لم تعد الانتخابات الإسرائيليّة شأناً داخليّاً صرفاً، بعدما تحوّلت إيران إلى عنوان مركزيّ في الصراع على السلطة داخل تل أبيب، وإلى ورقة تتقاطع عندها الحسابات الانتخابيّة مع رهانات الحرب والأمن. فبينما يوظّف بنيامين نتنياهو المواجهة مع طهران لتعزيز فرص بقائه في الحكم، تتباين القراءات الإيرانيّة بين من يرى في عودته فرصة لتعزيز الموقف الاستراتيجيّ لإيران، ومن يخشى أن تفتح الباب أمام مواجهة أوسع، ومن يدعو إلى تسوية مؤلمة لتفادي الأسوأ.
على مدى تاريخ الدولة الإسلاميّة في إيران، لم تحظَ انتخابات الكنيست الإسرائيليّة بالاهتمام الذي تحظى به الانتخابات الحاليّة. كذلك، لم تكن إيران حاضرة بهذا القدر في المنافسة بين الأحزاب الإسرائيليّة، كما لم يسبق لزعيم حزب الليكود ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن جعل منها محوراً مباشراً لمشروعه الانتخابيّ، ووسيلة لعبور سياسيّ يتيح له العودة إلى قيادة الحكومة، والاستمرار في الحكم، والابتعاد عن دائرة الملاحقة القانونيّة.
في أحدث مواقفه، الذي نقلته القناة السابعة الإسرائيليّة قبل أيّام من موعد الانتخابات، شدّد نتنياهو على أنّ “ضرب المنشآت النوويّة الإيرانيّة لا يكفي ما دام النظام قائماً”، مؤكّداً أنّه “أصدر توجيهات إلى الجيش والموساد والأجهزة الأمنيّة بالتمسّك بهدفه الاستراتيجيّ المتمثّل في إسقاط النظام الإيرانيّ، وقال سأُطلع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على ما نعتزم القيام به ولن أطلب منه الضوء الأخضر”.
صناديق الاقتراع لا تُسقط خيار الحرب
في المقابل، ترى القيادة الإيرانيّة، وفق القراءة السياسيّة لقيادة حرس الثورة الإسلاميّة، أنّ نتنياهو قد يعجز عن تحقيق فوز حاسم في انتخابات 27 تشرين الأوّل، وأنّ خشية الملاحقة القانونيّة قد تدفعه إلى البحث عن مخرج عبر الإعداد لهجوم جديد على إيران. وقد يجري ذلك، بموافقة ترامب، بين الانتخابات الإسرائيليّة وانتخابات التجديد النصفيّ الأميركيّة، بهدف التأثير في مسار التحالفات الحزبيّة داخل إسرائيل، أو تأخير تشكيل الحكومة إلى حين احتواء تداعيات الهجوم المحتمل.
لا تعتقد الأوساط الإيرانيّة المعنيّة بالتطوّرات مع إسرائيل أنّ الانتخابات ستؤدّي بالضرورة إلى تحوّل مماثل في السياسة الخارجيّة الإسرائيليّة، حتّى لو فاز طرف معارض لنتنياهو. فالتغيير في القيادة لا يعني التخلّي عن العداء لإيران أو عن السعي إلى إسقاط نظامها، بل قد يقتصر على تغيير أدوات التعامل مع الدور الإيرانيّ في الإقليم. وقد تفضّل القيادة الإسرائيليّة المقبلة استثمار نتائج الحرب في تسويات تحقّق أهداف تل أبيب، مع الاحتفاظ بخيار العودة إلى المواجهة متى اقتضت الظروف.
نتنياهو يوظّف التّهديد الإيرانيّ للبقاء في السّلطة
في هذا السياق، تعتبر هذه الأوساط أنّ نتنياهو يوظّف التصعيد ضدّ إيران، وتضخيم ما يصفه بـ”التهديد الإيرانيّ” وحلفائه في محور المقاومة، للضغط على المجتمع الإسرائيليّ وإحراج خصومه السياسيّين، بما يعزّز فرص بقائه في السلطة.
كما يهدف زعيم الليكود إلى حشد اليمين المتطرّف وصرف الأنظار عن إخفاقاته الداخليّة والأزمات السياسيّة والأمنيّة التي تواجهها إسرائيل، فضلاً عن تداعيات استمرار سياسة العداء للمحيطَين الإقليميّ والدوليّ. ويُستشهد هنا بخطابه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، حين وصف ممثّلي نحو 70 دولة انسحبوا من القاعة بأنّهم “جبناء”.
على الرغم من الإجماع الإسرائيليّ على خطورة التهديد الإيرانيّ، ترى شخصيّات من المستوى السياسيّ والعسكريّ والأمنيّ، وفق التقدير الإيرانيّ، أنّ إصرار نتنياهو على خيار الحرب يخدم مصالحه الشخصيّة والانتخابيّة أكثر ممّا يستجيب لضرورة أمنيّة حقيقيّة، ولا سيما بعد الخسائر التي تكبّدتها إيران في الحربين السابقتين اللتين شنّتهما تل أبيب، واللتين شهدتا اغتيال المرشد وقيادات سياسيّة أساسيّة، إلى جانب استهداف غرفة القيادة العسكريّة وقياداتها من الصفّ الأوّل والثاني والثالث.
