لفت انتباهي مؤخرا حديثان صحفيان أدلى بهما المفكر الأمريكي المعروف فرانسيس فوكوياما. الحديثان كانا مع وكالة رويترز وصحيفة نيويورك تايمز.
فوكوياما -الذي اشتهر باستخدامه عبارة فريديرك هيجل “نهاية التاريخ”- للتنبؤ بالانتصار النهائي لليبرالية السياسية على الحكم السلطوي- استعرض في هذين الحديثين المراجعات التي تخللت مسيرته الفكرية.
كان فوكويوما أثار جدلا واسعا بعد طرحه لفكرته تلك في مقال له نشر عام 1989 في مجلة “ناشيونال إنترست”، ثم في كتابه الصادر عام 1992 بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” والذي لقي نجاحا تجاريا كبيرا.
رفض الكثيرون ما بدا وكأنما هو تفاؤل مفرط بسير التاريخ نحو نموذج الديمقراطية الغربية. رد فوكوياما على منتقديه بالقول إنه قال أيضا في كتابه إن الشعوب تشعر بالتعب والملل في بعض حقب التاريخ، ومن ثمة قد تراودها الرغبة في تجربة الحكم السلطوي رغم أن الحرية تظل هي المحطة النهائية لقطار البشرية.
أخبر فوكوياما محاوريه بأنه تخلى في العقود الأخيرة عن أفكار المحافظين الجدد، وتراجع عن تأييده للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وكذلك تراجع كثيرا عن إيمانه بقدرة اقتصاد السوق على التعديل الذاتي وتحقيق الرخاء.
من الواضح أن فوكوياما يمتلك جرأة فكرية تسمح له بالإقدام دون حرج على تغيير رؤاه ومنطلقاته الأيديولوجية.
وهو يبدو مقتنعا بأنه في نهاية المطاف لا يتمسك بآرائه بعد ثبوت خطئها إلا الأحمق أو السياسي.
وبخصوص هذه الطائفة الأخيرة يرى أن القادة السياسيين في أمريكا -اعتبارا لحالة الاستقطاب الحاد التي تشهدها- نادراً ما يقرّون بتراجعهم عن آرائهم السابقة.
فوكوياما يعترف بمراجعات فكرية جريئة متخلياً عن أفكار المحافظين الجدد ومؤكداً أن المثقف لا يتمسك بالخطأ إلا الأحمق أو السياسي.
في الواقع لا يعد الاعتراف بالخطأ أمراً سهلاً بالنسبة لمعظم القادة السياسيين سواء في أمريكا أو غيرها إذ أن المسؤول يصر عادة عندما يكون في السلطة على صحة قراراته حتى وإن كانت معيبة في جوهرها، فيما يأخذ خليفته على عاتقه مهمة إظهار مدى خطأ سياساته، إلى أن يبدأ هو أيضا في ارتكاب أخطائه.
المشكلة أن الديمقراطيات الغربية عادة ما تعفي الزعماء المنتخبين من تحمل المسؤولية الكاملة عن سياساتهم الخاطئة. تنتهي المساءلة الفعلية حالما يترك هؤلاء القادة مناصبهم سواء بعد الانتخابات أو عند انتهاء ولايتهم، حتى إن هم تركوا بلادهم في حالة اقتصادية رثة أو أشعلوا الحروب في أكثر من مكان قبل رحيلهم.
المتأمل في التجربة الأمريكية كمثال يرى أن تعاقب الجمهوريين والديمقراطيين يتخلله في عديد الحالات انقلاب جذري في المواقف. فمن الدعوة إلى بث الديمقراطية في العالم بكل الطرق تمر الإدارة الموالية إلى الدفاع الصريح عن الحاكم القوي الذي يساعد واشنطن على تنفيذ أجنداتها. بين إدارة وأخرى يدافع رؤساء الولايات المتحدة عن أنظمة حكم متناقضة تماماً، وكل ذلك يتم باسم مفهوم متغير للمصلحة الوطنية الأمريكية في ظل ذهول لبقية الدول.
يختلف الأمر في الأنظمة التي لا تطمح للحكم على شاكلة الديمقراطيات الغربية، هناك قد تستمر المعالجات غير الصائبة للمشاكل القائمة دون توقف وقد تنتهي السياسات الكارثية للحكام بخروج الحشود الساخطة إلى الشوارع للتعبير عن غضبها. ولكن السياسيين الأذكياء، حتى في ظل الأنظمة السلطوية، يدركون عادةً حدودهم ويعرفون جيداً متى تصبح سياساتهم غير قابلة للاستمرار. وهم طبعا لا يجدون غضاضة في تغيير سياساتهم عندما يصبح بقاء أنظمتهم على المحك.
قد يقول المرء إن التاريخ، في نهاية المطاف، هو الفيصل في الحكم على القادة، سواء كانوا ديمقراطيين أم لا. غير أن التاريخ -كما تظهر السرديات الرومانية الجائرة التي لا تزال سائدة حول قرطاج القديمة أو روايات الغزاة الأسبان عن السكان الأصليين في الأمريكتين- غالباً ما يكتبه المنتصرون، ونادراً ما يطعن الناس في رواياتهم لاحقاً.
