هل كان هايدغر معاديًا للسامية؟ كلا، لم يكن كذلك. إنّه الردّ السائد منذ زمن طويل، وبغضّ النظر عمّا قيل حول علاقة هايدغر بالنازية، وتلك قضية أخرى، فإن لا عبارة واحدة معادية للسامية في أيّ من مؤلفاته، ولا يمكن مقارنة موقفه بمواقف المنظّرين العنصريين في زمنه. طلاب هايدغر اليهود أنفسهم الذين أسماهم ريتشارد وولين بنبرة ساخرة “أبناء هايدغر” ومن بينهم كارل لوفيت وهانز يوناس وحنة أرندت وهربرت ماركوزه، لم يُلمح أيٌّ منهم قط إلى معاداة أستاذهم للسامية. بل كان هايدغر يتمتع بجاذبية هائلة لدى العديد من الشبّان اليهود، وقدّم مساعدة إلى زملائه اليهود، ناهيك عن علاقاته العاطفية مع نساء يهوديات مثل حنة أرندت وإليزابيت بلوخمان وماشا لاليكو؛ فكيف يمكن للكراهية والحب أن يجتمعا؟
مسألة ميتافيزيقية لا عرقية
في سياقات مختلفة من “الدفاتر السوداء” (Schwarze Hefte) بالألمانية أو (Black (Notebooks بالإنكليزية كتب هايدغر عن اليهود و”المسألة اليهودية”، موضحًا على نحو جليّ أن هذه المسألة ليست “عرقية” بل “ميتافيزيقية”، ومؤكدًا أن “المسألة اليهودية الحديثة” تعود إلى عصر التنوير، فالتنوير ـ أي العالم غير اليهودي ـ هو من طرح هذه المسألة، إذ عُدَّ اليهود مسألة عصية على التعريف ومشكلة ينبغي حلّها. وفي السياق الألماني حظيت “المسألة اليهودية” بمكانة فلسفية رفيعة، ابتداءً من كانط، ومن المثالية الألمانية تحديدًا، فبدأت رحلة فكرية استمرّت حتى القرن العشرين. وفي ظل النظام الجامد لعصر التنوير اعتُبرت اليهودية، كغيرها من الأديان، خرافة غير نافعة ينبغي للعقل أن يتحرّر منها. لم يدرج الفلاسفة الألمان الديانة اليهودية وأتباعها ضمن مناهجهم الفلسفية، إذ كانوا يطمحون إلى العلمانية، محافظين في الوقت عينه على علاقات وثيقة باللاهوت اللوثري بما ينطوي عليه من كراهية متأصلة لليهود. تمنى الفلاسفة لو يستطيعون كشف لغز اليهود التاريخي كشعب وحيد نجا من العصور القديمة. كانوا يرومون حسم المسألة اليهودية بكونها سؤالًا فلسفيًا. اعتبر الفلاسفة الألمان فكرة “الأمة اليهودية” تهديدًا، ونظروا إلى اليهود على أنهم شعب وفد من مكان آخر، من قارة أخرى، وعُدَّت “الأمة اليهودية” سياسيًا “دولة داخل دولة”، وكتب فيخته عن الثورة الفرنسية طارحًا للمرة الأولى فكرة “المؤامرة اليهودية”، داعيًا إلى ترحيل اليهود جميعًا إلى “أرض الميعاد”.
