سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
كُلُّ الرِقاب التي سَلِمَت من الذبح كالمعاصم التي سَلِمت من القيود، وكالأجساد التي سلمت من ديدان التفكُك، و الجياع الذين صاروا كالسكاكين في حياة آبائهم، و الأحياء الذين ساروا خلف نعوش حمص مؤخراً؛
يُخشى أن يُصُيّروا حُريات الباقيين عاراً على سوريا.
إن النجاة من أزمنة الأمس وما قبل أمسٍ، وأمس؛ حولت البقاء على قيد الحياة إلى عبء أخلاقي ونفسي يهدد الغد، فالنجاة البيولوجية وهمٌ، و النجاة المادية وَرَّثت الناجين ندوباً جعلت بقاءهم شبيهاً بالفناء تحت وطأة الشروخ النفسية والوجودية التي صارت أعمق بكثير
. إن اجيال اليوم ليسوا ضحايا الأمس فقط، فمع انهيار معنى الأمان و المنظومة الأخلاقية والأسرية تحت وطأة السحق اليومي؛ تحوّلوا إلى أدوات قاسية.،
و أمّا محافظة حمص التي كانت أحد الرموز الكبرى للاحتجاج والدمار فكأنما تلازم البقاء مع الموت في جنائزها، ومات الأحياء فيها مع أمواتهم حتى صاروا كأشباح تتحرك لتشييع ماضيها وهويتها.
ببساطة شديدة اقول، والأسف يعصرُ قلبي:
أخشى أن تصبح السلامة والبقاء مدعاة للذنب والعار مقارنة بالتضحيات الهائلة التي تقدمت في سوريا سواء من عسكريين او مدنيين او معتقلين، ففي كل يوم يرى المواطن الناجي عجز سوريا وانكسارها، باعتقادي تحول مفهوم الحرية لدى الكثيرين من قيمة عُليا يسعى إليها، إلى تُهمة أخلاقية تُشعِرهُ بالخزي لأنه نجا بينما هلك الآخرون من اهل، واحباب، واصحاب، و إن فكرنا مع انفسنا بمسؤولية، ولو للحظة واحدة سندرك بأن:
/كل نصر يُبنى على ركامٍ هائلٍ من الضحايا، والتشوه النفسي؛ لا يُمكن إلّا ان يتحول إلى لعنة بدلاً من الخلاص/ إن المأساة الحقيقية في سوريا لن تنتهي بانتهاء حوادث القتل، و العراكات، أو نزع سلاح، و إزالة حواجز، لكنّ مآسي مختلفة ستبدأ عندما يلتفت جميع الناجين حول أنفسهم، و يجدون حرّياتٍ بطعم الرماد.