ملخص
تضع نتائج الانتخابات الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمام مأزق سياسي يهدد بقاءه في السلطة، مع صعود الأحزاب العربية وقدرتها على ترجيح كفة المعارضة. وبينما يرفض نتنياهو وغادي آيزنكوت التحالف معها، تبرز مطالب الفلسطينيين في إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية بوصفها عوامل قد تعيد رسم المشهد السياسي.
تجد إسرائيل نفسها أمام طريق سياسي مسدود ومرحلة بالغة التعقيد. فبعد فرز أكثر من نصف الأصوات، لم يتمكن أي حزب حتى الآن من تحقيق فوز حاسم.
ومن المتوقع أن تبدأ، تبعاً لذلك، مفاوضات محمومة لتشكيل ائتلاف حكومي، أشبه بلعبة “تتريس” التي تتطلب ترتيب قطع متباينة لتشكيل صورة متكاملة. وفي خضم هذه المناورات، يواجه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ إسرائيل، مهمة شبه مستحيلة للاحتفاظ بالسلطة.
ويعود ذلك إلى أن الكلمة الفصل في هذه الانتخابات قد تكون للأحزاب العربية وممثلي المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
فبعد حصولهم على نحو 18 مقعداً حتى الآن، أي ما يقارب ضعف المقاعد الـ10 التي فازوا بها في الانتخابات السابقة، يُعدّون من أبرز الفائزين في هذه الانتخابات المفصلية. وقد يتمكنون بسهولة من مساعدة معسكر المعارضة المتعثر على تجاوز عتبة الـ61 مقعداً اللازمة للحصول على غالبية في الكنيست، المؤلف من 120 مقعداً.
وإذا تحقق ذلك، فسيكون في وسعهم فرض مطالبهم الانتخابية بقوة على جدول الأعمال السياسي الإسرائيلي، وفي مقدمها ضمان حقوق المواطنين العرب الذين يتعرضون للتمييز، وفتح مسار سياسي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.
لكن نتنياهو أعلن بوضوح أنه لن يشكل ائتلافاً مع الأحزاب العربية. فمثل هذه الخطوة قد تهدد تحالفه مع جماعات المستوطنين اليمينية المتطرفة، ومن بينها الجماعة التي يقودها إيتمار بن غفير.
ولذلك، يلجأ نتنياهو مجدداً إلى أسلوب التخويف والتحريض في اللحظات الأخيرة، وهو أسلوب اعتاد استخدامه عندما يشعر بأن موقعه السياسي مهدد. وقد بلغ الأمر هذه المرة حد تسجيله رسالة غريبة حذر فيها من أن “نساء يهوديات يساريات يقدن الناخبات العربيات إلى صناديق الاقتراع”، وفقاً لصحيفة “هآرتس”.
يا للهول! نساء يساريات ونساء فلسطينيات يمارسن حقهن في التصويت!
وشهدت الانتخابات نسبة مشاركة قياسية بلغت نحو 77.7 في المئة، وفقاً للجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، وهي أعلى نسبة منذ عقود.
وقد أسهمت المشاركة الاستثنائية للمواطنين الفلسطينيين بإسرائيل في رفع هذه النسبة. ويبلغ عدد الناخبين منهم نحو 1.2 مليون شخص، تعرضوا للتمييز والقمع والإقصاء والتشكيك والتهميش، لا سيما خلال الأعوام الدموية الماضية التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) على جنوب إسرائيل.
وعقب تلك الهجمات، شنت إسرائيل حرباً مدمرة على غزة، دفعت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى وصفها بأنها إبادة جماعية، وهو توصيف تعترض عليه الحكومة الإسرائيلية. وتزامنت الحرب مع تصاعد الهجمات وأعمال العنف وعمليات التهجير على نحو غير مسبوق في الضفة الغربية المحتلة. وفي الوقت نفسه، اتجه المجتمع اليهودي الإسرائيلي بصورة متزايدة نحو اليمين.
