ملخص
يرد المدافعون عن الوزير بأن باك نجاد ورث شبكات متجذرة وبنية تعمل تحت وطأة العقوبات، وأنه لا يمكن توقع تفكيك جميع ترتيبات البيع والإدارة خلال بضعة أشهر.
خلال أيام الأسبوع الثالث من سبتمبر (أيلول)، عادت إلى التداول تقارير عن احتمال أن يحل مسعود كرباسيان محل محسن باك نجاد في وزارة النفط، وسط أزمة متعددة الأوجه تواجه حكومة مسعود بزشكيان والنظام الإيراني، تتمثل في ضغوط الحرب والحصار على صادرات النفط، وتراجع قدرة الحكومة على الوصول إلى العملات الأجنبية، والكشف عن ديون ضخمة مترتبة على شبكات وسطاء بيع النفط المعروفة باسم “التراستي”، والخلاف حول إدارة أكبر شركة قابضة للبتروكيماويات في البلاد، فضلاً عن تزايد الاستياء من طريقة إدارة وزارة باتت مرتبطة، أكثر من أي وقت مضى، بالأمن الاقتصادي لإيران.
وتصاعدت هذه التكهنات بعدما تسربت إلى وسائل الإعلام أنباء عن خلاف بين مسعود بزشكيان وباك نجاد خلال اجتماعات مجلس الوزراء. ووفق الروايات المنشورة، تعود جذور الخلاف إلى مشادة كلامية، طلب خلالها الرئيس من وزير النفط الاستقالة، لكن باك نجاد رفض الطلب.
وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى حد الحديث عن قبول الاستقالة، بينما نفت وزارة النفط من أساسه حدوث استقالة أو مشادة، بالتالي، فإن المتاح حتى الآن روايتان متناقضتان، وليس واقعة مثبتة رسمياً. ومع ذلك، فإن الانتشار الواسع للخبر وتدخل العلاقات العامة في الوزارة لنفيه سريعاً يشيران إلى أن المسألة لم تعد مجرد همسات محدودة داخل أروقة الحكومة.
وفي المعادلات السياسية الإيرانية عادةً ما تصبح أنباء إقالة وزير جدية عندما تتزامن مع استياء مراكز نفوذ عدة من استمراره في منصبه. ومن هذه الزاوية، يكتسب طرح اسم كرباسيان دلالة خاصة، فهو مسؤول سبق أن تولى وزارة الاقتصاد ومنصب المدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، وقد تنظر إليه قطاعات داخل الحكومة وصناعة النفط باعتباره خياراً مألوفاً وأقل مخاطرة.
ومع ذلك، وحتى صدور قرار أو إعلان رسمي، تبقى مسألة تعيينه مجرد تكهنات إعلامية.
ولا يمثل التوتر الأخير سوى جانب واحد من الجدال المحيط بأداء وزير يبدو أنه يمر حالياً بأكثر مراحل وجوده في المنصب هشاشة، فالمسألة لا تقتصر على علاقته بالرئيس، إذ يواجه باك نجاد في الوقت نفسه جدالاً حول شرعية اختياره منذ البداية، والتعيينات الحساسة، وبيع النفط، وإعادة العملات الأجنبية، وشبكات وسطاء النفط، وصندوق تقاعد العاملين في قطاع النفط، وشركة الخليج الفارسي القابضة.
ويكشف جمع هذه الملفات معاً صورة لوزارة انتقل مركز ثقلها من رسم سياسات الطاقة إلى إدارة الصراعات بين شبكات النفوذ.
لم يكن الخيار الأول
أثار اختيار باك نجاد لمنصب وزير النفط جدالاً منذ البداية، إذ رأى بعض العاملين في قطاع النفط أنه لم يكن الخيار الأول للجنة المتخصصة المكلفة اختيار الوزير.
وخلال الأسابيع التي سبقت تشكيل الحكومة الـ14، نشرت قوائم متعددة للمرشحين إلى وزارة النفط، وتحدثت وسائل إعلام عن دراسة أسماء 13 أو 14 مرشحاً، قبل إحالة عدد منهم إلى المجلس التوجيهي.
وظهور اسم باك نجاد في المرحلة النهائية أثار تساؤلات حول مدى تأثير التقييم المهني في اختياره، وحجم الدور الذي أدته المشاورات التي جرت خارج اللجنة.
