ملخص
بلغت النقاشات حول عسكرة الفضاء ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أعلنت الولايات المتحدة بدء العمل على مبادرة الدفاع الاستراتيجي، وبالنظر إلى التكنولوجيا المتاحة آنذاك، كانت مبادرة الدفاع الاستراتيجي مشروعاً ضخماً، حتى إن الاتحاد السوفيتي لم يكن قادراً على تحمل كلفته.
أثار كشف وزير القوات الجوية الأميركية، تروي ماينك، عن أن الولايات المتحدة تمتلك أسلحة مدارية تمكنها من السيطرة على الفضاء، ردود فعل محذّرة ومنبهة من خطورة هذه الخطوة، لا سيما حين أعلن “نواصل ضمان جاهزيتنا لمواجهة التحديات والتهديدات المتطورة أينما ظهرت، ولهذا السبب تمتلك الولايات المتحدة الآن أسلحة مدارية للسيطرة على الفضاء قادرة على حماية القوات المشتركة من الخصوم المعادين”، خصوصاً أن المسؤولين الأميركيين لم يتحدثوا قبل هذا الكشف إلا عن نياتهم بتعزيز القدرات العسكرية في الفضاء، مشيرين إلى خطورة البرامج الروسية والصينية المصممة لمهاجمة وتعطيل الأقمار الاصطناعية الأميركية في حال نشوب صراع عسكري.
واستدعى التصريح اهتماماً إعلامياً واسعاً، لكن بالنسبة إلى المتخصصين في المجال العسكري وتكنولوجيا الفضاء الروس، يُعدّ هذا الأمر سراً مكشوفاً إلى حد كبير، فحتى قبل تصريح المسؤول الأميركي، كانت وزارة الدفاع الروسية تعرف أن الولايات المتحدة تحتفظ بأقمار اصطناعية عسكرية وأخرى ذات استخدام مزدوج في المدار، لا سيما أن إدارة ترمب كانت قد ذكرت أن نظام القبة الذهبية المخطط له لاعتراض الصواريخ والأهداف الأخرى التي تهدد الأراضي الأميركية سيتضمن مكوناً فضائياً، بما في ذلك صواريخ الاعتراض.
سر توقيت الكشف الأميركي
لم يكن إعلان ماينك مفاجئاً تماماً، لكن التوقيت والشكل مهمان، فمن جهة تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء التفوق المحتمل لروسيا والصين، ففي عام 2020 اتهمت قيادة الفضاء التابعة للقوات الجوية الأميركية روسيا مرتين بإجراء تجارب على أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية في المدار، وعام 2024 اتهمت الولايات المتحدة موسكو بنشر أنظمة تشغيلية مضادة للأقمار الاصطناعية.
ونفت روسيا هذه الادعاءات، وقال مجلس الأمن الروسي إنه يعارض عسكرة الفضاء القريب من الأرض ويدعو جميع الدول إلى إبقاء الفضاء خالياً من أي أسلحة. وتُظهر الصين بنشاط قدراتها على الالتقاء والمناورة في المدار، وقد تدربت سلسلة أقمار “شيجيان” الاصطناعية على تشغيل أذرع آلية، وأكملت مركبة “شينلونغ” الفضائية السرية مهام عدة استغرقت أشهراً عدة.
لا توجد اليوم معاهدات دولية تحظر صراحةً نشر مركبات ذات أغراض عسكرية في الفضاء، فمعاهدة عام 1967، التي تُعد أساس القانون الدولي للفضاء، لا تحظر سوى وضع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في المدار، أما في ما عدا ذلك فقد فُسِّرت الصياغة المتعلقة بـ”الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي” بمرونة كبيرة.
