لا شك في أن الحدث الذي شهدته السّاحة الأدبيّة الفرنسية في الأيام القليلة الماضية والمتمثل في الجدل الذي أثير حول رواية “إما هذا أو الموت/ C’était ça ou mourrir” للكاتب الهايتي الكندي تليسون أوريليان/ Thélyson Orélien، بعد الاتهام الذي وجّه إلى المؤلّف بكون روايته مولّدة بالذكاء الاصطناعي، قد ألقى بظلال من الشكّ والرّيبة في الوضع الاعتباري للأدب في عصر الثورة الرقميّة مقارنة بِعصُور نهضاته وصدارته. لقد أدى هذا الجدل إلى سحب الكتاب من القائمة القصيرة لـ “جائزة الغونكور”، التي تعدّ من أشهر الجوائز الأدبية الفرنسيّة. صدرت رواية “إما هذا أو الموت” عن دار غراسيه في أغسطس/ آب/ غشت الماضي، ونالت “جائزة الفناك للرواية”، كما وزّعت منها 35 ألف نسخة، بالإضافة إلى حقوق الترجمة التي بيعت لأكثر من 20 بلدًا. وفي ارتباط بالقضية التي أثيرت بشأن أصالة الرواية، أوضحت الهيئة المشرفة على الجائزة أن قرار سحب الكتاب من القائمة القصيرة جاء بدافع الحرص على صون مكانة “جائزة الغونكور”، وكذلك الحفاظ على مكانة الأكاديميّة نفسها، التي يتمثل دورها في تشجيع الأدب الذي يكتبه الرّجال والنّساء وتكريمه. لكن، وكما أشارت صحيفة “الغارديان”، فإن تساؤلات أُثيرت بشأن مدى دقة برنامج بانغرام/ Pangram، كما انتهت وَسائلُ إعلام فرنسيّة إلى أن برامج أخرى لكَشفِ النّصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي صنّفت الرواية على أنّها، على الأرجح الشديد، مكتوبة من قِبل إنسان. أما الكاتب فقد نفى أن تَكونَ روايته مُولّدةً بالذكاء الاصطناعي، ورأى أن الانتقادات الموجّهة إلى عمله ليست بريئة من النّزعة العنصريّة التي يغذّيها اليمين المتطرف ضدّ المهاجرين والأجانب، كما دَافعَ النّاشر بدوره عن الرواية، وأحقّيتها بالاستقبال الذي حظيت به.
ولأننا نَعيشُ في قلب عصر جديد نجحت الثورة الرقميّة في رَسمِ ملامحه المدهشة وفرضها بقوة، فقد صار هذا الحدث الثقافي عالميًّا، إذ تعدّدت النّقاشات والسّجالات حوله من قبل النّقاد والمثقفين والمحافل المختلفة ذات الصّلة بالأدب، كما انبرت الملاحق والمنصات الثقافية إلى التعليق على الرواية المثيرة للجدل، والتنبيه من خلالها إلى ما يشهده الإبداع الفنّي من تحوّلات وتبدّلات بفعل الذكاء الاصطناعي، ودوره المتزايد في توليد النّصوص. ولعل ما يلفت الانتباه في بعض المداخلات التي قدّمت، إشارتها إلى التحوّل العميق الذي تشهده التقاليد الأدبيّة في عصر الثورة التكنولوجيّة التي تَستفيدُ من الرأسماليّة في مرحلة هيمنتها العالميّة من النواحي الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، والولايات المتحدة الأميركيّة تعدّ في طليعة الدول التي تمارس هذه الهيمنة على مختلف مناطق العالم. وبعدما كان الأدب يَتعيّنُ بوصفه تَجربةً إنسانيّة خالصة تجمع بين طرفين اجتماعيين: الكاتب والقارئ، وبالتالي يتحقق بمقتضاها الحوار والتفاعل بين الإنسانيّة، بالرغم من الحدود اللغويّة والثقافيّة، تبدو هذه الممارسة الثقافية اليوم، وهي تعيش تَجربةً أخرى مغايرة كليًّا لما ترسّخ على مدى تاريخ طويل ممتدّ عبر الأزمنة والحضارات المتعاقبة. في هذا العصر الذي يُعدُّ عصر الثورة الرقميّة، وكما يقول الناقد المقارن وليم ماركس، لسنا بعيدين عن ذلك اليوم الذي ستحلّ فيه الآلة محلّ الإنسان في إنتاج النّصوص والأعمال الإبداعيّة، كما أن الإنسان ما عاد هو ذاك الذي كان يَستكشفُ الأعمال الفنية ويحاورها، ويفك شيفراتها حاملًا إليها خلاصة تجربته في القراءة والتأويل، فينتج المعنى من خلال اللقاء والتفاعل بين أفقين: التجربة الخاصة بالقارئ وتجربة العمل الأدبي موضوع القراءة. من الممكن أن يغدو هذا الدّور من صميم المهام التي يَضطَلعُ بها الذكاء الاصطناعي. وهكذا مع هذه التقنية غير المسبوقة، قد يتوارى الإنسان كاتبًا وقارئًا، وبالمقابل تحلّ التقنية بما لها من الهالة التي تتأبّى على السّبر. لكأن الأدب يعيش لحظة الأفول والنّهاية.