وفي أغسطس (آب) 2024، نشرت وسائل إعلام رواية غير معتادة عن عملية ترشيحه، أشارت إلى دعم مجموعات داخل البرلمان لباك نجاد.
وعاد الجدال إلى الواجهة في يوليو (تموز) الماضي مع نشر رسالة منسوبة إلى عدد من أعضاء المجلس الاستراتيجي أو لجنة اختيار وزير النفط، تضمنت “اعتذاراً” وتعبيراً عن الندم على ترشيح باك نجاد.
ورأى محللون في ذلك دليلاً على اتساع الفجوة بين التقييم الأولي وأداء الوزير، معتبرين أنه “لا أحد يريد تحمل مسؤولية اختياره”.
وأظهر الانتشار الواسع لنص يحمل هذه اللهجة الحادة أن قسماً من منتقدي باك نجاد يسعى إلى ربط أزمة أدائه بالطريقة التي وصل بها إلى الوزارة منذ البداية: هل جرى تجاوز آلية اختيار الوزير وترشيحه؟
في المقابل فإن نفي رئيس لجنة الاختيار يحتم عدم اعتماد وثيقة مثيرة للجدال أساساً لحكم قاطع قبل التحقق من صحتها، لكن النتيجة السياسية واضحة، فوزير النفط بات مضطراً إلى الدفاع ليس فقط عن أدائه الحالي، إنما أيضاً عن الطريقة التي أوصلته إلى مبنى الوزارة في شارع طالقاني.
تعيينات نقلت الجدال إلى قلب الوزارة
سرعان ما انتقلت مشكلة باك نجاد من طريقة اختياره إلى التعيينات الحساسة في المؤسسات التابعة لوزارة النفط، فوزارة النفط ليست مجموعة عادية من الإدارات العامة، إذ تضم أربع شركات رئيسة، وشبكة من الشركات التابعة، وصناديق تقاعد، وشركات تجارية تعمل خارج البلاد، إضافة إلى حصص في عمالقة صناعة البتروكيماويات، مما يجعل كل تعيين فيها قراراً يتعلق بتوزيع الموارد والنفوذ.
وفي مثل هذه البنية، يمكن لتغيير مدير واحد أن يؤثر في بيع نفط بمليارات الدولارات، وعقود النقل، والمواد الخام لمصانع البتروكيماويات، أو تركيبة مجالس إدارة الشركات القابضة.
ويقول منتقدو باك نجاد إن حكومة بزشكيان وعدت بالتوافق والاستعانة بالخبراء، لكن بعض التعيينات تحول عملياً إلى إعادة توزيع للنفوذ بين الدوائر السياسية والإدارية.
ويرد المدافعون عن الوزير بأن باك نجاد ورث شبكات متجذرة وبنية تعمل تحت وطأة العقوبات، وأنه لا يمكن توقع تفكيك جميع ترتيبات البيع والإدارة خلال بضعة أشهر.
لكن مشكلة الوزير بدأت تحديداً عندما ترافق الحديث عن تغيير الشبكات القديمة مع ظهور شخصيات ومسارات جديدة، مما دفع منتقديه إلى التساؤل: هل كسر الاحتكار بالفعل، أم أن أصحاب الحصص هم فقط من تغيروا؟
وكان من أبرز التعيينات اختيار سعيد صادقي مديراً تنفيذياً لشركة تجارة النفط الإيرانية “نيكو” في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.
وتولى صادقي لاحقاً، إلى جانب إدارة “نيكو”، مسؤولية الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية ودوراً أكثر مباشرة في عمليات بيع النفط.
وجعل هذا التركيز في المسؤوليات منه أحد أهم الشخصيات في عهد باك نجاد، نظراً إلى الموقع الحساس الذي تشغله “نيكو” في هيكل التجارة الخارجية للنفط الإيراني، إذ ترتبط قراراتها في ظل العقوبات بصورة مباشرة باختيار العملاء والوسطاء والسفن وشركات التأمين ومسارات إعادة الأموال.
