذا النوع من استعراضات القوة، كما لو أنه مشاهد خارجي محايد. لكنْ، ورغم الحيادية الظاهرية، كان أهم ما كشفته هذه التسريبات مدى تعاليه وفوقيتهِ تُجاه «شعبه». ما أظهر لنا أنه هو نفسه كان يُمارس أيضاً نوعاً من الأداء؛ فهو يُمثّل دور القائد المتواضع الذي يحب أبناء بلده، يُوقف سيارته ويِخفض شباكه للسلام عليهم والابتسام لهم، لكنه يبدأ بالسخرية منهم والتعبير عن «كم القرف» الذي يُحسُّ به بمجرد إغلاق الشباك وإكمال طريقه.

لفهم دلالة هذه التسريبات ومعناها، يُمكن الاستعانة بكتاب إرفن غوفمان، تقديم الذات في الحياة اليومية، وهو عمل كلاسيكي في علم الاجتماع يدرس كيف يُقدِّم الأفراد أنفسهم والأدوار الاجتماعية التي يلعبونها في تفاعلهم اليومي مع الآخرين. ورغم أن هذا الكتاب يُركِّز على أشكال الأداء المختلفة داخل الأسرة وفي العمل، فإنه يتضمن فصولاً وإشارات مهمة لتحليل الطريقة التي يُقدّم بها السياسيون أنفسهم على خشبة مسرحٍ متخيّلة. يُطوّر غوفمان استعارة المسرح الأمامي والخلفي لكي يتحدث عن شكلين من أشكال الأداء الذي يقوم به السياسي لكسب جمهوره وتقديم صورة مُحددة عن نفسه. فنحن هنا أمام شخصيتين؛ الشخصية الحقيقية للسياسي خلف الكواليس، والشخصية المضبوطة والمؤدَّاة على المسرح الأمامي. ولهذا، يشير غوفمان إلى ما يُسمّيه «لحظة إدارة الانطباع» حينما يشهد بعض أفراد الجمهور لحظة نادرة من التحوّل، عندما يرتدي السياسي أو المؤدي «شخصيته» ويخلعها.

من جانب آخر يتحدث غوفمان أيضاً عن الطريقة التي يتعامل بها الشخص الاعتباري مع نفسه، وكيف يُصرُّ دوماً على أن يخرج إلى الناس مُحاطاً بحاشية ومراسم، خوفاً من أن ينتقص ظهوره بصورة غير رسمية من شأن الهالة السحرية التي يحاول تشييدها حوله.

في الحقيقة، يُمكِن المجادلة بأن بعض أفكار غوفمان باتت تُعد اليوم كلاسيكية أكثر من اللازم، خاصةً وأن استراتيجيات العلاقات العامة للسياسيين اليوم تُركِّز على التظاهر بنزع الاعتبارية عن «الشخص الاعتباري» عبر أداء متصنع ومدروس يُصوِّره كشخص متواضع وقريب من الناس، بما يُعزِّز «اعتباريته» ومحبته.

بشار الأسد نفسه استخدم هذه الاستراتيجيات خلال سنوات حكمه، حينما رأيناه يتناول الشاورما مع أفراد عائلته في حي الميدان، أو حينما وثّقت زوجته أسماء رحلة تلقيها جرعات الكيماوي الأولى في مشفى عسكري. إلا أن هذا التوجُّه زاد وضوحاً بعد سقوط نظامه، وَوُظِف بكثرة من قبل الرئيس الحالي أحمد الشرع ورموز أخرى من نظامه، كوسيلة لكسب وبناء الشعبية. إذ نرى الشرع يلعب كرة السلة ويأخذ زوجته لشرب القهوة في بلودان أو يتناول الطعام مع وزير الخارجية أحمد الشيباني في مطعم بسيط، لتُعنوِن وسائل الإعلام المقطع بـ «في مطعم شعبي وبلا بروتوكول: أحمد الشرع يتناول وجبة طعام بدمشق». كذلك نرى وزير الثقافة السوري في مقطع آخر لا يقلُّ ابتذالاً، وهو ينحني لالتقاط الأوساخ ورميها في سلة مهملات أثناء جولته في معرض دمشق الدولي. مجدداً، نحن هنا أمام أداء سياسي غير مُتقن، لا يمكن تصديق أصالته أو تلقائيته، ليس لأن أحمد الشرع لا يمكن أن يشتهي وجبة طعام في مطعم شعبي أو أمسية هادئة في بلودان، بل لأن الأفعال، مهما بدت عفوية، يُمكن أن تتحوّل، بمجرد تصويرها وتداولها، إلى أداء سياسي.

