ساطع نورالدين.. كاتب لبناني
الصورة كانت صادمة، مع انها لم تكن مفاجئة أبداً: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلبي دعوة رجل المال، اللبناني الجنسية، أنطون صحناوي، الى عشاء خاص في احد فنادق العاصمة الأميركية، في خرق فاضح لمسار التفاوض الرسمي بين لبنان وإسرائيل، الذي يتعثر جراء البحث المستمر للعدو الإسرائيلي عن مخارج تجنبه الالتزام بقواعد المفاوضات وشروطها وآلياتها المعلنة.
كان العشاء تتويجاً لمسار طويل من التفاهم بين الرجلين، على رفض وقف اطلاق النار، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين وغيرها من المطالب اللبنانية، قبل نزع سكاكين المطبخ من حزب الله، وهو ما وافقت عليه من حيث المبدأ، إدارة الرئيس دونالد ترامب، وعملت على ضبط إيقاع الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، وطلبت من نتيناهو “التعقل” في تلك الحملة.. لكنه لم يستجب لذلك الطلب، وأصر على استخدام القوة في حدها الأقصى، في الجنوب اللبناني ، وعلى إشهار ذلك التواطوء مع صحناوي والفريق الذي يمثله في بيروت وواشنطن، ويجسد خطراً فعلياً، يعادل الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات هدم العمران في الجنوب، على العملية التفاوضية برمتها.
هي بمثابة محاولة انقلاب إسرائيلية جديدة على المسار التفاوضي، يستخدم فيها صحناوي للإيحاء بأن ثمة فريقاً لبنانياً، يدعم الشروط الإسرائيلية، ويدحض المزاعم الأميركية بان الغالبية اللبنانية الساحقة، ترفض خيار الحرب التي افتعلها حزب الله، وتود إختبار مسار سياسي بديل، يؤدي في نهاية المطاف الى تحقيق المطالب اللبنانية من دون استخدام السلاح، ولكن بأسلوب جديد لا يهدر المزيد من الدماء اللبنانية في الجنوب وبقية انحاء الوطن.
لكن هذا الحلف الإسرائيلي اللبناني المزعوم، الموجه ضمناً ضد الخيار الرسمي لادارة ترامب، والقرار الرسمي للدولة اللبنانية، لا يجمع بين متضررين من فكرة البحث عن مخرج تفاوضي من الحرب، بل يُبنى على مغالطتين سياسيتين، أولهما ان نتنياهو هو في طريقه الى الخروج من السلطة في إسرائيل بعد ثلاثة أشهر، نتيجة جهوده المتواصلة منذ سنوات لجر أميركا الى حرب حاسمة مع إيران، تحولت على الفور الى حرب استنزاف طويلة وصراع مفتوح بين قراصنة على مياه الخليج العربي. أما الثانية فهي ان صحناوي وفريقه لم يتحول الى ظاهرة عامة، أو حالة مؤثرة في السياسة اللبنانية، تستدعي ما هو أكثر من بلاغ بحثٍ وتحرٍ يصدره المدعي العام التمييزي، ويضع الرجل في قائمة الملاحقين بالتعامل مع العدو. وهو ما يعني، أو يفترض ان يعني منع عودته الى لبنان، والبقاء في أميركا التي كانت خياره الأبرز كمصرفي مبنوذ وسياسي معزول في بلده الأول، يؤدي الخدمات الأخيرة لنتنياهو المرشح للتقاعد في الخريف المقبل.
غير ان رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اضطر الى دخول البيت الأبيض من بابه الخلفي، وطلب من ترامب عدم دعوة الصحافيين الى تغطية وقائع لقائهما البارد، وجد في العشاء مع صحناوي الذي شارك فيه العشرات من صقور الكونغرس الاميركي، فرصة تعويض معنوي يائسة، تكفيه للاستمرار في التمرد على إدارة ترامب، حتى اللحظة الأخيرة، مع ما يعنيه ذلك من الإفادة من الثغرة اللبنانية، الى الحد الأقصى، في المضي قدماً في جدول أعمال الحرب الإسرائيلية على لبنان.. على أمل ان يتمكن من نسف المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، كبديل عن نسف المفاوضات الأميركية الإيرانية، وهو الهدف الذي لم يتمكن من تحقيقه طوال الأسابيع القليلة الماضية، علّه في ذلك يستطيع ان يساعد حليفه اللبناني الوثيق في مشروع هجرته السياسية والمالية الى أميركا والسير في دهاليز السياسة الأميركية، التي يتقلص فيها حضور الصهاينة على اختلاف جنسياتهم.
بيروت في 30 / 7 / 2026