كسر للاحتكار أم مضاعفة للوسطاء؟
سعى باك نجاد إلى تقديم نفسه وزيراً يريد الحد من احتكار الشبكات الواسطة المعروفة في إيران باسم “التراستي”، ويطلق هذا المصطلح في قطاع النفط الإيراني على الأشخاص والشركات الوسيطة التي تتولى، بسبب العقوبات، جزءاً من عمليات بيع النفط أو تحويل أمواله خارج النظام المصرفي الرسمي.
وقال الوزير نفسه في يناير (كانون الثاني) الماضي إن هذه الشبكات ليست “وحوشاً مخيفة”، إنما تشكل جزءاً من عملية بيع النفط.
ويكشف هذا الوصف عن ازدواجية أساسية في سياسته، فالحكومة تشتكي من جهة من الديون وعدم إعادة العملات الأجنبية واحتكار بعض الوسطاء، لكنها تجد من جهة أخرى صعوبة في مواصلة تصدير النفط الخاضع للعقوبات من دون آليات غير رسمية.
ومع تعيين صادقي في “نيكو”، لم يعمل باك نجاد عملياً على إنهاء إسناد بيع النفط إلى الوسطاء، إنما حاول الاستعانة بوجوه جديدة وإنشاء مسارات جديدة بهدف كسر الاحتكار القائم، وفق رؤيته.
وربما صممت هذه السياسة لتقليل الاعتماد على عدد محدود من الوسطاء القدامى، لكن في غياب تدقيق مستقل وضمانات كافية ونظام شفاف للتسوية، فإن زيادة عدد المسارات لا تعني بالضرورة الحد من الفساد، بل قد توسع نطاق الأخطار، من خلال زيادة عدد اللاعبين والحسابات والشركات الواجهة، بالتالي تقليص القدرة على مطابقة كميات النفط المسلمة مع الأموال المحصلة، وهو ما قد يؤدي في المحصلة إلى زيادة حجم الفساد المرتبط بشبكات وسطاء بيع النفط.
ويقول منتقدون إن نتيجة هذه السياسة لم تكن التخلص من الوسطاء، بل تكاثر الشبكات المتنافسة، وأدت المنافسة بين هذه الشبكات على الشحنات والخصومات والعمولات ومسارات تحويل الأموال إلى كشف بعضها مسارات بعض.
وفي اقتصاد خاضع للعقوبات، لا يعني كشف حساب مصرفي أو شركة صرافة أو شركة وسيطة خروج لاعب واحد فحسب، بل قد يؤدي إلى إغلاق مسار تستخدمه الدولة لاستعادة أموالها.
ومن هذا المنظور، فإن ما بدأ تحت عنوان “كسر الاحتكار” وفر، في غياب قيادة موحدة ورقابة قابلة للتدقيق، بيئة مناسبة لنشوب حرب داخلية بين شبكات بيع النفط.
وتتحدث تقارير عن مليارات الدولارات التي لم تعد إلى البلاد، وفي إحدى الروايات وصل الرقم المتعلق بعام 2023 إلى 11 مليار دولار، بالتالي، فإن مشكلة وسطاء النفط سبقت عهد باك نجاد، لكن مسؤوليته خلال فترة توليه الوزارة تتمثل في توضيح ما الذي فعله حيال المدينين السابقين، وما المعايير التي اعتمدت لإدخال وسطاء جدد، وكم من عائدات كل شحنة نفط مبيعة تحول فعلياً إلى موارد قابلة للاستخدام من جانب البنك المركزي.
ومن نقاط الضعف الجدية في الرواية الرسمية لوزارة النفط، الخلط بين “التصدير” و”البيع” و”التسليم” و”تحصيل العملة الأجنبية”، فقد يخرج النفط من الخزان ويحمل على ناقلة، ثم يسلم إلى العميل في مياه بعيدة، لكن أمواله قد تتأخر أو تخضع لخصومات كبيرة أو مقايضة قسرية، أو تبقى مجمدة في حسابات مقيدة.
لذلك، فإن زيادة الصادرات أو استمرارها لا يعنيان بالضرورة ارتفاع عائدات العملات الأجنبية المتاحة للحكومة.
وخلال فترة باك نجاد، نشرت تقارير عن تراجع عائدات النفط بالعملات الأجنبية، ورأى بعض المتخصصين أن عجز وزارة النفط عن إدارة عمليات البيع وإعادة الأموال كان، إلى جانب تصاعد العقوبات والحرب، أحد أسباب ذلك.