عودة نتنياهو: مكسب للمتشدّدين في إيران؟
من هنا، تراقب طهران الانتخابات باعتبارها محطّة قد تحدّد اتّجاه المنطقة نحو التهدئة أو التصعيد. وترى أنّ اليمين الإسرائيليّ بقيادة نتنياهو يدفع نحو استئناف الحرب، وأنّ بقاء حكومته قد يزيد احتمالات اندلاع مواجهة إقليميّة واسعة.
داخل إيران، تتبلور ثلاثة اتّجاهات رئيسيّة في قراءة احتمال عودة نتنياهو واليمين المتشدّد إلى السلطة:
ـ أوّلاً، يرى اتّجاه في عودته مصلحة استراتيجيّة لإيران. يحظى هذا التوجّه بدعم المؤسّسة العسكريّة وغالبيّة اليمين الإيرانيّ المتشدّد، انطلاقاً من أنّ عودة حكومة إسرائيليّة متمسّكة بالحرب والتصعيد تعزّز الخطاب الراديكاليّ الإيرانيّ وتدعم توجّهاته البعيدة المدى. كما تمنح طهران مبرّراً لمواصلة دعم حلفائها وأذرعها في المنطقة، وتوفّر لهم مسوّغاً للاستمرار في استخدام الأدوات العسكريّة والسياسيّة لمواجهة التهديد الإسرائيليّ.
كذلك يعتقد أصحاب هذا الاتّجاه أنّ استمرار حكومة نتنياهو في التصعيد سيحمّلها مسؤوليّة تداعياته الإقليميّة والدوليّة، ويعمّق عزلة إسرائيل ويبرز خلافاتها مع الدول الغربيّة. ومن شأن ذلك أيضاً زيادة الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيليّ وبين المؤسّستين السياسيّة والعسكريّة، بما يفاقم حالة الإنهاك والضعف التي تواجهها إسرائيل.
عودة نتنياهو: من التّصعيد إلى الحرب الشّاملة
ـ ثانياً، يحذّر اتّجاه من مخاطر عودته. وينظر هذا الفريق بقلق إلى استمرار النهج الهجوميّ لنتنياهو، القائم على أنّ أمن إسرائيل واستقرارها لا يتحقّقان إلّا بضرب ما يسمّيه “رأس الأخطبوط”، أي إيران، والتخلّص من نظامها، خصوصاً بعد ما حقّقته إسرائيل من استهداف حلفاء طهران ونفوذها في الإقليم. وبناءً على ذلك، قد ترفع عودته إلى السلطة احتمالات الحرب الشاملة.
تتعزّز هذه المخاوف، وفق هذا التقدير، بسبب ما يُنسب إلى نتنياهو من عرقلة جهود إحياء التفاهمات مع الولايات المتّحدة، سواء اتّفاق عام 2015، أو مذكّرة إسلام آباد لعام 2026، أو أيّ مسار تفاوضيّ جديد. كما يُتّهم بعرقلة التسويات التي قد تفضي إلى رفع العقوبات عن إيران. وقد تمهّد عودته، تبعاً لذلك، لتصعيد العمليّات الاستخباراتيّة والاغتيالات والضربات الجوّيّة ضدّ المنشآت والبنى التحتيّة الإيرانيّة، بما فيها قطاعات النفط والغاز والبتروكيمياويّات والكهرباء والمياه والإنتاج الاقتصاديّ.
التّنازل النّوويّ لقطع الطّريق على الحرب
ـ ثالثاً، يدعو اتّجاه إلى تسوية مؤلمة مع الولايات المتّحدة. ينطلق هذا التوجّه من ضرورة انتزاع الذرائع التي يستخدمها نتنياهو لتبرير التصعيد، وإحباط طموحاته العدائيّة تجاه إيران ونظامها، حتّى لو تطلّب ذلك تقديم تنازلات تكتيكيّة مؤلمة. وتتمثّل الأولويّة، وفق هذا المنظور، في حماية إيران وصون وحدة أراضيها، ولا سيما عبر معالجة الملفّ النوويّ الذي بات هاجساً لدى الرئيس الأميركيّ.
يطرح هذا الاتّجاه التخلّي عن مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة، مقابل الحفاظ على حقّ إيران في امتلاك دورة تخصيب على أراضيها، حتّى لو بقيت معلّقة أو مؤجّلة. والغاية هي احتواء اندفاعة نتنياهو العسكريّة، والحدّ من التهديد المباشر للأمن القوميّ الإيرانيّ ونفوذ طهران ودورها الإقليميّ.
هكذا لا تنظر إيران إلى الانتخابات الإسرائيليّة بوصفها تنافس على السلطة وحسب، بل باعتبارها مفترقاً تتداخل فيه حسابات البقاء السياسيّ مع احتمالات الحرب والتسوية. وبين الرهان على أن يؤدّي تشدّد نتنياهو إلى إنهاك إسرائيل وعزلها، والخشية من أن تقود عودته إلى مواجهة أوسع، والدعوة إلى تسوية استباقيّة مع واشنطن، يبقى التحدّي الإيرانيّ الأساسيّ هو اختيار المسار الذي يحمي أمن البلاد ومصالحها الاستراتيجيّة ويحدّ من مخاطر التصعيد الإقليميّ.
