في مجملها، تبدو سواندون بلدة عادية، في أقصى الجنوب الغربي من إنجلترا، يكاد يطويها النسيان. وبعد أن كانت مركزاً رائعاً للهندسة الحديدية في العصر الفيكتوري، تحوّل اقتصادها إلى الخدمات الهادئة باعتبارها بديلاً لابتكارات عصر البخار قبل 150 عاماً. وفي سواندون، كما الحال في مدن أخرى مثل برايتون وبورنموث وكارديف، يعمل الكثيرون في الوظائف الإدارية الخلفية بالبنوك أو شركات التأمين؛ حيث يتولون تنظيم البيانات، أو تسوية المعاملات، أو معالجة الشكاوى.
أما إلى متى ستصمد هذه الوظائف؟ سيظل هذا السؤال محل تكهن؛ إذ يعتمد جزء كبير من هذا العمل على مهام تسير وفق مسارات محددة وتقليدية، ويسهل تقييم معدلات نجاح إنجازها. وهذا تحديداً ما يجعلها مهيأة بدرجة ما للأتمتة، بواسطة برمجيات الذكاء الاصطناعي.
في الواقع، تقف بريطانيا برمتها على خط المواجهة الأول، أمام التغييرات المتوقعة في عصر الوكلاء المستقلين ومراكز البيانات الضخمة. ويعود ذلك إلى أن قطاع المال – أحد أكثر القطاعات عرضة للاضطراب بفعل الذكاء الاصطناعي – يُعدّ كذلك من أكبر جهات التوظيف، وأهم صادرات المملكة المتحدة. وعليه، يجدر بالدول الأخرى مراقبة المملكة المتحدة عن قرب، سواء لمتابعة كيفية تأثير هذه التكنولوجيا الجديدة على الوظائف، أو لرصد طبيعة الاستجابات السياسية، التي قد تساعد المجتمعات أو تضرها في سعيها للتكيف.
وبدأت اتجاهات مثيرة للقلق، يرجح ارتباطها بتبني أصحاب العمل للذكاء الاصطناعي، بالظهور بالفعل في بيانات الوظائف المحلية والوطنية.
وتراجع معدل شغور الوظائف في المملكة المتحدة عموماً إلى النصف تقريباً، منذ الذروة الأخيرة عام 2022؛ بحسب المكتب الوطني للإحصاءات. ورغم أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ليست المسؤول الوحيد عن ضعف سوق العمل بالمملكة المتحدة، فإن تحليلاً أجراه موقع «بلومبرغ» لبيانات المكتب يظهر أن أكبر الانخفاضات كانت في المهن الأكثر عرضة للاضطراب، بسبب الذكاء الاصطناعي. وتتضمن هذه المهن المحاسبين، ومحللي الاستثمار، والوظائف الإدارية داخل المؤسسات المالية وفي أقسام المالية بشركات أخرى.
ويلقي الذكاء الاصطناعي بظلاله كذلك على العاملين بالفعل في هذه الأدوار.
وثمة مشكلة أخرى في تفسير الاتجاهات العريضة في المملكة المتحدة، بالإشارة إلى الذكاء الاصطناعي وحده، تكمن في أن مدى تعرض الكثير من الأدوار الوظيفية لا يزال في معظمه نظرياً. على أرض الواقع، قد توجد فجوة كبيرة بين القدرة النظرية للأدوات الذكية الجديدة على أداء المهام، والواقع العملي لاضطلاع البرامج الآلية بإنجازها بالفعل.
وبالفعل، يستحوذ قطاع المال على أعلى نسبة من المهن العرضة للذكاء الاصطناعي مقارنة بأي قطاع آخر بنسبة 84 في المائة، بحسب باحثين في بنك إنجلترا. وهذه بالضبط أنواع الوظائف المتركزة في مدن مثل بورنموث وبرايتون وسواندون، وهي المقرات الرئيسية لمراكز التوظيف لكل من «جيه بي مورغان» و«أميركان إكسبريس» و«جمعية نيشن وايد للبناء».
وإن كان ثمة ما يخفف من حدة القلق، فهو أن إجمالي حصة التوظيف في القطاع المالي بهذه المدن، أقل بكثير من نسب الأشخاص، الذين عملوا في تعدين الفحم أو قطاع التصنيع قبل موجة من الإغلاقات في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، والتي ضربت مدناً كانت تلك الصناعات تسيطر عليها. وتتراوح نسبة الوظائف في قطاع المال بين 5 في المائة و10 في المائة من إجمالي التوظيف في الأماكن الأكثر عرضة للخطر اليوم، بينما كان أكثر من خمس القوة العاملة ينقبون عن الفحم في مناطق مثل يوركشاير ونوتينغهامشاير وجنوب ويلز في بداية ثمانينات القرن الماضي، قبل أن تختفي تلك الوظائف بالكامل تقريباً.
بيد أن الصورة ليست قاتمة تماماً؛ فمدينتا بورنموث وكرايستشرش، وهما مدينتان ساحليتان جميلتان في الجنوب، حيث كنت أقضي الصيف مع جدَي في طفولتي، شهدتا انخفاضات حادة في فرص العمل المرتبطة بالمالية. إلا أنه بالوقت ذاته، تستثمر مؤسسة «جيه بي مورغان» أكثر من 300 مليون جنيه إسترليني في مركز العمليات والتكنولوجيا التابع لها في بورنموث، مع خطط تتضمن مكتباً إضافياً يتسع لنحو 1.800 موظف (ولن تكون هذه كلها وظائف جديدة، إذ يعاني المجمع حالياً من ضيق المساحة لـ5300 شخص الذين يعملون هناك الآن).
من جهتها، تضم لندن بالطبع تركيزاً عالياً للغاية من الوظائف المالية كذلك، لكن باعتبارها مركزاً عالمياً لتحريك الأموال، فإن مستقبلها سيخضع لعوامل أكبر بكثير من مجرد التكنولوجيا.
فيما يتعلق ببريطانيا ككل، سيكون لهذا التطور أهمية بالغة، سواء على صعيد التوظيف المستقبلي أو فيما يتعلق بالميزان التجاري؛ فالمملكة المتحدة تعتمد على صادرات الخدمات، لسداد تكاليف واردات السلع.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