مع ذلك، وحتى الآن، كانت القوى العظمى تتجنب مثل هذه الاعترافات الصريحة، الأمر أشبه بالتجسس – الجميع يمارسه، لكن لا أحد يتباهى به بنفس الصراحة والفجاجة، لماذا قررت واشنطن الكشف عن هذا “السر العسكري” الآن وفي هذا التوقيت بالذات؟ على الأرجح، لأسباب سياسية داخلية بحتة.
الموقف الروسي
صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن موسكو تتحقق من صحة تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة نشرت أسلحة هجومية في الفضاء، وقال “لقد أثارت الأنباء حالاً من الجدل والاهتمام، ونحن نتحقق حالياً من حقيقة الوضع”.
وأشار لافروف إلى أن آفاق تطور الأوضاع في الفضاء خلال الأعوام الـ10 إلى الـ15 المقبلة لا يمكن التنبؤ بها، مذكّراً بأن روسيا تدفع منذ فترة طويلة في الأمم المتحدة باتجاه التوصل إلى اتفاق يحظر نشر أي أسلحة في المدار من دون استثناء.
وأوضح وزير الخارجية الروسي أن الولايات المتحدة تعارض الحظر الشامل للأسلحة في الفضاء، وتدعو بدلاً من ذلك إلى حظر نشر الأسلحة النووية فقط، مضيفاً أن واشنطن تشتبه في أن موسكو تستعد لنشر أسلحة نووية في المدار، بينما تؤكد روسيا عدم وجود مثل هذه الخطط لديها، وتابع “عندما نقول إنه ينبغي حظر نشر أي أسلحة، فإن ذلك يشمل الأسلحة النووية أيضاً، لكنهم لا يريدون ذلك، إنها ليست مواقف تفاوضية بالغة الرقي، لكنها تمثل واقع الحال”.
من جهته، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أن الولايات المتحدة لم تُخطر روسيا بصورة منفصلة في شأن نشر أسلحة في الفضاء، وقال “لم يكن هناك أي إخطار، في الواقع نحن نتحدث هنا عن بيان أدلى به وزير القوات الجوية الأميركية، هذا ليس بالأمر الجديد بالنسبة إلينا، فكل شيء يخضع للمراقبة والتسجيل، ويجري استخلاص الاستنتاجات المناسبة”.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف “نتوقع أن يتحد المجتمع الدولي على نطاق واسع لمواصلة تحقيق هدف نزع السلاح الكامل من الفضاء”، وقال إن الجانب الروسي يعتقد أن الفضاء الخارجي يجب أن يكون خالياً من الأسلحة، وإن موسكو تأمل في بذل جهد دولي موحد يهدف إلى نزع السلاح من الفضاء.
رد روسيا العسكري
أكد المتخصص العسكري الجنرال فيكتور ليتوفكين أن روسيا لديها رد قوي على نشر الولايات المتحدة أسلحة في الفضاء، موضحاً كيف يمكن لروسيا أن ترد، وعلق على أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمراقبة حشد مكونات الدفاع الصاروخي الأميركي من كثب، بما في ذلك استعداداتهم لنشر الصواريخ الاعتراضية في الفضاء، “بإمكان روسيا أيضاً نشر أسلحة اعتراضية مضادة للصواريخ متنوعة في الفضاء. ولدينا أيضاً منظومة أس-500، التي يمكنها إسقاط أي جسم فضائي”.
وأشار ليتوفكين إلى أن بوتين، من خلال بيانه في شأن معاهدة ستارت الجديدة، أوضح للغرب أن القدرات النووية الروسية جاهزة تماماً.
وقال ليتوفكين “لكن ترمب أعلن عزمه إنشاء ‘قبة ذهبية’ فوق الولايات المتحدة، على غرار ‘القبة الحديدية’ الإسرائيلية”، ويسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق هذا الطموح عبر تسليح الفضاء. في المقابل، تعارض روسيا، كما الصين، أي أسلحة في الفضاء، وقد “أثرنا هذه القضية مراراً وتكراراً في اجتماعات مجلس الأمن الدولي، لكن واشنطن رفضتها باستمرار، وهذا مثال آخر على سعي الولايات المتحدة إلى تحقيق التفوق العسكري الأحادي”.