السبّاقون كانط وهيغل ونيتشه
يرى كانط أن العقل، في شموله ونقائه، لا يقبل التحيّزات البدائية، أو الخرافات عديمة الجدوى، أو الخصوصيات البالية؛ فالذاتُ التي أدخلها كانط إلى الحداثة هي ذات سيادة، حرة، مستقلة، تعتمد كلّيًا على العقل. عنوان مقالته التي نُشرت عام 1793 كان “الدين في حدود العقل المجرّد”، فمصدر الأخلاق هو العقل المستقل، لا الطاعة لإله متعالٍ (كما هي الحال في اليهودية). استعرض كانط الأديان التاريخية واحدًا تلو الآخر، واضعًا تسلسلًا هرميًا يصنّف اليهودية في أدنى مستوياته. كان فصل دين العقل عن الأديان الأخرى قفزة نوعية. استبعد كانط اليهودية من مجال اللاهوت، ثم طرد اليهود من كيان الدولة السياسي. بالنسبة إليه، اليهودية ليست دينًا، بل هي أقرب إلى المجال السياسي: “إنها ببساطة اتحاد عدد من الأفراد الذين، لانتمائهم إلى سلالة معينة، أسّسوا أنفسهم في مجتمع يخضع لقوانين سياسية بحتة”. انتهى كانط إلى التأكيد على أن اليهودية تفتقر إلى أي مضمون ديني، بل وإلى أي مضمون أخلاقي. استبعد اليهودية من عالم الروح. اليهودية في نظره تتألف فقط من قوانين ووصايا وأحكام، ولا تستند إلى أي “نزعة أخلاقية” بل تهدف إلى “أفعال خارجية” فحسب. لم يكن لدى اليهود التزام صادق بالشريعة اليهودية، إذ لم يكن هناك قلب، ولا أي جوهر حقيقي. والفرق بين اليهودية والمسيحية، أن “الطقوس الزائفة” في الأولى استبدلت في الثانية بـ”دين أخلاقي محض”. موت المسيح مصلوبًا كان بالنسبة إلى كانط أمرًا “جديرًا بالثناء”، واليهود الذين ينكرون خلود الروح أصرّوا على عدم الإيمان بشهادته السماوية. وإذ يشير كانط إلى مزاولة الربا طوال قرون كاستعارة لوجودهم ذاته، فإنه ينتهي إلى وصفهم بـ”أمة من المخادعين” المفسدين للكيان السياسي، الجاحدين تمامًا لكرم مضيفيهم بالغش والخداع. إنهم شرقيون، آسيويون، لا ينتمون إلى أوروبا، في نظر كانط. لذا اقترح الفيلسوف الألماني “الموت الرحيم لليهودية”، وتُنسب هذه الفكرة إلى أحد طلاب كانط اليهود الكثر لعازر بن دافي، والموت الرحيم غير المؤلم لليهودية يعني “التخلّي عن جميع التعاليم التنظيمية اليهودية القديمة” واتباع “دين يسوع” من غير التحوّل إلى المسيحية، بل الاتحاد مع الإيمان المسيحي كـ”دين أخلاقي خالص” من شأنه أن ينهي “مأساة” الأديان على الأرض.
| كان هايدغر يتمتع بجاذبية هائلة لدى العديد من الشبّان اليهود، وقدّم مساعدة إلى زملائه اليهود، ناهيك عن علاقاته العاطفية مع نساء يهوديات مثل حنة أرندت |
يعود كانط إلى الرؤية الأخروية لبولس وأوغسطين “وبذلك […] لا يوجد سوى راعٍ واحد وقطيع واحد”. وَضَعَ كانط اليهودية خارج نطاق الميتافيزيقا. من ناحيته، مرّ هيغل في “فينومينولوجيا الروح” مرور الكرام على اليهودية، ولم يشر إليها إلّا عند مناقشة “العقل المتأمل”. بالنسبة إليه، جاء الخلاص من اليهود، لكنهم حرموا منه. حتى بعد بلوغهم الباب الذي سيعبر منه الآخرون، ظلّ اليهود عالقين عند عتبته بلا حراك. وإذ تُرك اليهودي واقفًا على طريق الخلاص، استُبعد أيضًا من التاريخ. اندماج اليهود في المجتمع الألماني مستحيل في نظر هيغل. بدت اليهودية له بقايا ميتة من تاريخها، استمرت في الوجود من دون دور أو أمل في المستقبل، خاليةً من الروح، متحجرةً ومتجمّدة، محكومًا عليها بالزوال. بدا له لغز اليهودية محيّرًا ولم يتمكن قط من حلّ معضلة الوجود اليهودي واستمرار هذا “الأثر البالي”. وعلى نحو مماثل لكانط رأى هيغل كل شرور الدين متمركزة في اليهودية. كانت المسيحية في المقابل، بنسختها اللوثرية، هي الدين الأمثل في عرفه. كتب عام 1794: “لا يمكن إنكار المفاهيم المتخلّفة وغير الأخلاقية لليهود، بما فيها من غضب وتحيّز وكراهية للشعوب الأخرى، وتعصّب للإله