أعلنت باكستان عن عقد لتزويد دمشق بأنظمة متطورة للاتصالات والقيادة والسيطرة، بتمويل سعودي وتركي، جاء ذلك عشية توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد في مكة فهل تكون الصفقة بوابة العبور للدولة السوريه الى اتفاق مكة الدفاعي؟.
في السادس من آب الجاري، أعلن علي ك. تشيشتي (Ali K. Chishti)، الرئيس التنفيذي ورئيس تحرير «The Wire Pakistan»، عبر منصة “أكس”، أن شركته فازت بعقد لتزويد سوريا بأنظمة متطورة للاتصالات المرئية، إضافة إلى أنظمة للقيادة والسيطرة (Command & Control – C2). لكن اللافت لم يكن دخول جهة باكستانية إلى سوريا فحسب، بل كشف تشيشتي أن المشروع ممول من تركيا والمملكة العربية السعودية.
لم يعلن تشيشتي قيمة العقد أو مدته وحجم التجهيزات، ولم يسمِّ الجهة السورية المتعاقدة أو يكشف تفاصيل تقنية إضافية. إلا أن اهتمامه بسوريا لا يبدو محصوراً بهذا المشروع، إذ أعلن في منشور آخر، وعبر منصة “أكس” أيضاً، أنه يخطط مع أصدقاء لافتتاح مدرسة «على أعلى مستوى» في البلاد. ومن حيث الشكل، تبدو الصفقة عقداً تقنياً محدوداً، لكن توقيتها والأطراف التي تجمعها يضعانها في سياق أوسع.
قبل مكة بيوم
نشر تشيشتي إعلانه في السادس من آب. وبعد يوم واحد، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك، يقوم على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً.
لا يعني ذلك أن الصفقة السورية وُلدت من اتفاق مكة. لكن المشهد الذي تكوّن خلال ساعات يصعب تجاهله: جهة باكستانية تعلن عقداً في سوريا وتقول إنه ممول سعودياً وتركياً، فيما تنتقل الدول الثلاث نفسها إلى إطار دفاعي مشترك. فهل سوريا مجرد مستفيد من هذا التقارب، أم أن هناك مساراً أبعد من الصفقة؟
تمهيد لضم سوريا
تكشف معلومات خاصة لـ “أساس” جانباً آخر من الصورة. إذ يقول مصدر تركي إن عملاً يجري بين تركيا والسعودية وباكستان على مسار مشترك لدعم سوريا، وإن هذا الدعم يشكل جزءاً من خطوات تمهّد، في مرحلة لاحقة، لانضمام دمشق إلى التحالف الذي يجمع الدول الثلاث.
بحسب المصدر، لا يُنظر إلى دعم سوريا باعتباره ملفاً منفصلاً عن التقارب بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، بل ضمن تصور أوسع يبدأ بتقوية مؤسسات الدولة السورية ورفع قدراتها، بما فيها المؤسسة العسكرية، قبل الانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً من التعاون.
عند هذه النقطة، تكتسب الصفقة الباكستانية دلالة تتجاوز قيمتها التجارية غير المعلنة.
ليست فكرة توسيع التحالف افتراضية بالكامل. فقد أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن مصر يمكن أن تنضم إلى الاتفاق بعد تسوية بعض المسائل الفنية، فيما أكد الجانب الباكستاني أن الباب مفتوح أمام دول أخرى. وبالتالي، فإن الإطار الذي ولد ثلاثياً في مكة لا يبدو مغلقاً أمام التوسع.
هل يبدأ المسار من الجيش؟
قبل البحث في عضوية أي تحالف، تحتاج دمشق إلى إعادة بناء قدرة الدولة نفسها. واللافت أن خطوات في هذا الاتجاه سبقت إعلان الصفقة. ففي تموز الماضي، بحث نائب وزير الدفاع السوري مع الملحق العسكري الباكستاني توسيع التعاون العسكري بين البلدين. أما تركيا، فبدأت منذ العام الماضي مساراً معلناً لتدريب وتأهيل الجيش السوري ورفع قدراته الدفاعية والأمنية.
ضمن هذا السياق، يأخذ عقد أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات معنى مختلفاً. فهذه الأنظمة تشكل جزءاً من البنية اللازمة لإدارة الوحدات والمعلومات والقرارات ضمن قيادة موحدة، بالتزامن مع إعادة تنظيم الجيش ودمج التشكيلات العسكرية المختلفة في مؤسسات الدولة. والجديد هنا هو ظهور الدور السعودي من بوابة تمويل المشروع، وفق ما كشفه تشيشتي.
عملياً، لا يمكن الجزم بأن هناك برنامجاً ثلاثياً معلناً لتسليح الجيش السوري، لكن تلاقي هذه المسارات يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يبدأ التمهيد لانضمام سوريا إلى التحالف من إعادة بناء قدرات جيشها؟
أي سوريا داخل التحالف؟
بالنسبة إلى دمشق، يفتح هذا التحول نافذة جديدة. فتركيا، صاحبة الحضور الأكثر مباشرة في الملف السوري، والسعودية التي توسع انخراطها في دعم الدولة الجديدة، أصبحتا في إطار دفاعي واحد مع باكستان.
لكن الاقتراب السوري من هذه المنظومة سيضع دمشق أمام مهمة دقيقة: الاستفادة من شبكة العلاقات الجديدة من دون تحويل البلاد مجدداً إلى ساحة مواجهة بين المحاور الإقليمية والدولية. فالدخول في ترتيبات أمنية أوسع لا يرتبط فقط بإرادة الدول الداعمة، بل أيضاً بقدرة دمشق على توحيد مؤسساتها العسكرية والأمنية وتثبيت سلطة الدولة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: متى تنضم سوريا إلى التحالف؟ الطريق إلى ذلك لا يزال في مرحلة التمهيد. وهذا السؤال يتعلق بما سيحدث على هذا الطريق: إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، ورفع قدراته، وتوسيع التعاون الأمني والعسكري مع الدول الثلاث.
عندها يصبح إعلان السادس من آب أكبر من مجرد عقد تجاري: هو إشارة إلى مسار سعودي – تركي – باكستاني بدأ يظهر في سوريا، فيما يجري العمل، وفق المعلومات على نقل دمشق تدريجياً إلى دائرة التحالف الجديد.
