ملخص
يحذر جون رينتول من أن الخطر الذي يهدد بريطانيا لا يكمن في الهجرة بحد ذاتها، بل في تصاعد الخطاب المتطرف وتآكل جودة النقاش العام على جانبي الطيف السياسي، ويرى أن الاستقطاب المتزايد وثقافة التخوين المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تهيئان الظروف لاضطرابات وعنف شبيهين بما تشهده فرنسا.
لا تظنوا أبداً أن ما يحدث في أماكن أخرى لا يمكن أن يحدث هنا في المملكة المتحدة، فنحن لا نملك تقليداً راسخاً من النزول إلى الشوارع وإضرام النار في الممتلكات بين الحين والآخر، على غرار ما يحدث في فرنسا. أعلنت السلطات في نهاية المطاف انتهاء الأزمة، بعدما تراجع عدد السيارات المحروقة في الضواحي إلى “مستواه الطبيعي”
أما المستوى الطبيعي في لندن فهو صفر، ومع ذلك شهدنا أعمال شغب ونهب بدت كأنها اندلعت من العدم، وكانت آخر موجة واسعة من هذه الأعمال في صيف عام 2011. كما شهدت بريطانيا في فترات متفرقة أعمال عنف ذات طابع سياسي، ما يبعث على القلق حقاً هو تصاعد الاستقطاب والجهر بالمواقف المتطرفة على نحو متزايد.
وهذا تحديداً ما يهيئ الظروف التي تجعل اندلاع الفوضى أكثر احتمالاً، بما قد يفضي إلى موجة عنف على النمط الفرنسي.
آمل أن يكون هذا ما قصدته كيمي بادينوك عندما قالت الثلاثاء الماضي “لا أريد أن ينتهي بنا المطاف إلى ما آلت إليه فرنسا، حيث تتفاقم الاضطرابات المدنية”، لكنها اقتربت كثيراً من الإيحاء بأن الهجرة هي سبب العنف الذي تشهده المدن الفرنسية. فقد قالت إن بريطانيا ستواجه “مزيداً من المشكلات”، إذا أخفقت وزيرة الداخلية شبانة محمود في تشديد القواعد المنظمة للإقامة في المملكة المتحدة.
هذا الطرح يفتقر إلى المنطق، فالطلاب الفرنسيون أشعلوا احتجاجات وأعمال شغب واسعة عام 1968، عندما لم يكن المهاجرون الأفارقة يشكلون سوى أقل من اثنين في المئة من السكان. وكان الطلاب أنفسهم في طليعة موجة الاضطرابات الأخيرة، التي اندلعت ظاهرياً احتجاجاً على أوضاع المدارس.
الخطر لا يكمن في الهجرة، بل في تطرف من يعارضونها. وقد عبر تيم ستانلي، الكاتب في صحيفة “تلغراف”، عن ذلك بوضوح خلال ظهوره في برنامج “نيوزنايت” مساء الإثنين الماضي، حين قال: “لا بد من مصارحتكم بأن السياسة في هذا البلد تتشظى، وتتجه نحو مزيد من التطرف”.
وكان ستانلي يشير إلى حزب “ريستور بريتن”، الذي أسسه روبرت لو، النائب السابق عن حزب “ريفورم”، بعدما تبرأ منه نايجل فاراج بسبب دعوته إلى “ترحيل المهاجرين لبلدانهم الأصلية”. وتعيد مواقف لو للأذهان أفكار إينوك باول في سبعينيات القرن الماضي، أي قبل نحو نصف قرن، حين حذر من اندلاع صراعات أهلية بسبب الهجرة إلى بريطانيا من دول الكومنولث التي لا تنتمي غالبية سكانها إلى العرق الأبيض، لقد بدا للمتفائلين أن الدعوات إلى عكس مسار الهجرة قد تلاشت إلى حد كبير.
لكن لو كتب خلال الأيام القليلة الماضية، على منصة “إكس”، “الإسلام، كما يمارسه ملايين المسلمين في بريطانيا، يتعارض كلياً مع أسلوب حياتنا البريطاني”، وأضاف: “يجب إرغام عشرات الملايين على مغادرة قارتنا”.