وحذرت موسكو مراراً من أن مشروع “القبّة الذهبية” يقوض الاستقرار الاستراتيجي، وقال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف إن “القبة الذهبية” تحمل طابعاً استفزازياً للغاية.
بينما أشار وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف إلى أن البرنامج يشمل اعتراض الصواريخ، إلى جانب إمكان تدمير صواريخ روسية وصينية قبل إطلاقها.
ووفقاً للمتخصص العسكري، العقيد المتقاعد في الاستخبارات العسكرية الروسية أناتولي ماتفييتشوك “من المحتمل أن حديث الوزير الأميركي يدور عن منصة ليزر حديثة تستخدم الطاقة النووية سلاحاً ذا تأثير موجي موجه، والتأثير الموجي، بعبارة أخرى، هو نبضة كهرومغناطيسية، بصفتها أحد العوامل التدميرية الناجمة عن انفجار نووي. وهي حقول كهربائية ومغناطيسية تنشأ نتيجة تأثير إشعاع ‘غاما’ على ذرات البيئة المحيطة، وتكون تدفقاً من الإلكترونات والأيونات الموجبة في هذه البيئة، وعلى سبيل المثال، يمكن أن يعطل هذا التأثير أجهزة الأقمار الاصطناعية القريبة من الأرض، والأجهزة الموجودة في المحطات الفضائية”.
تاريخ عسكرة الفضاء
بلغت النقاشات حول عسكرة الفضاء ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أعلنت الولايات المتحدة بدء العمل على مبادرة الدفاع الاستراتيجي. وبالنظر إلى التكنولوجيا المتاحة آنذاك، كانت مبادرة الدفاع الاستراتيجي مشروعاً ضخماً، حتى إن الاتحاد السوفيتي لم يكن قادراً على تحمّل كلفته، أما اليوم فتتيح التقنيات تنفيذ برامج مماثلة بكلفة أقل بكثير، ولن تحتكر الولايات المتحدة بالتأكيد وحدها نشر أسلحة في الفضاء ولن يتاح لها الاستفراد بالمدار وحدها.
الاستخدام العسكري للفضاء ليس مشكلة جديدة، فمنذ إطلاق سبوتنيك الروسي عام 1957، تتنافس الولايات المتحدة وروسيا على تطوير طرق لتسليح وتحييد أقمار بعضهما بعضاً.
على رغم أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 حظرت وضع أسلحة الدمار الشامل في المدار، فإنها لم تحظر جميع الأسلحة في الفضاء، ففي عام 1967، وقع الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة معاهدة تحظر نشر أسلحة الدمار الشامل في الفضاء (معاهدة المبادئ التي تحكم أنشطة الدول في استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، وهي مفتوحة للتوقيع من قبل دول أخرى).
ومع ذلك، فإن هذا لا ينطبق على الأسلحة التقليدية، وفي الأعوام الأخيرة طورت روسيا والصين والولايات المتحدة وسائل مختلفة لمهاجمة الأقمار الاصطناعية المعادية، التي تعتبر ضرورية للاتصالات والاستطلاع والملاحة.
وعام 2019 أنشأت الولايات المتحدة فرعاً جديداً من القوات المسلحة لأول مرة منذ 70 عاماً: قوة الفضاء، والعام الماضي أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يقضي بأن تضطلع قوة الفضاء بمهام دفاعية وهجومية على حد سواء.
ما الأسلحة الفضائية وما أنواعها؟
يشمل مصطلح “الأسلحة الفضائية” مجموعة واسعة من التقنيات التي تختلف اختلافاً جوهرياً في تأثيرها وعواقبها، ويمكن تقسيمها بصورة عامة إلى أسلحة حركية وأسلحة غير حركية.