| برنامج بانغرام/ Pangram متهم بمساعدة تليسون أوريليان في كتابة روايته، لكن برامج أخرى أكدت أنها إبداع بشري |
إن الأدب الذي استفَادَ من التوسّع مع الدمقرطة التي طاولت الثقافة في زمن الحداثة، ومع انتشار الطباعة التي جعلت الكتاب متاحًا لجمهور واسع من القراء، بالرّغم من المقاومة التي كان هذا التحوّل بدوره عُرضةً لها ــ ولنا في الجدل الذي أثير حول قراءة الروايات في العالم العربي، والتنبيه على آثارها السيئة على الشبان والشابات في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خير مثال على ذلك ــ يبدو الأدب في عصرنا هذا مهددًا بالانكماش في دائرة ضيقة من الكتاب والقراء. لكأنه يَعودُ إلى الوضع الذي كان عليه في الأزمنة السّابقة لعصر الحداثة. زمن التراتبيّات الإقطاعيّة التي كانت تنظم المجتمع. لا شكّ في أن هذا الموقف يذكرنا بالمفهوم الشهير للثقافة عند ماثيو أرنولد الذي جعل إنتاجها حكرًا على النّخبة، بينما الجماهير تتميز بكونها سلبيّة واستهلاكيّة. غير أن هذا التصور تعرّض للنقد من قبل منظري الدّراسات الثقافية، وخاصّة رايموند وليامز الذي رأى أن الثقافة في المقابل ممارسة اعتياديّة غير مقصورة على فئة بعينها، بل يُسهمُ النّاس كلهم في إنتاجها وإبداعها. ومن منظور رايموند وليامز ليس ثمة جماهير، وإنّما ثمة طرق للنظر إلى الناس بوصفهم جماهير.
غير أن الإشكال الذي يُطرحُ انطلاقًا من هذا الواقع الجديد الذي يلقي بثقله الهائل على الحياة الثقافيّة والأدبيّة، وعلى الإنسان أيضًا باعتباره فردًا حاملًا تنشئة اجتماعيّة ورُؤيةً معينة للعالم، يَتمثلُ في كون هذه الوضعيّة تتراءى لنا كما لو أنها جديدة كل الجدّة، وبالتالي لم يشهد الأدب ما يماثلها من حيث التحدّي الذي تلقي به في وجهه. صحيح أن الثورة التي تشهدها منظومات الذكاء الاصطناعي غير مسبوقة، لكن التحديات التي تطرحها ليست أعقد وأصعب من تلك التي واجهتها البشريّة عبر تاريخها الضارب في القدم. لذلك، فالأدب، وكما يعلمنا تاريخه الطويل، كان يزدهر وينمو ويتجدّد في المراحل والأزمنة التي تشكّل عقبة كأداء وطريقًا مليئًا بالأشواك. فهو أصلًا وجد لأجل أن يُقاومَ ويَفضحَ ويَكشفَ الغطاء عن كلّ ما يبدو طبيعيًّا، أو اعتياديًّا، أو حتميًّا. وعندما نستحضر القول الشهير للشاعر الألماني فريديرش هولدرلين: حيثما يَشتدّ الخطرُ، يَكبرُ أيضًا ما ينقذ/ Là où croît le péril, croît aussi ce qui sauve، يَكونُ علينا ألا نفكّر في التحوّلات التي يلقي بها الذكاء الاصطناعي في وجه الأدب على أنّها واقع لا يمكن تغييره، أو أنّها إعلان عن نهاية الإبداع وأفوله، بل ينبغي أن تقرأ باعتبارها إمكانية لولادة جديدة، وفرصة تُساعدُ على نموّه والنّهوض به من خلال ظهور موجات أدبيّة مختلفة تتخذ من هذا الوضع التقني المهدّد للإنسانيّة الدّافع الأقوى لبلورة ثورة فكرية وجمالية وقيمية تستعيد الثقافة في أنبل صُوّرهَا، أي الثقافة المضادة التي تنتقد وتسائل وتعرّي فيما هي تُعيدُ بناء العالم من جديد بدل الاكتفاء بوصفه. وهذا هو الدّرس الذي يُمكنُ أن يُستفادَ من تاريخ الأدب المعاصر، حيث تتطوّر الحركات الأدبية والتيارات الفكرية والجمالية بطريقة مُتسارعةٍ منذ الحربين العالميتين، بالقياس إلى المراحل السّابقة التي كان فيها التطور بَطيئًا، إذ امتدت الواقعيّة لما يناهز القرن؛ من 1856 إلى 1950.