يهوه”، معتبرًا أن تلك المفاهيم “تسلّلت” إلى الدين المسيحي وأضرّت به. “المسألة اليهودية” بالنسبة إلى هيغل ليست لاهوتية فحسب، بل سياسية أيضًا. وليس من قبيل المصادفة أن يتحدث عن “أمة يهودية” ستكون لها لاحقًا آثار كارثية. كتب هيغل أن اليهودية كانت خصوصيةً يجب أن تتجاوزها عالميةُ المسيحية. انزعج من فكرة اليهود كشعب الله المختار، نظرًا إلى المفارقة غير المنطقية القائمة فيها، إذ تُختزل عالمية الله إلى خصوصية قومية، فضلًا عن أن هذه الفكرة تولّد الكراهية للبشرية التي لاحظها المؤرخ الروماني تاسيتوس. اليهود في نظر هيغل شعب من العبيد، فهم رفضوا حتى الاعتراف بخروجهم من مصر بوصفه تحرّرًا، إذ غادروا مصر بسبب “الحيل” التي استخدمها موسى لإبهارهم، وليس بدافع الرغبة في الحرية. لم يرافقهم في هذا الخروج أي عمل بطوليّ. لا أمل لشعب استمرّ في التصرّف كالعبد، حتى في لحظة تحرّره. يعيش الشعب اليهودي في حالة عبودية دائمة. إنهم أيضًا غرباء عن الدولة وعن الحقوق المدنية، في سياق لاهوتي ـ سياسي يحمل في طياته دلالات وجودية.
أما عند نيتشه فإن اليهود واليهودية يحتلّان مكانة محورية في فكره، وإذ كان عالِمَ أنسابٍ (جيونولوجيّ) لم يجد صعوبة في إدراك حقيقة اليهود خلف ستار الله، فهم في رأيه “مخترعو” المسيحية التي أفسدت أوروبا وألحقت بها ضررًا بالغًا، وإذا كان اللوم قد وقع عليهم على مرّ القرون بأنهم قتلة المسيح، فإن نيتشه يتهمهم بخلقه. كما رأى في “العهد القديم” وثيقة لعصر بدائيّ بدا أصلًا كأنه يتلاشى في غياهب الأساطير، فهو قصة انحطاط. وعلى الرغم من اختلاف وجهات نظرهم، يبدو نيتشه قريبًا من هيغل، بل وحتى من كانط، ففي رأي الفلاسفة الثلاثة لم يكن اليهود مغتربين لمجرد اتّباعهم قيمًا منافية للطبيعة، بل كانوا تجسيدًا للاغتراب في التاريخ، ويعزون ذلك إلى الشريعة اليهودية، وإلى التمسّك الحرفيّ بها، وإلى الطريقة التي تحجّرت بها روح اليهود داخل نظام اليهودية الكهنوتيّ الجامد. وإذ يطري نيتشه على اليهود في جانب محدّد فإنّه يهجوهم في جملة واحدة: “من الناحية النفسية، يتمتع الشعب اليهودي بأقوى طاقة حيوية، وهو مطواع إذا وُضع في ظروف مستحيلة بدافعٍ من أقصى درجات الحرص على البقاء. إنه ينحاز إلى كل غرائز الانحطاط”. لم يكن نيتشه مهتمًا بمستقبل اليهود في أوروبا، ملاحظًا أن “أوروبا سمحت بتكاثر فائض من الأخلاق الشرقية، مثلما اخترعها اليهود وتصوّروها”. ويلفت إلى أن لا ألمانيّ واحدًا يتعاطف مع اليهود، وأنّ “المعدة الألمانية والدم الألماني” لا يتقبّلان هذا الكمّ من اليهود في ألمانيا (يبدو نيتشه هنا أكثر الفلاسفة الممهّدين للعنصرية النازية ضد اليهود في بلاده). استمد نيتشه إجابته السياسية حول “المسألة اليهودية” من تأملاته اللاهوتية، ومن رؤيته للرابط الوثيق بين اليهودية والمسيحية، وهو رافض لكلتيهما، وبمهاجمته إحداهما فإنّه يهاجم الأخرى أيضًا. مضى إلى حدّ القول: “اليهود هم أكثر الشعوب كارثيةً في تاريخ العالم”، و”لم يكن ليسوع المسيح وجود إلّا في بيئة يهودية”، و”إذا صلبت إسرائيل المسيح فلجعل الناس يعتقدون أنّه الخصم والمدمّر”. تمسّك بشدة بالصلة بين اليهودية والمسيحية كدين مناهض للآرية، فـ”وراء كل مسيحي يختبئ، وإن من دون وعي، يهوديّ. كل مسيحيّ هو في الأصل مهتدٍ من اليهودية، حتى لو كان يحتفظ بعلاقة أكثر حرية معها. وراء كل يهودي يكمن خطر لم يختفِ قط، هو خطر تنصير العالم، أي تهويده”. ارتكب اليهود ذنبًا آخر أشدّ خطورة هو إدخال التزييف (Fälschung) إلى تاريخ العالم، أي قلب القيم وفرض أخلاق العبيد. فإذا كانت اليهودية، حتى في أحدث صورها: المسيحية، قد زيّفت الطبيعة مسبّبة انحطاطًا شديدًا، فمن الضروري العودة إلى الطبيعة والقضاء على المزيّفين.