تتضمن الأسلحة الحركية التدمير المادي أو إلحاق الضرر بالهدف، وتشمل هذه الأسلحة مركبات اعتراضية مدارية مشتركة، وهي مركبات فضائية تُناور لتستقر في نفس مستوى مدار القمر الصناعي المستهدف وتصطدم به بسرعات تفوق سرعة الصوت.
كذلك تشمل أقماراً اصطناعية انتحارية مصممة لصدم قمر اصطناعي، وأخيراً، تشمل صواريخ الصعود المباشر الأرضية، التي تُطلق من الأرض وتضرب قمراً اصطناعياً في مداره. تُخلّف الأسلحة الحركية سحباً من الحطام العالي السرعة، مما يُشكّل تهديدًا للمركبات الفضائية الأخرى لعقود.
تحقق الأسلحة غير الحركية تأثيرات تشغيلية من دون تدمير الهدف فعلياً، وتشمل هذه الأسلحة أنظمة الحرب الإلكترونية التي تشوش على قنوات الاتصالات والقياس من بُعد، وأشعة الليزر التي تُعطل أجهزة الاستشعار البصرية للأقمار الاصطناعية، وأجهزة بث الموجات الدقيقة التي تعطل الإلكترونيات والأسلحة السيبرانية التي تخترق أنظمة التحكم بالأقمار الاصطناعية، ولا تُخلّف هذه الأسلحة حطاماً مدارياً، مما يجعلها مفضلة للحفاظ على البيئة الفضائية.
من يستولِ على الفضاء يسيطر على العالم!
تتفوق الولايات المتحدة حالياً على روسيا في قدرات إطلاق الصواريخ الفضائية، فعلى وجه التحديد، يستطيع صاروخ “فالكون” الثقيل إطلاق حمولة تصل إلى 63 طناً إلى مدار أرضي منخفض، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف قدرة صاروخ “بروتون-أم” الروسي الثقيل.
تشغل الولايات المتحدة المركبة الفضائية X-37B، وهي مركبة غير مأهولة قابلة لإعادة الاستخدام، قادرة على المناورة في الفضاء وإطلاق الأقمار الاصطناعية، وتدور المركبة حالياً في مدار بيضاوي الشكل يراوح ارتفاعه ما بين 323 و38,838 كيلومتراً، بزاوية ميل تبلغ 59.1 درجة، وقد يمر جزء من مسارها فوق المناطق القطبية الروسية.
تعمل شركات الصناعات الدفاعية الأميركية بنجاح على تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود في المدار باستخدام ناقلات فضائية، وأثبتت جدوى نقل هذه الأقمار في المدار باستخدام قوارب القطر.
ووفق المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح داريل كيمبال، فإن الادعاءات بأن الولايات المتحدة لديها أسلحة في المدار، قد تؤدي إلى سباق تسلح، وأكد أنه ينبغي على واشنطن أن تبدأ على الفور مفاوضات ثنائية في شأن الحد من التسلح مع موسكو، وكذلك مع بكين.
وقال كيمبال إن الإعلان عن قدرة الولايات المتحدة على التحكم في الفضاء مباشرة في المدار، قد يدفع روسيا والصين إلى تسريع تطوير أصولهما العسكرية في الفضاء والأنظمة الأرضية القادرة على تدمير الأقمار الاصطناعية المدارية.
المتخصص العسكري، مؤرخ الدفاع الجوي، يوري كنوتوف، قال إن الولايات المتحدة تسعى إلى التفوق على روسيا والصين في نشر أسلحة فضائية، بهدف تحييد الترسانات النووية وأقمار الاستطلاع الاصطناعية لدى خصومها المحتملين.
وفي معرض شرحه لاستراتيجية الولايات المتحدة، استشهد الخبير كنوتوف بكلمات الرئيس الأميركي الأربعين رونالد ريغان الذي قال ذات مرة “من يستولِ على الفضاء يسيطر على العالم”.
