ملخص
بعد ثلاث سنوات على هجمات 7 أكتوبر، تحولت غزة إلى مساحة يعمها الدمار والنزوح والمعاناة، فيما امتد العنف إلى الضفة الغربية. وبينما تتواصل المأساة، يدعو أقارب ضحايا الهجمات إلى التخلي عن منطق الرد والانتقام، ووضع حد للحرب والاحتلال، وإرساء سلام حقيقي قائم على المساءلة وحق تقرير المصير.
في أعقاب الهجمات الدموية التي شنتها حركة “حماس” على جنوب إسرائيل قبل ثلاث سنوات من اليوم، كانت المشاعر الطاغية هي الرعب والحزن، وفي بعض الأوساط الرغبة في الانتقام.
ولذلك توقعت أن أجد الغضب واليأس عندما قابلت أقارب الضحايا، ومن بينهم يوناتان زيغن، بعد أيام قليلة من مقتل والدته، الناشطة من أجل السلام فيفيان سيلفر، في كيبوتس بئيري، وهي واحدة من أكثر من 1200 شخص قتلهم المسلحون في ذلك اليوم.
لكن ما قاله آنذاك أفقدني القدرة على الكلام، فقد حذر هذا الأب لثلاثة أطفال قائلاً: “الانتقام ليس استراتيجية”. وعلى رغم أنه كان لا يزال غارقاً في حزنه الشخصي، فقد حث العالم بدلاً من ذلك على “الاستثمار في السلام”.
وببصيرة لم يمتلكها الجميع، تنبأ بمستقبل دموي لقطاع غزة الممتد على طول 40 كيلومتراً. وفي مرحلة كانت لا تزال مبكرة نسبياً من حرب إسرائيل غير المسبوقة على غزة وحصارها للقطاع، حذر يوناتان مجدداً من “الخطر الحقيقي جداً”، المتمثل في أن ينحدر الوضع إلى “واقع جحيمي”.
جاء تحذيره هذا قبل وقت طويل من خلاصة لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى خلاصة، مفادها بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، (وهو ما تنفيه إسرائيل).
وتردد صدى كلماته لدى عدد قليل من أقارب القتلى أو الرهائن الذين احتجزتهم “حماس”، ومن بينهم ماعوز إينون الذي قتل والداه بيلها وياكوف في ذلك اليوم أيضاً.
ومنذ ذلك الحين، أمضى ماعوز السنوات الثلاث الماضية في العمل مع ناشط السلام الفلسطيني عزيز أبو سارة، الذي قضى شقيقه تحت التعذيب في سجن إسرائيلي. ويدعو الاثنان ليس فقط إلى وضع حد فوري لهذه المذبحة العبثية وهذا الاضطهاد، اللذين كانا قائمين قبل عام 2023، بل أيضاً إلى مستقبل يسوده سلام حقيقي.
وفي مقالة رأي نشراها في “اندبندنت” بهذه المناسبة قبل عامين، استهلا كلامهما بتصريح آخر بدا استشرافياً، كتباه قبل وقت طويل من الحرب المتواصلة مع إيران التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتدت تداعياتها إلى ستة بلدان.
إذ قالا: “قد نكون الآن على شفا صراع إقليمي، أو حتى حرب عالمية”.
وأضافا: “لقد نجحت البشرية في تحقيق السلام مرات عديدة من قبل، ويجب علينا تحقيق السلام الآن، بين النهر والبحر”.
كان 7 أكتوبر 2023 يوماً دامياً ومدمراً، وكانت الفظائع حقيقية. وقتل كثيرون من بين نحو 250 شخصاً احتجزهم المسلحون رهائن، بينهم أطفال، فيما روى الناجون روايات مروعة عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.
لكن ذلك لم يحدث من فراغ، فقبل أكتوبر 2023 كانت غزة بالفعل أرضاً واقعة تحت الاحتلال والحصار الإسرائيليين، ووصفها خبراء الأمم المتحدة والعاملون في المجال الإنساني على حد سواء بأنها سجن مفتوح.
وفي الواقع، خلصت محكمة العدل الدولية، في رأي استشاري صدر في يوليو (تموز) 2024، وأخذ الممارسات السابقة في الاعتبار، إلى أن إسرائيل مسؤولة عن نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، وهو ما تنفيه الحكومة الإسرائيلية بشدة، فضلاً عن جميع الجرائم المزعومة التي ارتكبت منذ ذلك الحين.
ومنذ أكتوبر 2023، أسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل أكثر من 74 ألف شخص في غزة، بينهم أكثر من 1400 شخص منذ دخول ما يسمى “وقف إطلاق النار”، الذي أبرم بوساطة أميركية، حيز التنفيذ قبل نحو عام، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية.
وتكشف صور حديثة من “خرائط غوغل”، نشرت أخيراً للقطاع المحاصر الممتد على طول 40 كيلومتراً، عن مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه “عملية محو مستمرة”.
مساحات شاسعة من الدمار والرماد والعدم.
وأصبح ملايين نازحين من منازلهم، فيما تضرر أكثر من 80 في المئة من جميع المباني ودمر ثلثاها، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.
وفرضت المملكة المتحدة أخيراً عقوبات إضافية على مستوطنات إسرائيلية في ظل أعمال غير مسبوقة من العنف والتطهير العرقي، والاستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة. وأخبرني مسؤولون في الأردن المجاور هذا الأسبوع، أنهم يخشون أن تقدم الحكومة الإسرائيلية على ضم الأراضي بحكم الأمر الواقع.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 1100 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 250 طفلاً، قتلوا في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية منذ عام 2023.
ولذلك، علينا اليوم، في الذكرى الثالثة، أن نعود لدعوات يوناتان وماعوز.
نحن بحاجة إلى وضع حد حقيقي للمذبحة والمعاناة والظلم غير المسبوقين، وإلى مستقبل يقوم على المساءلة الحقيقية وحق تقرير المصير.
لا وقفاً زائفاً لإطلاق النار، لا إبادة، لا محو.
لا استغلال للقتل، لتبرير مزيد من القتل.
إذا كانا قادرين، وسط حزنهما، على الدعوة إلى سلام حقيقي، فعلينا أن نفعل ذلك أيضاً.
© The Independent