ومهما كانت بعض آراء فاراج منفرة، فإنه بدا مدركاً أن أي حزب يطمح إلى قاعدة جماهيرية واسعة لا بد أن ينأى بنفسه عن هذا النوع من الخطاب المتطرف. ولهذا السبب رفض التعاون مع تومي روبنسون، وهو اسم مستعار لستيفن ياكسلي – لينون، ثم ابتعد لاحقاً من لو نفسه بعد دخوله البرلمان.
كان من المغري منح فاراج بعض الفضل على هذا الموقف والافتراض أن لو سيتوارى في الهامش السياسي، لكن ذلك لم يحدث. فبدعم من الملياردير الأميركي إيلون ماسك، وبفعل التأثير المعزز لخوارزميات منصة “إكس”، نجح لو وحزبه في كسب تأييد شعبي كاف لإضعاف حزب “ريفورم”. بل إن بعض شركات استطلاع الرأي باتت تدرج حزب “ريستور بريتن” ضمن الخيارات المطروحة على الناخبين، إذ ينال تأييداً يتراوح بين اثنين وستة في المئة من الناخبين الذين يعتزمون التصويت.
وبالطبع، لا تقتصر المواقف المتطرفة على اليمين وحده. فبعض أشكال التعبير عن التأييد للقضية الفلسطينية قد تنزلق أحياناً إلى مواقف مظلمة وإقصائية، وهو ما بدأ “حزب الخضر” يدركه.
فالناشطون المنتمون إلى الطبقة الوسطى الذين دعموا في مؤتمر الحزب مقترحاً ينص على أن “الصهيونية شكل من أشكال العنصرية”، قد يؤمن هؤلاء باللاعنف والسلام، ولا يقبلون من أشكال الاحتجاج سوى العصيان المدني. لكنهم يخاطرون بإضفاء شرعية على مواقف معادية للسامية قد تفضي إلى العنف، أو، كما في حالة حركة “بالستين أكشن”، بتبني قناعة راسخة بعدالة القضية إلى حد تبرير الاعتداء على شرطي بمطرقة ثقيلة.
وعلى طرفي المشهد السياسي، في أقصى اليمين وأقصى اليسار، تتجسد عملياً نظرية “حدوة الحصان”، التي تفترض تقارب المتطرفين على طرفي النقيض. ففي كلا المعسكرين نشهد تراجعاً مقلقاً في مستوى الخطاب العام، وهو أمر كثيراً ما حذرت منه على مدى سنوات. فبدلاً من خوض النقاش وتبادل الحجج، بات الناس يتهمون خصومهم بالكذب ويطالبون بسجنهم. وفي هذا الجانب يتحمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدراً كبيراً من المسؤولية، إذ انتقلت الثقافة السياسية الأميركية بسهولة عبر الأطلسي من خلال فضاء وسائل التواصل الاجتماعي الناطق بالإنجليزية، حيث تتلاشى الحدود الوطنية تقريباً.
قال تيم ستانلي في برنامج “نيوزنايت”: “أحذركم، فالأمور تتفكك، والخطاب يزداد عدائية وقبحاً”. والواقع أن الأوضاع تزداد سوءاً بالفعل، فظهور مجموعات من الرجال المقنعين الذين يرتدون ملابس سوداء بالكامل في شوارع بريطانيا يعيد للأذهان حقباً سبقت سبعينيات القرن الماضي، بل يعود بنا لما قبل الحرب العالمية الثانية، قبل نحو قرن من الزمن.
أما المواجهات التي اندلعت الشهر الماضي في بورتسموث، جنوب إنجلترا، بين محتجين وقوات الشرطة عقب وصول قارب صغير يقل مهاجرين من فرنسا، فينبغي أن تعد إنذاراً خطراً. فقد سألت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وزيرة الإسكان أنجيلا راينر، صباح الثلاثاء، عما إذا كانت لدى الحكومة خطط جاهزة للتعامل مع اضطرابات واسعة النطاق، لكنها لم تجب عن السؤال.
ويتعين على راينر ورئيس الوزراء أن يأخذا العبرة من مشهد احتراق برج دار بلدية مدينة ليموج الفرنسية وانهياره وسط النيران، ومشهد مماثل قد يتكرر هنا أيضاً.
© The Independent