وتشير أرقام منشورة عن الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 إلى وضع نحو 7.5 مليار دولار من الموارد النفطية تحت تصرف البنك المركزي، لكن تقييم هذا الرقم من دون مقارنته بدقة بحجم الصادرات وأسعار البيع والخصومات وكلف الالتفاف على العقوبات والمستحقات غير المحصلة يبقى ناقصاً ومضللاً.
السؤال الأساس ليس كم برميلاً “بيع”، إنما كم دولاراً صافياً دخل الدورة الرسمية للاقتصاد، وفي أي وقت، وإلى أي مدى كانت هذه الأموال قابلة للاستخدام.
وتتركز انتقادات الخبراء لباك نجاد عند هذه النقطة تحديداً، إذ إن وزارة النفط، بدلاً من نشر كشف حساب يمكن من خلاله مطابقة حجم الإنتاج والصادرات والقيمة الإجمالية والخصومات وكلفة الوساطة والعملات المحصلة، تكتفي عادةً بإبراز حلقة واحدة من هذه السلسلة.
وقد يكون هذا الأسلوب في نشر المعلومات مبرراً من منظور حماية آليات الالتفاف على العقوبات، لكن السرية لا ينبغي أن تؤدي إلى إلغاء رقابة المؤسسات القانونية.
وعندما تتراجع العملات المتاحة لاستيراد السلع الأساسية، لا يمكن لسرية عمليات البيع أن تقدم تفسيراً لفجوة تبلغ مليارات الدولارات.
روايتان مختلفتان للرئيس والوزير في شأن الصادرات
أصبح التناقض في رواية صادرات النفط أكثر وضوحاً عندما تحدث بزشكيان عن توقف الصادرات النفطية أو وصولها إلى الصفر نتيجة الحصار البحري، بينما أعلن باك نجاد لاحقاً أن بيع النفط الإيراني وتسليمه في المياه البعيدة مستمران.
وكان الوزير أكد سابقاً أن خفض صادرات إيران إلى الصفر حلم لن تتمكن الولايات المتحدة من تحقيقه.
وأتاح هذا التناقض لمعارضي باك نجاد طرح سؤال: هل قدم الوزير للرئيس أرقاماً مختلفة، أم أن الرئيس استخدم تعبيراً سياسياً لوصف شدة الأزمة؟
لكل احتمال تداعياته، ففي الحال الأولى يصبح التنسيق داخل الحكومة موضع تساؤل، وفي الثانية تتضرر صدقية التصريحات الرسمية المتعلقة بالصادرات.
والمؤكد أن الحكومة لا تستطيع وصف الصادرات بأنها “صفر” و”مستمرة” في الوقت نفسه من دون توضيح التاريخ ونوع الشحنات والمعيار الإحصائي المستخدم.
صندوق تقاعد النفط
يعود الخلاف التالي إلى الترتيبات الإدارية في صناديق تقاعد صناعة النفط وشركة “صناعات البتروكيماويات للخليج الفارسي”، ففي الـ20 من أبريل (نيسان) 2025، عين باك نجاد النائب السابق عن لارستان حسين حسين زادة عضواً أصيلاً ورئيساً لمجلس إدارة صناديق التقاعد.
ولا يمثل هذا المنصب مسؤولية تتعلق بشؤون المتقاعدين فحسب، إذ يستطيع صندوق النفط، من خلال أصوله ومقاعده الإدارية، التأثير في تركيبة مجالس إدارة الشركات الكبرى.
وفي المقابل كان محمد شريعتمداري يتولى رئاسة شركة “الخليج الفارسي القابضة”، وهو سياسي عرف بأنه من أبرز داعمي التيار المؤيد لبزشكيان خلال الانتخابات، ورأى منتقدون أن تعيينه جاء بدعم سياسي مباشر من الحكومة.
وأظهرت تقارير إعلامية أن باك نجاد كانت لديه منذ البداية تحفظات على استمرار هذه الإدارة، وأن خلافه مع شريعتمداري انتقل تدريجاً من مستوى التوتر الخفي إلى مواجهة مؤسساتية.
