-
هاديا منصور… الحمهورية .نت
-
-
-
لم يتوقع إبراهيم الشيخ عيسى أن مكالمةً من شقيقته في سوريا ستكشِف له أن المنزل الذي غادره قبل سنوات لم يعُد محسوباً ضمن أملاكه. فمنذ أكثر من عقد يعيش في أوروبا، يُرسِل المال لأهله بين فترة وأخرى ويتجنب التفكير في البيت الذي تركه مع اندلاع الحرب، لكن وفاة والده أعادت فتح ملف الإرث على نحوٍ لم يكن مستعداً له.
اكتشف أن إجراءات حصر الإرث وتقسيم العقار بدأت خلال غيابه، وأنّ بعض الأقارب تصرّفوا وكأن غيابه الطويل يُلغي حقّه. لم تكن المشكلة بالنسبة إليه في الإجراءات نفسها، بل في شعوره بأنه أصبح «بعيداً أكثر مما ينبغي» عن عائلته وممتلكاته، وأن متابعة معاملة قانونية من أوروبا تبدو معقدةً منذ اللحظة الأولى: توكيل محامٍ يحتاج أوراقاً، والحصول على الأوراق يحتاج وقتاً، وأيُّ خطأ صغير قد يعني تأخيراً يمتد لأشهر.
لا تُعتبر قصة إبراهيم حالة استثنائية، فامتدادُ سنوات الحرب والنزوح والهجرة خلقَ موجة واسعة من النزاعات داخل العائلات السورية حول التركات والعقارات، خصوصاً حين يكون بعض الورَثَة داخل البلاد فيما يعيش آخرون خارجها أو يعجزون عن الحركة بسبب ظرف الإقامة في دول اللجوء أو غير قادرين على العودة لأسباب أمنية ومعيشية. كثيرٌ من هذه الخلافات لا يبدأ في المحاكم، بل داخل مجموعات العائلة على تطبيقات التواصل أو عبر مكالمات متقطِّعة بين قارات مختلفة، إذ جعلت المسافة الطويلة التي فرضها اللجوء والهجرة قراراتٍ تتعلق بالعقارات والإرث تُتَّخذ في غياب بعض أصحابها.
ولا تنشأ الخلافات دائماً من رغبة في الاستيلاء، فكثير منها يرتبط بحاجات مُلحّة لبقية أفراد الأسرة أو بالخوف من تجمّد الأصول لسنوات ريثما تسمح الظروف. في هذه الحالات يتحوّل السعيُ إلى تسيير شؤون الأملاك إلى سبب للنزاع، لا لأنه يهدف إلى انتزاع الحقوق، بل لأنَّ غياب أحد الورثة يجعل إدارة المِلكية نفسها عبئاً يفتح الباب أمام توترات جديدة. ويختلفُ الحال عندما تكون الوريثة امرأةً تُقيم خارج البلاد، إذ تتداخل الغربة مع الأعراف التي ما تزال تعتبر مُطالبة المرأة بحقِّها خطوة حسَّاسة.
في كفرنبودة شمال غرب حماة، تروي خديجة أبو عواد، وهي في الأربعين من عمرها، عن نزاعٍ بدأ بعد وفاة والدها وعودةِ إخوتها إلى القرية عقب سنواتٍ من النزوح. فُوجِئت بأن الأرض الزراعية التي يُفترَض أن ترِث جزءاً منها أصبحت عملياً تحت تصرف إخوتها. وتوضح أن الأعراف في منطقتهم تعتبِر أن المرأة المتزوجة أو المقيمة بعيداً لا تحتاج إلى حصَّتها، وأن المطالبة بها تُعدّ تهديداً لوحدة العائلة. أيُّ اعتراض قد يتحوّل سريعاً إلى خلافٍ واسع ينتهي بانقطاع العلاقات، فالأعراف العائلية والعشائرية ما تزال أقوى من النصوص القانونية، ما يدفع كثيراً من النساء للتنازل عن حقوقهنّ تجنباً للصدام.
تزداد هذه النزاعات تعقيداً في حالات الأراضي الزراعية تحديداً، إذ تبدو صعبة حتى بالنسبة للرجال المقيمين خارج البلاد، وتصعُب أكثر عندما يفقِدون وثائق أساسية أو يعجزون عن متابعة المعاملات أو السفر. ومع ضعف السجلات وصعوبة الوصول إلى الوثائق الرسمية، تتحوَّل إثباتات المِلكية والإرث نفسها إلى معركة منفصلة.