وبالعودة إلى تفاعل المجتمع مع الدعاية السياسية، يُمكن القول إن شريحة ضخمة من المؤيدين لرموز النظام الحالي لا تختلف، في العمق، في شكل ولائها عن المؤيدين لنظامي الأسد الأب والابن. فالولاء الأدائي لا يُقاس فقط بالصور والتماثيل والشعارات ومسيرات التأييد في الشارع، بل يمتد أيضاً إلى الثقافة والخطاب العام الداعي لتقديس السلطة وتبرير أفعالها وإقصاء من يرفضها أو ينتقدها. فالولاء في الحالة الطبيعية يبقى في سياق التفضيل الشخصي كامتداد لتوجه سياسي، لكنّه في الحالة السورية يُصبح أداةَ سيطرة على ولاءات الآخرين وتوجهاتهم السياسية، وهذا ما يجعله فعلاً عنيفاً وخطراً.

بعد موجة الاحتجاجات التي شهدها عددٌ من المدن السورية نتيجةَ ارتفاع أسعار المحروقات قبل أيام، تحوّلت أقسام التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة صراع بين مؤيدي السلطة الجديدة ومُنتقديها. يكتب أحد الداعمين للنظام الحالي على صفحته دون مقدمات: «ابصق في وجه من يمنعك من تأييد محرِّرك من الإبادة ومحرر بلدك من وحوش الأرض». موالون آخرون يستخدمُون في مديح الشرع تعبيرات مثل: «أحمدنا»، «الفاتح»، «قائدنا»، ويخلصون إلى نتيجة مفادها «الله يعينك على هالشعب» على اعتبار أن الرئيس لديه ما يكفي من المشاغل والهموم، ولا طاقة له على احتمال نكد ومزاجية السوريين الذين يشكون من ارتفاع سعر المحروقات بنسبة غير مسبوقة وصلت إلى 40 بالمئة. استخدام الـ«نَا» هنا يُعيدنا إلى الأغنية الرديئة عن حبنا وولعنا بحافظ الأسد، المذكورة في بداية هذا المقال، ما يطرح سؤالاً حول هذا الإصرار التاريخي في استخدام «نا» الجماعة للدلالة على جموع السوريين والكلام بالنيابة عنهم، رغم أنّهم مجموعة بشرية متنوعة وغير متجانسة.

من جانب آخر، تتبنى فئة ضمن المجتمع اليوم خطاباً يعتبر أن الشعب السوري «شبيح» بطبيعته، وأنه يمدح أيَّ سلطة ويُطبّل لها مهما تناقضت توجهاتها. يُصوَّر الأمر كخلل في بنية المجتمع نفسه، أو كدليل على تخلّفه، في تجاهلٍ لعوامل أكثرَ تعقيداً تُفسِّر جزءاً من سلوكه، مثل غياب الإرث الديمقراطي والنشاط الحزبي والسياسي، إلى جانب عامل الخوف وغياب الثقة بالسلطة نفسها؛ فالمبالغة في الولاء شكل من أشكال الاحتماء بالطرف الأقوى، والآمنون عادة لا يحتاجون إلى اللجوء للمبالغة.

مع ذلك، لا يُمكن أن يُساق «الخوف» كعامل مُبرِّر أو حاسم في تبرير «الولاء الأدائي» الذي ينطوي في كثير من الأحيان على قدرٍ من الانتهازية والتزييف. فحتى في أقسى سنوات حكم الأسدين، كان المجال متاحاً لأفعال مقاومة صغيرة لا تضع المرء في مواجهة مباشرة مع النظام، لكنها أيضاً تحميه من «التطبيل» له. أذكُر، على سبيل المثال، امتناع الأفراد (متى استطاعوا) عن الخروج من منازلهم في أيام الانتخابات أو مسيرات التأييد، لتجنُّب جرّهم إلى مهرجانات واحتفالات تُعارض قناعاتهم؛ أو ابتكار نكتٍ وألقاب تسخر سراً من القادة في محاولة لنزع قدسيتهم. ورغم أنه نظر إلى المنطقة «الرمادية» في السياق السوري كوصمة عار، لكنها قد تغدو أيضاً شكلاً من المقاومة الخجولة، خاصةً حينما يتم الابتعاد عن التأييد الولائي واختيار السلبية والحياد عند غياب الجرأة أو القدرة على المجاهرة بموقف سياسي. فهذا النوع من المقاومة يُعيد إلى الأذهان الصورة الشهيرة لشخص يقف مشبوك الأيدي رافضاً رفع يده بالتحية النازية أمام هتلر عام 1935، في فعل بسيط حوّل جسده نفسه إلى رسالة احتجاج.