والسؤال الذي يطرح نفسه على ضوء مراجعات فوكوياما هي هل إن القادة السياسيين وحدهم مسؤولون عن اتخاذ القرارات الخاطئة في لحظات معينة من التاريخ البشري؟ ماذا عن المثقفين الذين يدفعهم الجهل أو التعصب الأيديولوجي أو الانتهازية إلى تشجيع الحكام على المضي قدماً في سياسات محكوم عليها بالفشل؟
لا يمكن البته تجاهل دور المثقفين (وغيرهم من المؤثرين ومن يسمون بقادة الرأي) في الدفع نحو المنعطفات الكارثية التي تطرأ عبر التاريخ. هل يكفي تراجعهم عن مواقفهم السابقة حتى تنتفي عنهم أية مسؤولية عن سياسات ساهموا في بلورتها وتجسيمها بطريقةأو بأخرى، وذلك بمجرد أن يتضح خطأها؟
بالنسبة للمحافظين الجدد- من خبراء ومنظرين- كانوا هللوا لإدارة جورج دبليو بوش أثناء اختلاقها للأدلة والحجج لتبرير غزوها للعراق، هل يكفي، بعد سقوط مئات الآلاف من الضحايا في العراق وفتح الباب أمام طهران كي تسيطر على مصير هذه الدولة العربية، القول بإن دعمهم للحملة العسكرية الأمريكية كان خطأً، وهناك تنتهي القصة؟
التجربة الأميركية تكشف تناقضات الديمقراطية حيث يتعاقب القادة على سياسات متناقضة وتبقى المسؤولية عن الأخطاء غائبة بعد مغادرتهم السلطة
لقائل أن يقول إن التاريخ وحده سيحكم في نهاية المطاف على الجميع. ولكن لا أحد يعرف تمام المعرفة ما هي مواصفات “الجانب الصحيح لسيرورة التاريخ”، وقد يكون ذلك وهم آخر من جملة الأوهام والتهيئات التي تضفي مشروعية على الأمر الواقع الذي يفرضه الأقوياء.
بالإضافة إلى ذلك عندما يتحدث المفكرون عن مزايا الديمقراطية كتجسيم لحرية الإرادة لدى الشعوب فإن كلامهم يبقى محفوفا بالشكوك. فالانتخابات ولو كانت حرة وشفافة في بلاد ما ليست دائما مؤشراً حقيقياً على تقدم البشرية على درب الخير والصلاح.
فعندما تتحول الانتخابات في إسرائيل مثلا إلى محفز للتصعيد العسكري ضد الجيران، يتبادر إلى الذهن تساؤل عما إذا كانت صناديق الاقتراع دوما رافدا للانعتاق والحرية عندما تمارس الديمقراطية الانتخابية على حساب شعوب أخرى وتكون مبررا لمزيد القتل والدمار.
وعندما تفرز صناديق الاقتراع أنظمة حكم شعبوية معادية للأجانب ونزعات سلطوية تجعل الحرية حكرا على من يساندها وتشيطن من يعارضها، للمرء أن يتساءل عما إذا كانت الحرية هي حقاً المحطة النهائية المأمولة للبشرية.
يبدو فوكوياما اليوم منكباً على دراسة التحديات التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي في المستقبل على الإنسان، إذ لا أحد – بمن فيهم المفكر الياباني-الأمريكي نفسه – يستطيع التنبؤ كيف ستتطور هذه التكنولوجيا وما قد تجلبه للبشرية من فوائد ومخاطر. هذا مفهوم.
لكن فوكوياما، الذي كان اشتغل خبيرا في وزارة الخارجية الأمريكية قبل أن يتحول إلى مُنظّر سياسي، يقدم ضمن حديثيه تفسيراً مثيراً للتساؤلات بشأن الاحتجاجات التي شهدتها الجامعات الأمريكية ضد الحرب في غزة. فهو يريدنا أن نصدق أن هذه الاحتجاجات ليست تعبيراً عن الموجة المتصاعدة من التعاطف مع الفلسطينيين في أعقاب الحرب المدمرة على القطاع بل يراها شكلاً من أشكال “الصراع من أجل الصراع”.
إن الطروحات الغامضة والمتسرعة لا يمكن أن تقدم إجابات مقنعة حول الملفات الدولية المعقدة، أو أن تواكب بمصداقية الكفاح الإنساني الأزلي من أجل الحرية والعدالة، بل هي ربما فقط طريقة مرنة لإرجاء إبداء الرأي في المواضيع الحارقة، إلى حين تتضح للجميع الرهانات الحقيقية للأمور أو يتحقق الإجماع الذي يكفي الجميع بما فيهم المفكرين والمثقفين مؤونة الحرج والجدل.