يروي فراس الجابر، أنَّ استعادة أوراقه استغرقت أشهراً من التنقل بين سفارات ودوائر مختلفة للحصول على المستندات اللازمة لإثبات حصته. إذ يعيش في ألمانيا منذ سنوات طويلة ولا يملك سوى نسخ قديمة من الوثائق، فيما يتطلب إثبات المِلكية أو استخراج بيانات جديدة مراجعات متعددة تزيد التعقيد والتأخير، وتفتح الباب أمام الأخطاء أو التلاعب أو الاعتماد على روايات شفوية داخل العائلة. أكثرُ ما يقلِقه ليس الإجراءات نفسها، بل شعوره بأن الوقت يعمل ضدَّه، فكلما طال الغياب ازدادت صعوبة تصحيح أي خطوة.
يقول فراس إن المُقيمين داخل البلاد يتحوَّلون بحكم وجودهم الجغرافي إلى أصحاب سلطة فعلية على الممتلكات، فإخوته في سوريا يزرعون الأرض ويستثمرونها لسنوات، ثم صاروا يعتبرون أن وجودهم المستمر يمنحهم حقّاً أكبر فيها. هذه الفجوة بين من بقي ومن غادر خلقت توتراً جديداً: يرى المقيمون أنهم تحمّلوا أعباء الأرض وصيانتها وضرائبها، بينما يرى المهجَّرون أن الغياب القسري لا ينبغي أن يتحوَّل إلى سبب لفقدان الحقوق.
في المقابل، لا تنشأ كل النزاعات عن نيَّة استيلاء بالضرورة؛ فغياب وريثٍ واحدٍ أو انقطاع التواصل معه قد يجرّ عائلاتٍ كاملة إلى دوامة قانونية طويلة تتجمّد خلالها الممتلكات لسنوات، أو تُفتَح أبواب حلول غير رسمية غالباً ما تنتهي بخلافات أكبر.
يوضِّح الخبير القانوني عبد العزيز درويش أن المشكلة الأكثر شيوعاً ليست ضياع الحق، بل التأخر في حمايته، إذ يبدأ كثير من الورثة الإجراءات فقط بعد ظهور نزاع أو محاولة بيع أو نقل مِلكية، بينما يُفترض قانونياً البدء بخطوات مبكرة مثل استخراج حصر الإرث وتنظيم الوكالات ومتابعة تسجيل الحصص.
ويُشير إلى أن الخطوة الأولى لأيِّ وريث خارج البلاد هي تثبيت صفته القانونية عبر وثيقة حصر إرث، ثم متابعة نقل الملكية والإجراءات المتعلِّقة بالترِكة من خلال وكالة قانونية. لكنّ دعاوى الترِكات بطبيعتها طويلة، وتتأثّر بعدد الورَثة وطبيعة العقارات ووجود اعتراضات، ما يجعل عامل الوقت حاسماً.
ويشرح أن الوريث المُقيم خارج سوريا يستطيع تنظيمَ وكالةٍ عبر السفارات أو القنصليات السورية، سواء لمحامٍ أو لأحد الأقارب، لمتابعة الملفات القضائية والإدارية. وفي الحالات التي يخشى فيها الوريثُ من التصرف بالعقار دون علمه، يُشدّد درويش على أن اللجوء المُبكِّر إلى القضاء وتوكيلَ شخص موثوق يُشكِّلان الوسيلة العملية لحماية الحقوق ومنع تعقيدات لاحقة.
أمّا في ما يتعلق بقسمة العقارات بوجود ورثة غائبين، فيوضِّح أن غياب أحدهم لا يمنع المضي في الإجراءات، شرط الالتزام بأصول التبليغ والتمثيل القانوني، وأن بعض العقارات غير القابلة للقسمة قد تُباع بالمزاد العلني بعد استكمال المسار القضائي.
ورغم كلِّ ذلك، يؤكد درويش أن الحق الإرثي لا يسقط بمرور الزمن، فالميراث ينشأ قانونياً بمجرد وفاة المُورِّث، وعدم نقل المِلكية أو تسجيلها لا يُلغي أصل الحق، ما يعني أنّ الورَثَة الغائبين يحتفظون بإمكانية المطالبة بحصصهم حتى بعد سنوات طويلة.
وبين الحق النظري والقدرة العملية على استعادته، تقفُ سنوات الغياب والحدود وكلفة المحامين وتعقيدات الوثائق والخلافات العائلية. بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم تعُد الحرب تعني خسارة المنازل أو الهجرة فقط، بل باتت تعني أيضاً معركة جديدة داخل البيوت نفسها، حيث يتحوّل الإرث أحياناً من آخر رابط عائلي إلى نزاعٍ مفتوحٍ على ما تبقّى.
-