ووفق الروايات المنشورة، كان يفترض أن يغير حسين زادة تركيبة ممثلي الصندوق في مجلس إدارة الشركة القابضة لتهيئة الطريق أمام إقالة شريعتمداري، لكنه بعدما علم بمعارضة بزشكيان للتغييرات الإدارية رفض المشاركة في مشروع الاستقالات الجماعية.
ومع ذلك، قدم أعضاء مجلس إدارة صناديق تقاعد صناعة النفط استقالاتهم جماعياً في الـ21 من يوليو (تموز) الماضي، في واقعة نادرة أظهرت أن الصراع على منصب إداري تحول في نهاية المطاف إلى أزمة حوكمة داخل مؤسسة تتولى إدارة أصول المتقاعدين.
وفي وقت لاحق، أبعد حسين زادة أيضاً من رئاسة المجلس، وتقول رواية منتقدي الوزارة إنه أصبح ضحية لرفضه المشاركة في خطوة كان هدفها دعم باك نجاد وتغيير إدارة الشركة القابضة.
والسؤال الأساس هنا: إذا كانت القرارات اقتصادية، فلماذا لم تنشر محاضر الاجتماعات وتقييمات الأداء والأسباب المهنية للتغييرات؟ وإذا كان الخلاف سياسياً، فلماذا ينبغي أن تتحول أصول المتقاعدين إلى أداة لتصفية الحسابات بين وزير ومدير شركة قابضة؟
ووصلت المواجهة في يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) الماضي إلى مرحلة أعلنت فيها وسائل الإعلام الرسمية التابعة لوزارة النفط إقالة شريعتمداري وتعيين حسن عباس زادة بدلاً منه، لكن شريعتمداري رفض عملياً قبول قرار الإقالة.
وفي رسالة إلى رئيس هيئة البورصة، قال إن مكتب الرئيس طلب وقف التغييرات الإدارية، وطالب الهيئة بالتأكد من موقف مكتب الرئاسة قبل تسجيل أي تغيير.
وأخرج هذا الموقف الخلاف بين باك نجاد وشريعتمداري من نطاق النزاع غير المعلن، فمدير الشركة القابضة أعلن صراحة أن شرعية استمراره في منصبه يستمدها من مكتب الرئيس وليس من وزير النفط.
أعلن سابقاً، في ما يتعلق بمسألة تقاعده، أن القضية حسمت بأمر من الرئيس وبعد الحصول على موافقته، وبذلك أوضح شريعتمداري أنه يتمتع بدعم يتجاوز مستوى وزارة النفط.
ومن منظور الحوكمة، فإن هذا الوضع يضر بالطرفين، فإذا كان وزير النفط يمتلك صلاحية تغيير مدير أكبر شركة قابضة للبتروكيماويات، فلماذا لم ينفذ قراره؟ وإذا كانت هذه الصلاحية محدودة بسبب هيكل الملكية وقواعد حوكمة الشركات، فلماذا أعلنت وسائل الإعلام الرسمية التابعة لوزارة النفط التغيير قبل استكمال الإجراءات القانونية؟
وإذا كان الرئيس نفسه يريد بقاء شريعتمداري، فما معنى استمرار باك نجاد في منصبه بعد الإخفاق الواضح في تنفيذ إرادته الإدارية؟
وأظهرت قضية شركة “الخليج الفارسي” أن الصراع لا يتعلق باسم شخص واحد، فالشركة القابضة تسيطر على شبكة من شركات البتروكيماويات والعقود والعملات الناتجة من الصادرات ومئات المقاعد الإدارية.
والسيطرة على مجلس إدارتها تعني القدرة على توجيه جزء ضخم من اقتصاد البتروكيماويات، ولذلك ينبغي النظر إلى محاولة إبعاد شريعتمداري ومقاومته لهذه الخطوة باعتبارهما صراعاً على مركز لتوزيع النفوذ، وليس مجرد خلاف شخصي بين مديرين.
أداء تحت ضغط الاختلالات والسرية وغياب المساءلة
لا يقيس منتقدو باك نجاد أداءه فقط بملف وسطاء النفط أو شركة “الخليج الفارسي القابضة”، فزيادة الاستهلاك ونقص البنزين، واختلال التوازن في قطاع الغاز، والضغوط على محطات توليد الكهرباء، والحاجة إلى استثمارات ضخمة، وتقادم المعدات، وصعوبة الحفاظ على مستويات الإنتاج، كلها مشكلات استمرت خلال عهده.