| انتهى كانط إلى التأكيد على أن اليهودية تفتقر إلى أي مضمون ديني، بل وإلى أي مضمون أخلاقي |
هايدغر: النأي عن العرق نحو الميتافيزيقا
لم يتأثّر هايدغر بالمفاهيم الأنثروبولوجية ولا بالمذاهب البيولوجية ذات الصلة بالأعراق، فالطريقة التي تساءل بها عن اليهود كانت متصلة بالميتافيزيقا لتعريف جوهر اليهودية. بالنسبة إلى هايدغر، كان اليهودي عقبة، حجرًا في طريق تاريخ الوجود، وأبسط طريقة لإزالته هي تعريفه. ولتعريف اليهودي عاد هايدغر إلى الميتافيزيقا، معلنًا بوضوح وجود “مسألة يهودية” مرتبطة بـ”مسألة الوجود”. اليهودي الذي التقاه هايدغر على درب تاريخ الوجود عرقل طريقه ومنعه من بلوغ منبع النقاء المطلق. كأنّ اليهودي كان يحذّره من أن المنبع غير موجود، وأن النقاء غائب، فلا منبع، ولا أصل، ولا نقاء، ولا أصالة، لا لليهودي ولا للألماني أيضًا. كان ذلك التحذير يتردّد في أذني هايدغر مثل تهديد، إذ يرى أن اليهوديّ يقوّض الوجود ويعرّض سلامته ونقاءه للخطر ويخرّبه على نحو فوضويّ. تدخّل اليهود في كل برنامج للاستحواذ، وكل شغف بالسيطرة، وكل هوس بالهيمنة، وكل إرادة للقوة، وكل إكراه على الإشباع. تُجرّد اليهوديةُ العالمَ من قدسيته، فهي تُزيل السحر، وتنبذ عبادة الأصنام، وتدمر المقدسات والآلهة الأسطورية. إله إسرائيل ليس ذروة البشرية ولا توحيدها، بل هو الآخر تمامًا. بالمقارنة مع الألوهية التي تتجسد في الآلهة، وبالمقارنة مع خضوع المسيحية لحضور المقدس الذي يُضفي عليها طابعًا مكانيًا، تبدو اليهودية أقرب إلى الإلحاد إذ تدعو أتباعها إلى الإيمان بالله عن بُعد، والبحث عنه انطلاقًا من الانفصال. الشك والوحدة والتمرّد أمور تعاش مرارًا وتكرارًا في اليهودية. إله هايدغر ـ هولدرلن ليس سوى إله وثنيّ مسيحيّ، إله الخبز والخمر والأرض والدم.
حذّر هايدغر من أن اليهودية متواطئة مع الميتافيزيقا، إذ فضّل أحدهما الآخر. لذا، للتعافي من الميتافيزيقا ـ داء الغرب ـ كان لا بدّ من التخلص من اليهودية، والسبيل الأمثل للخلاص هو في العودة إلى البداية النقية، إلى النقاء المعرّض للضياع إلى الأبد. اليهودي، شريك الميتافيزيقا يمنع تلك العودة. مكائده هي مهمته في تاريخ العالم. يمثل اليهودي القطب السلبيّ والطرف المتطرف الذي يجب التخلّص منه ضمن الثنائيات الآتية: الروح/ الجسد، الروح/ الحرف، داخلي/ خارجي، بداية/ نهاية، نقي/ غير نقي، حقيقة/ مظهر، أصيل/ أجنبي، الذات/ الآخر، مناسب/ غير مناسب، أصيل/ غير أصيل، قلب/ عقل، طبيعة/ حضارة، واضح/ غامض، ملموس/ مجرد، ممتلئ/ فارغ، عالمي/ خاص، مرئي/ غير مرئي، جودة/ كمية، إبداعي/ تكاثري، أصالة/ تقليد، حياة/ موت، خير/ شر، مقدس/ شيطاني، حقيقة/ كذب، وجود/ عدم. التناقضات العلمانية وضعت اليهودي خارجًا ودفعته إلى مظهر غير أصيل، وحصرته في تجريد بلا روح، إلى خفاء شبحيّ وصولًا إلى العدم.
