ملخص
يشهد لبنان صراعاً بين دولة تحاول استعادة سيادتها والانفتاح على العالم، و”حزب الله” المتمسك بسلاحه ونفوذه الإيراني. وتثير شحنة المتفجرات المنقولة من بعلبك إلى بيروت، والاعترافات المنقولة عن الموقوفين، مخاوف من التحضير لعمليات أمنية داخلية، فيما تبقى أهدافها رهن التحقيق. ويتزامن ذلك مع تهديدات الحزب بالفتنة عند مناقشة سلاحه، مما يطرح احتمال استخدام الفوضى لتعويض خسائره وفرض تسوية جديدة.
كلما اقترب النقاش السياسي في لبنان من سلاح “حزب الله”، عاد الحزب إلى التلويح بالفتنة والحرب الأهلية، واستحضر التخوين والتهديد والوعيد. كأن اللبنانيين مطالبون بالاختيار بين البقاء رهينة السلاح أو الحرب الأهلية. وأخيراً باتت الوقائع الأمنية تطرح احتمالاً أشد خطورة هو أن يكون التهديد بالفوضى قد تجاوز الخطاب إلى التحضير لأدواتها، وأن تتحول خسائر الحزب مع إسرائيل إلى محاولة لفرض أمر واقع في الداخل.
فبعد المتغيرات الإقليمية التي عصفت بالشرق الأوسط بعد “طوفان الأقصى”، بات جوهر الصراع في لبنان بين الدولة واللادولة، سلطة تحاول الخروج من الانهيار والعزلة واستعادة علاقاتها بالعرب والعالم، وميليشيات تتمسك بالمرحلة التي كانت خلالها تحكم البلاد وتقرر الحرب وتفرض التسويات وتعطل المؤسسات.
منذ “اتفاق الطائف”، كان يفترض أن ينتهي زمن الميليشيات وتسلَّم أسلحتها إلى الدولة. لكن الاستثناء المسلح الذي فرضه حينها النظام السوري السابق تحول إلى سلطة موازية، ثم إلى قيد على الدستور والدولة. واليوم، حين تحاول المؤسسات استعادة صلاحياتها، تواجَه بالاتهام بأنها تنفذ مشروعاً خارجياً، وكأن المشروع الإيراني الذي يحكم خيارات الحزب صار معيار الوطنية اللبنانية.
ومن مؤشرات الانقلاب المسلح الذي يحيكه “حزب الله” ضد الدولة ما يتكشف عن ضبط المتفجرات التي كانت في طريقها من بعلبك (شرق) إلى بيروت. وبحسب المعلومات، اعترف الموقوفان بأن “حزب الله” كلفهما تسليم الشحنة إلى أحد قادته في الضاحية الجنوبية، وأن قيادياً يُعرف باسم “السيد ساجد” سلمهما المتفجرات وطلب نقلها إلى قيادي آخر، فيما تتقصى الأجهزة الأمنية هويات بقية المتورطين لتوقيفهم.
هذه الحادثة تكشف نية الحزب في البدء بأعمال أمنية في الداخل، من قبيل زعزعة الاستقرار، وتنفيذ اغتيالات سياسية، وتقويض الاستقرار، فالأسلحة التي ضُبطت أكثر من مرة، سواء في لبنان أو قادمة من سوريا، تكشف أن هدفها الداخل وليس إسرائيل، وإلا لماذا يحتاج قيادي حزبي في الضاحية إلى شحنة متفجرات تُنقل بهذه الطريقة؟ ولأي مهمة كانت تُجهَّز؟ إذا ثبتت الإفادات، يصبح الوصول إلى مَن أصدر التكليف ومَن كان ينتظر الشحنة، جوهر القضية. أما الاكتفاء بتوقيف الناقلَين، فيترك الشبكة قادرة على إرسال غيرهما.
وتأتي هذه الواقعة في سياق أوسع، حيث سبقتها قضية مستودع الأسلحة والمتفجرات في رأس النبع، وتقارير عن اعتراض شحنات متفجرات عند الحدود السورية. كما أعلنت السلطات السورية إحباط شحنات أسلحة قالت إنها كانت متجهة إلى “حزب الله”، وكشفت عن خلايا نسبت ارتباطها إليه، وضبطت بحوزتها عبوات ناسفة وأسلحة وتجهيزات قالت إنها مخصصة لعمليات تخريبية واغتيالات.
وطبعاً يحتاج السلاح إلى المال كي يستمر نفوذه، ففي السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، نقلت وكالة “رويترز” أن “حزب الله” تلقى 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين، ورغم أن الخبر يتحدث عن مساعدات، لا عن تمويل عمليات تخريبية، لكنه يطرح سياسياً مسألة استمرار التمويل الإيراني خارج مؤسسات الدولة. فالحزب يستطيع استخدام شبكة المساعدات لإعادة تثبيت نفوذه بعد الحرب، بينما تسعى الحكومة إلى استعادة مرجعيتها، لا سيما أنه في حال ثبوت أن الحزب استخدم البنية المالية الرسمية لإدخال أمواله، فإن في ذلك ما يهدد بتشديد أخطار العزلة الاقتصادية على لبنان. والتحقيق في تمويل أي نشاط أمني مشتبَه فيه يبقى ضرورياً، من دون اعتبار هذه الأموال دليلاً على تمويله.
