يبدو أن سورية عادت بقوة إلى عين الاستهداف الإسرائيلي، في وقت يبحث فيه بنيامين نتنياهو عن فرصة تساعده على إعادة خلط الأوراق في انتخابات الكنيست التي تُظهر مؤشراتها احتمال خسارته، وما قد يترتب على هذا من تداعيات على وضعه القانوني، فضلاً عن مستقبله السياسي. وهو كابوس يضغط على نتنياهو، ويحفّز لديه الاستعداد لشنّ مزيد من الحروب، ولا سيّما في ساحات يختبر موازين القوى فيها جيداً، مثل الساحة السورية.
تنطوي استعادة نتنياهو أحداث السويداء وإبداؤه الاستعداد لحماية الدروز على ما هو أكثر من محاولة لاستقطاب الصوت الدرزي في انتخابات ذات طابع استقطابي إلى حدّ بعيد؛ إذ تراهن المعارضة على استقطاب الصوت العربي ويمين الوسط، فيما تُظهر استطلاعات الرأي رجحان كفة المعارضة، ما قد يدفع نتنياهو إلى البحث جدّياً عن مدخلات جديدة تدعم حملته الانتخابية، وتمنحها زخماً جديداً، من خلال طرح مسألة حماية الدروز في سورية، وهو أمر يلقى قبولاً لدى المجتمع الإسرائيلي، ولا سيّما إذا جرى تقديمه بصيغة حماية الأمن الإسرائيلي من القوى المتطرّفة التي تشبه حركة حماس في نظام الحكم السوري الجديد.
وتأكيداً لذلك، ذهب وزير حرب نتنياهو، يسرائيل كاتس، إلى ربط أمن الدروز في سورية ببقاء نتنياهو في السلطة، بل إنه ذهب إلى أبعد، حين ادّعى أن الشرع جهّز جيشه وقوات القبائل لشن هجوم كاسح على السويداء عشية سقوط نتنياهو في الانتخابات. وقد يفتح ذلك الباب أمام اتّباع خيارات أمنية، من قبيل توجيه ضربة استباقية قد تقدم عليها حكومة نتنياهو، التي مهّدت لحصول تطورات أمنية، ووضعت الرأي العام الإسرائيلي في سياق تقبّل هذه المزاعم.
ليس هناك ما يؤكد حصول اتصال بين نتنياهو والرئيس أحمد الشرع، لكن ليس هناك أيضاً ما ينفي حصول هذا الاتصال، في ظل وجود خط ساخن يبدو أن استخدامه مقصور على إسرائيل. إذ سبق لرئيس الموساد، رومان غوفمان، أن أجرى اتصالاً تحذيريّاً بوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، حذّره فيه من وجود نشاطات تركية في شمال سورية، قبل أن تشنّ القوات الإسرائيلية غارة على مطار أبو الظهور.
ولكن جهر نتنياهو بحصول هذا الاتصال، وكشف وسائل الإعلام الإسرائيلية مضمونه، ينطويان على عدائية واستفزاز واضحَين، فضلاً عن حمولاتهما الاستعلائية، والإيحاء بأن سورية ساحة سهلة يمكن المغامرة فيها وردع قياداتها المردوعة أصلاً، والتي تحاول الحفاظ على توازناتٍ حرجة تتمثل في الحفاظ على الحكم ووحدة البلاد، وتجنّب خوض صراعات خارجية من شأنها القضاء على الحكم الجديد، الذي يبدو أن عناصره تهتم بالغنيمة التي حصلت عليها بوصولها إلى السلطة أكثر من أي شيء آخر، حتى لو أدى ذلك إلى التنازل عن سيادة البلد وكرامته.
ويبدو أن نتنياهو يتعامل بجدية مع خيار إحداث فوضى على الجبهة السورية، وأن الأمر ليس مجرّد دعاية انتخابية، أو أنه، على الأقل، يضع هذا السيناريو على الطاولة، لتغيير مسارات الانتخابات في لحظة معيّنة. إذ تؤكد تقارير عديدة، بعضها صادر عن جهات رسمية سورية، وجود تحرّكات حثيثة لسلاح الجو الإسرائيلي في أجواء جنوب سورية، تهدف إلى نقل أسلحة إلى فصائل السويداء. وقد ربط بعضهم هذه التحرّكات بتعزيز فصائل الحرس الوطني في مواجهة تمرّد بدأ يبرز في السويداء ضد سلطة حكمت الهجري، تقوده حركة رجال الكرامة. لكن هذا غير مؤكد، باعتبار أن هذه الحركة أضعف من أن تواجه مليشيا الحرس الوطني، نظراً إلى ما تملكه الأخيرة من عتاد وعناصر بشرية، فضلاً عن سيطرتها الجغرافية.
وملاحظ في تصريحات نتنياهو أخيراً بشأن أحداث السويداء أنه ذكر استعداد حكومته لإعادة النازحين إلى مناطقهم، والمقصود السكان الذين نزحوا من ريف السويداء الغربي بعد سيطرة قوات النظام على تلك المنطقة. وهذه هي الذريعة التي تتذرّع بها مليشيا الحرس الوطني لإشعال المعارك بين فترة وأخرى، ما يعني أنها قد تكون الشرارة التي تشعل الأحداث في السويداء في المرحلة المقبلة، وتمنح نتنياهو فرصة للتدخل، وبالتالي خلط الأوراق في الكيان الصهيوني وتأجيل الانتخابات.
وبعيداً عمّا يفكر فيه نتنياهو وما يتمنّاه أنصار الهجري، تتحمّل السلطة المسؤولية الكبرى عن وضع سورية ضمن هذه المعادلة البائسة، نتيجة أخطائها الفادحة في إدارة الأزمات والتنوع في سورية، والتعامل غير الاحترافي مع تداعيات الأزمة، ودفع دروز السويداء إلى خياراتٍ لا يرغبون فيها. كما تراهن السلطة على عامل الوقت والضائقة الاقتصادية لتغيير المعطيات الحالية في السويداء لمصلحتها، وهذه مغامرة محفوفة بالمخاطر، في مقدمتها تقديم السويداء هدية مجانية، كورقة تتلاعب بها حكومة نتنياهو لإضعاف سورية إلى أبعد الحدود.
وفي تقديرات نتنياهو، تبدو سورية طرفاً ضعيفاً، لكن التدخل فيها ينطوي على مبرّر وازن يتمثل في عمل إنساني يستطيع تقديمه للرأي العام المحلي والعالمي غطاءً لتأجيل الانتخابات، سيّما أن خسائره ستكون معدومة؛ وبالتالي، سيكون من الغباء عدم انتهاز مثل هذه الفرصة.