وتحدثت وزارة النفط عن زيادة الإنتاج بنحو 150 ألف برميل، واستكمال مشروعات كبرى، والحفاظ على الصادرات في ذروة الضغوط.
ولا يمكن تجاهل هذه الإنجازات، إذ عمل قطاع النفط في ظروف الحرب والعقوبات بموارد بشرية وبنية تحتية تجعل الحفاظ على تدفق الإنتاج في حد ذاته عملية معقدة، لكن معيار تقييم الوزير لا يقتصر على استمرار الإنتاج فعلياً، فالوزير مطالب بتحقيق التنسيق بين الإنتاج والبيع وتحصيل العملات الأجنبية والاستثمار والاستهلاك المحلي وحوكمة الشركات.
وعندما تتناقض الأرقام التي يعلنها الرئيس والوزير، ولا تتضح ديون وسطاء النفط، وتنتهي التعيينات في صندوق التقاعد باستقالة جماعية، ويرفض مدير شركة قابضة قرار إقالته مستنداً إلى مكتب الرئيس، فإن القضية تتجاوز خطأ أو خطأين تنفيذيين، وهذه مؤشرات إلى أزمة إدارية، كما نقلت آراء خبراء في شأن الفجوة بين التقييم الأولي لنخب قطاع النفط وأداء الوزير الانتقادات إلى مستوى الكفاءة الإدارية.
ومنذ جلسة منح الثقة في البرلمان، طرح معارضون تساؤلات حول سجل باك نجاد وعلاقاته الإدارية وبرنامجه.
والتقييم المنصف يقتضي الإقرار بأن جزءاً من الأزمة الحالية هو نتاج بنية العقوبات والحرب وإرث الحكومات السابقة، لكن باك نجاد لا يستطيع أن ينسب جميع أوجه القصور إلى الحكومات السابقة، ثم يسجل في الوقت نفسه نجاحات الإنتاج والتصدير كاملة باسمه.
لماذا لا تحسم الحكومة قرارها؟
لم تعد قضية باك نجاد اليوم تتعلق بمدى شعبية وزير أو عدمها، فإيران تعيش وسط الحرب والحصار البحري والعقوبات المصرفية وأزمة تأمين العملات الأجنبية، مما رفع أهمية وزارة النفط إلى مستوى غرفة عمليات اقتصادية وأمنية.
وكل يوم يتأخر فيه تحصيل أموال النفط، وكل مسار لتحويل العملات الأجنبية يجري كشفه، وكل خلل في إدارة عمليات البيع، يؤثر مباشرة في استيراد الأدوية والغذاء والبنزين والمواد الأولية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن بقاء الوزارة في حال من عدم اليقين يمثل في حد ذاته كلفة وطنية، فإذا كان بزشكيان راضياً عن أداء باك نجاد، فعليه أن يدعمه من خلال تقديم بيانات واضحة، وأن ينهي تعدد الروايات المتعلقة بالصادرات وصندوق التقاعد والشركة القابضة.
أما إذا كانت الثقة السياسية بينهما قد انهارت، فإن الإبقاء على الوزير لمجرد تجنب الاعتراف بفشل الاختيار الأول سيؤدي إلى تعميق الأزمة.
ولا يمكن إدارة وزارة النفط بواسطة وزير تعود إشاعات استقالته كل بضعة أسابيع، وتتوقف قراراته في أهم شركة قابضة تابعة للقطاع بأمر من مكتب الرئيس.
وفي النهاية يبقى السؤال: في وقت تتزايد فيه أهمية وزارة النفط وسط الحرب والحصار، لماذا لا تتخذ الحكومة خطوة جدية لمعالجة هذه المشكلة؟ وما سبب إصرار باك نجاد على البقاء في منصبه، على رغم ما تنقله التقارير عن موقف بزشكيان منه؟
وهل هذا الإصرار مجرد دفاع من وزير عن سجله وأدائه، أم أنه يعود لشعور بالقوة نابع من السيطرة على مسارات بيع النفط والارتباط بالشبكات العسكرية والأمنية وشبكات الوسطاء؟
نقلاً عن اندبندنت فارسية