وسادت أجواء من الابتهاج في مقر “القائمة المشتركة” في الناصرة، مع ورود أنباء تشير إلى احتمال حصولها على ما يصل إلى 12 مقعداً. وتُعدّ “القائمة المشتركة”، إلى جانب “القائمة العربية الموحدة”، إحدى القائمتين السياسيتين الرئيستين اللتين يقودهما فلسطينيون في إسرائيل.
وقالت فاتن غطاس، مرشحة “القائمة المشتركة”: “نرفض الاحتلال والعنصرية، وسنبقى هنا”.
أما رئيس “القائمة المشتركة”، يوسف جبارين، فأكد موقفه قائلاً: “لا يمكن لأي سيناريو سياسي أن يتجاهلنا”.
للتوضيح، لا تزال عملية فرز الأصوات مستمرة، إذ لم تُحتسب بعد بطاقات الاقتراع الغيابية، بما في ذلك أصوات الجنود الإسرائيليين. وقد يستغرق إعلان النتائج النهائية أياماً عدة، مما قد يبدل موازين المشهد الحالي.
ومع ذلك، تبدو تصريحات جبارين ذات أهمية خاصة في هذه اللحظة، لأنه على رغم حال الانسداد السياسي والمؤشرات التي توحي بأن المآل بات واضحاً، فإن ما يجري عملياً هو استبعاد الأحزاب التي يقودها الفلسطينيون وتهميش دورها.
وخلال الحملة الانتخابية، استبعد كل من بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيس، رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يتزعم “معسكر التغيير” المعارض، بصورة شبه قاطعة تشكيل أي ائتلافات حكومية مع الأحزاب العربية.
وفي الساعات الأولى من صباح أمس الأربعاء، ومع صدور استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وإظهارها مشهداً يتجه نحو المأزق السياسي، قال نتنياهو مخاطباً أنصاره في خطاب حماسي: “يتمتع معسكر اليمين بغالبية واضحة وحاسمة داخل الجمهور الصهيوني، وداخل الجمهور اليهودي”.
في المقابل، قال آيزنكوت، الذي فقد ابناً وابنَي شقيق له خلال الحرب في غزة: “سأبذل كل ما في وسعي لتشكيل حكومة صهيونية”.
وعلى رغم تعطش آيزنكوت إلى الفوز، والفارق الضئيل للغاية بينه وبين منافسه الذي يسعى إلى إطاحته، فإنه بدا مصمماً على استبعاد كتلة انتخابية مؤثرة طال تهميشها وإقصاؤها من المعادلة السياسية.
وذلك على رغم أن الانفتاح عليها قد يشكل أقصر طريق إلى تحقيق الانتصار.
ففي الأسبوعين السابقين للاقتراع، قال رئيس “القائمة المشتركة” يوسف جبارين إنهم مستعدون لاستخدام “جميع الأدوات” المتاحة لإطاحة نتنياهو، بما في ذلك التصويت لمصلحة معسكر المعارضة. وقد يتيح ذلك دعم حكومة أقلية من دون المشاركة فيها رسمياً.
ويمثل ذلك خطوة نادرة، إن لم تكن غير مسبوقة، بالنسبة إلى “القائمة المشتركة”. وكان سيمنحها ورقة ضغط مؤثرة لانتزاع مقابل سياسي واضح، كالحصول على التزام بمسار يقود إلى قيام دولة فلسطينية.
في المقابل، أعلن كل من نتنياهو وآيزنكوت رفضهما إقامة دولة فلسطينية، على رغم أن حل الدولتين يحظى بدعم دولي واسع واعتراف دولي. وربما آن الأوان لإعادة النظر في هذا الموقف.
أما بالنسبة إلى آيزنكوت، فقد يكون ذلك الطريق الوحيد للوصول إلى سدة الحكم.