وهنا أيضاً يكون من المفيد الرجوع خطوةً إلى الوراء وتأمل ما يُعرف بالولاء الأدائي في سياقات أخرى، للخروج من منطق التعميم بأن ثقافة «الخضوع» تسري في دماء السوريين باختلاف القائد الذي يحكمهم. بعض الأمثلة العالمية تجعلنا نسأل: لماذا يُنظَر إلى تقديس الملوك في سياقات محددة باعتباره إرثاً ثقافياً وتاريخياً، في حين يُنظر إليه ضمن سياقاتٍ أخرى باعتباره دليلاً على التخلّف؟

ففي بريطانيا مثلاً، الهوس بالعائلة الملكية وكل ما يتعلق بها يستدعي الانتباه أيضاً، خاصةً أنه متجذِّرٌ تاريخياً ومُتناقل من ملك إلى وريثه، ومن جيل إلى آخر. في كلِّ عام، يحتشد ملايين السيّاح، لزيارة كنيسة وستمنستر، المعلم التاريخي الأشهر لتتويج ملوك بريطانيا. هناك تتغلغل الطقسية في كل التفاصيل؛ بدءاً من اللغة المُفخَّمة المستخدمة للتعليق على كل ما يرتبط بالأسرة المالكة، مروراً بصورِهم وتماثيلهم وأقنعة موتهم، ووصولاً إلى الأدوات التي لمسوها يوماً، كالأبواب والأزياء، والكراسي.

لكنْ، ومقابل هذا التقديس، ومقابل المتعة الشعبية الشرهة في استهلاك هذه الطقوس الأدائية والمشاركة فيها طواعية، هناك أيضاً جانبٌ من الخفة المضادة التي يجري فيها نزع القدسية عن الأسرة الملكية، وتصل إلى حدِّ تحويل أفرادها لتذكارات قابلة للبيع والشراء. فعلى مسافة غير بعيدة من الكنيسة التاريخية، يُمكن مثلاً شراء تماثيل كاريكاتورية صغيرة للملكة الراحلة، برأس كبير مُعلَّق على نابض يجعل تاجها يهتز عند أدنى حركة.

إلى جانب ذلك، شكّلت الأسرةُ الملكية مادةً أساسية للسخرية في التراث الكوميدي البريطاني، واستُهدِف أفرادها في الكاريكاتير ومسرح الدُّمى والبرامج الحوارية. لكن الحال لم يكن هكذا دائماً، فالتاريخ البريطاني يكشف قدرَ الحساسية المرتبطة بالسخرية من الرموز الملكية سابقاً. ففي العام 1351 صدر ما يُعرف بقانون الخيانة العظمى الذي كان يُجرِّم حتى التفكير بموت الملك أو تخيّله.

أخيراً، ورغم اختلاف السياقات، تبقى ظاهرة تقديس الملوك والرؤساء أينما كانت في العام 2026 ظاهرة إشكالية تُعبّر عن نزعة دونية تجاه من هم في السلطة، سواءٌ بقيت في نطاق الممارسة الطقسية أو امتدت لتُصبح ممارسة سياسية إقصائية، خاصة وأنها تُغفِل دور الشعوب في رفع رموز السلطة وخلق الهالة من حولهم.  فإذا ما كان إرفن غوفمان مُحقّاً في ادعائه بأن كل فعل نفعله، في أيِّ سياق كان، هو نوع من الأداء، وأننا دائماً على خشبة مسرح نُعيد بناء صورتنا في علاقتنا مع الآخرين ومع السلطة، فيحق لنا أن نسأل هنا: ما نوع الأداء أو الدور الذي يختار أن يلعبه كلُ فردٍ منّا على خشبة المسرح السوري، وراء الكواليس وفي المسرح الأمامي؟ خاصةً بعدما أثبتَ التاريخ أن الجمهور قد يتماهى مع العرض ويتظاهر بتصديقه، ويُصفِّق له، ولكن الأدوار تنقلب في لحظة حينما يضيق ذرعاً بالعرض ويقرِّر قلب خشبة المسرح.