لقد ورط “حزب الله” لبنان في حروب مع إسرائيل، وأدخله في الحرب السورية، وربطه بمشروع إقليمي يتجاوز مصالحه. كما تحمّل البلد نتائج شبكات التهريب وتجارة المخدرات التي اتهمت دول عربية وغربية الحزب ونظام الأسد برعايتها. وأدى تهريب حبوب الكبتاغون المخدرة إلى فرض قيود قاسية على الصادرات اللبنانية، فيما عمقت هيمنة الحزب الأزمة مع دول الخليج. هكذا أصبح لبنان مهدداً بأن يعامل كمنصة لمخاطر أمنية، بعدما كان يفترض أن يكون شريكاً عربياً ودولياً. وقد دفعت الدولة والاقتصاد ثمن خيارات لم يقرراها.
واليوم يبرز احتمال أن يحاول الحزب تعويض ما خسره في المواجهة مع إسرائيل بإعادة خلط الأوراق اللبنانية. إذ إن تنظيماً تتراجع قدرته الإقليمية قد يسعى إلى استعادة نفوذه على طاولة داخلية، عبر رفع كلفة إخضاعه للدولة. وفي هذه القراءة، تصبح الفوضى وسيلة تفاوض: توتر يفرض تسوية، وخطر أمني يستدرج تنازلات، وتهديد يحول تسليم السلاح إلى قضية مؤجلة.
المعادلة التي يحاول تكريسها هي: إما السلاح أو الخراب للجميع.
وليست هذه القراءة منفصلة عن تجربته السابقة. ففي مايو (أيار) 2008، أعقبت قرارات حكومية تتعلق بشبكة اتصالات الحزب، مواجهات مسلحة سيطر خلالها مقاتلوه وحلفاؤه على أجزاء واسعة من بيروت الغربية. وفي أغسطس (آب) 2025، اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام تلويح نعيم قاسم بـ”معركة كربلائية” تهديداً مبطناً بالحرب الأهلية. لذلك لا يمكن مطالبة اللبنانيين بتجاهل احتمال توجيه القوة إلى الداخل. السابقة موجودة، والخطاب قائم، وما يجري ضبطه يستوجب كشف الغرض منه قبل أن تصبح البلاد أمام نتائج استخدامه.
في المقابل، تُظهر الدولة هذه المرة قدرة على المبادرة. ما ورد في خطاب قسَم الرئيس جوزيف عون عن حصرية السلاح بدأ يجد ترجمة في إجراءات أمنية وتحقيقات تتناول أشخاصاً نُسب انتماؤهم إلى “حزب الله”. كما وأن ذلك يعزز خطاب قسَم الرئيس الذي كان واضحاً ووضع حداً فاصلاً بين مرحلتين ونهجين.
وتشدد مصادر الرئاسة أن زمن الميليشيات انتهى إلى غير رجعة ولا إمكانية لتجاوز الدولة عبر الحصانة التي صنعها “حزب الله” لنفسه طيلة عقود مضت، وأن الانتقال من مطالبة نظرية بالسيادة إلى ممارسة تستدعي توقيف المشتبه فيهم وملاحقة الشبكات. وهذه بداية يمكن للدولة أن تبني عليها لإجهاض أي محاولة لجر البلاد إلى الفتنة.
وتكتسب متابعة النائب العام التمييزي، أحمد رامي الحاج، للملفات الأمنية، واستنابته الأجهزة لمنع الشغب والاعتداءات وقطع الطرق، أهمية في هذا الاتجاه. وحين تتلاقى إرادة الرئيس جوزاف عون وموقف رئيس الوزراء نواف سلام مع عمل القضاء والأجهزة، تصبح الدولة قادرة على إجهاض الفتنة. الحزب استفاد طويلاً من انقسام المؤسسات وترددها، والحزم يبدأ حين يفقد القدرة على استثمار هذا الانقسام.
وإذا أثبتت التحقيقات إعداد عمليات إرهابية أو اغتيالات بقرار تنظيمي، فلا يمكن حصر المساءلة في أفراد وترك البنية التي وجهتهم محصنة. عندها يصبح مطلوباً بحث مسؤولية التنظيم نفسه، وفتح ملف تصنيفه “إرهابياً” وحظر نشاطه.
المشاركة السياسية لا تمنح حصانة لنشاط إرهابي، وأي إجراءات تتعلق بالوضع القانوني يجب أن تستند إلى أدلة وصلاحيات محددة. فالدولة تخسر معناها إذا عاقبت المنفذ وتركت الجهة الآمرة فوق المحاسبة.
كل ذلك يجري فيما يحاول لبنان استعادة صلته بالعالم. قرار دونالد ترمب إزالة القيود على النقل الجوي المباشر، الذي سبقه الإعلان عن التوجه إليه خلال زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، يفتح باباً أُغلق منذ عام 1985. وقد اعتبرته الرئاسة إشارة ثقة بالخطوات اللبنانية. وكذلك فإن رفع السعودية الحظر على الواردات اللبنانية يقدم مثالاً إضافياً على إمكان الخروج من العزلة.
الدولة تفتح أبواباً أغلقتها الأزمات، فيما يهدد استمرار السلاح المستقل بتبديد هذه الفرص.