في جانب آخر، رأى هايدغر أن الحركة البلشفية هي يهودية في الواقع، فالبلاشفة الذين استولوا على السلطة في روسيا الشاسعة كانوا من النخبة المثقفة اليهودية، وعدّوا هم أنفسهم هذا الحدث خطوةً أولى نحو ثورة عالمية. وكان قادة حركة “سبارتاكوس” في برلين من اليهود، فإلى جانب روزا لوكسمبرغ، كان هناك ليو يوغيشيس وبول ليفي. حمل هؤلاء مع الأناركيين (الفوضويين) والصهاينة رسالة المساواة وفكرة الاشتراكية والأمل في خلاص البشرية. وبينما كان السخط يتصاعد على “اليهود البلاشفة”، كان يُبحث، بنظرة إلى الوراء، عن الخيط الأحمر الذي امتد من موسكو على الأقل إلى كومونة باريس. حتى توماس مان ندّد بـ”حرب الإبادة التي تُشنّ ضد ألمانيا”، ونشر ديتريش إيكارت نظرية اليهودية البلشفية في كتيّب نشر بعد وفاته عام 1924 بعنوان “البلشفية من موسى إلى لينين: حوار بين أدولف هتلر وأنا”. وقد طرح هايدغر موضوع البلشفية في كتابه “مساهمات في الفلسفة”. ولم يكن هايدغر بعيدًا عن الاقتناع بوجود هدف يهودي عالميّ، ففي الجزء الأخير من “الدفاتر السوداء” يتحدث صراحة عن “اليهودية العالمية”، وهو مصطلح غير محايد على الإطلاق، فتكراره لمصطلح “اليهودية العالمية” (Weltjudentum) لا يمكن أن يكون مصادفة. ويستذكر كارل ياسبرز محادثة بينه وبين هايدغر في أيار/ مايو من عام 1933 قائلًا: “تحدثت مع هايدغر عن المسألة اليهودية وعن الهراء الخبيث حول شيوخ صهيون، فأجابني: لكن هناك تحالف دولي خطير لليهود”.
حاول هايدغر منح صورة اليهود وظيفة ضمن تفسيره لتاريخ الغرب و”تاريخ الكينونة” (Seinsgeschichte)، جاعلًا “اليهودية العالمية” عنصرًا في انحطاط تاريخ الكينونة في الغرب، إذ يربط بين “المسألة اليهودية” وسؤال الكينونة ربطًا عميقًا، فاتهامه لليهود غير نابع من العنصرية العرقية الشائعة في عصره، بل من تصوّره الميتافيزيقي لتاريخ الغرب الذي مرّ بعملية طويلة من نسيان الكينونة، بدءًا من اليونان، ثم الميتافيزيقا الغربية، بلوغًا إلى العلم الحديث والتقنية، بكونها أشياء قابلة للحساب والسيطرة والاستخدام. ففي المرحلة المتأخرة من فلسفته استخدم هايدغر مفهوم الآلة والتدبير الحسابي والتصنيع والسيطرة (Machenschaft) وما يسمّيه “عَدَمُ العالم” (Weltlosigkeit) الذي ينسبه إلى “اليهودية العالمية”، مصوّرًا اليهود بأنهم تجسيدٌ لها. اليهودية في وصفه هي “بلا عالم” (Weltlos)، فالعالم لدى هايدغر ليس مجرد مكان مادي جغرافي، إنّما هو البنية التي يوجد الإنسان داخلها بصورة ذات معنى، وهو ينسب إلى اليهود “نسيان الكينونة”. المشكلة فلسفية أكثر منها كراهية دينية؛ إنها في دور اليهود وموقعهم في تاريخ الكينونة.