| فريديرش هولدرلين: حيثما يَشتدّ الخطرُ، يَكبرُ أيضًا ما ينقذ |
في هذا العالم المُعولَمِ الذي يُرادُ فيه للإنسانيّة أن تسلّم أمْرهَا للتقنية، وتتقبّل البقاء تَحتَ رحمة عنفها المادي والرمزي الذي يبتلع وجودها، وأن تَستجيبَ للمفهوم المركب للذات الذي لم تعد معه الأنَا قادرة على إعطاء معنى قارًّا لمشاعرها ولوجودها في هذا الخضمّ الهَائلِ من الصور والرّسائل التي تُعرَضُ عليها بشكل متسارع لا يترك لها أي مجال للتفكير، أو الاختيار، يكون للثقافة المضادّة من المشروعيّة ما لا يمكن أن تبلغه في أي سياق زمني آخر. وإذا كان هذا الوضع القاتم يُتيحُ للأدب أن يفكّر في أكثر السّبل نجاعة لبلورة رؤى العالم القمينة بتحرير الإنسانيّة من قيد التقنية، وهي المهددة بالموت في زمن هذه الحداثة، فإن هذا المنحى لا يُسائلُ الكتاب وحدهم في مغامرتهم الجمالية بحثًا عن العمل الإبداعي المُختلفِ والفريد الذي يُتيحُ التعرّف إلى ما يتستر وراء الوضوح المعميّ، بل يُسائلُ النّقاد بالقدر ذاته؛ النّقادَ المدعوين، أكثر من أيّ وقت مضى، لمدّ الجسور القوية مع تاريخ الثقافة لامتلاك الأدَواتِ والآليّات التي تمكّن من نقد أيديولوجيا الهيمنة وفضح بلاغتها التطويعيّة التي تسوّغ قبول الواقع والتّسليم به كما لو كان حقيقة متعاليّة على التاريخ. والأدب من أكثر الممارسات الفنية التي تربط الإنسان أشدّ ما يكون الارتباط بالماضي والتاريخ، يستروح فيهما حنينًا لعهد سَالفٍ أو هروبًا من الحاضر، تمامًا كما جسّد ذلك مارسيل بروست في تحفته “البحث عن الزّمن المفقود”، حيث إسقاطات الفانوس السّحري تلقي بأثرها القوي على ذاكرة البطل. فهي لا توقظ انعكاسات التاريخ البعيد الغريب عن ذاكرته فحسب، بل تمكّنه أيضًا من إدراك وتحديد آثار ذاكرته الخاصّة التي تنشر ظلالها في الفضاء الحميمي لغرفته. هذا التجذّر العميق للأدب في الزّمن الماضي هو الذي فَطِنَ لهُ المفكّر الرّوسي ميخائيل باختين عندمَا انْتقدَ المقاربات السّائدة في عَصره، وشدّد على أن علم الأدب يتعيّن عليه أن يوطّد صلته بتاريخ الثقافة. يعدّ الأدب جزءًا لا يتجزأ من الثقافة، وليس بالمستطاع فهمه بمعزل عن السياق العام الذي تشكّله الثقافة في مرحلة تاريخيّة محدّدة. وعندما نفكّر مع باختين في الثقافة الشعبيّة السّائدة التي يعدّ تأثيرها في الإنتاجات الأدبيّة من القوة والعمق، والتي غالبًا ما طاولها الاستبعاد في الدّراسات الأدبيّة، فإننا ندرك حجم المسؤوليّة الملقاة على عَاتقِ النقد والدراسات الأدبيّة في هذا العصر المهدّد من قبل العولمة بالتنميط وبالبعد الواحد؛ مسؤولية أن يحافظ النقد على الخصائص المحرّرة للأدب.
وبقدر ما يشكّل التاريخ الأدبي محطّة مهمة لفهم الكيفيّة التي بمقتضاها يستطيع الأدب أن يتجاوز أشد الأزمات تشنّجًا وتعقيدًا، فإنّه يتيح لنا التعرّف إلى كثير من التجارب التي يَظهرُ مَعهَا إلى أيّ مدى تتعين بعض الأحكام النقديّة الصّادرة بحقّ النّصوص، خاصة الأحكام ذات العلاقة بالانتحال نسبيّة، ويَحتاجُ تثبّت أمرها وضعَها في السياق الذي يُحيط بها. وقد ينطبق هذا على الموقف من رواية “إما هذا أو الموت” لتليسون أوريليان. إن هذه النظرة إلى الأدب الفرانكفوني ليست جديدة، بل تُوجدُ حالات كثيرة لها في تاريخ الأدب. لقد انبرى كتاب لاتخاذ التخييل مطيّة لنقد علاقات القوة والهيمنة التي تطبع الحقل الأدبي الأوروبي والعالمي، وتَجعلُ الوصول إلى الاعتراف ليس مرتبطًا بالقيمة الجماليّة للعمل الإبداعي، وإنّما يعود كذلك إلى اعتبارات طبقية، أو عرقيّة، أو لغويّة، أو جغرافية، وغيرها. ومن بين الأعمال التي يمكن التفكير فيها رواية “ذاكرة البشر الأكثر سرية/ La plus secrète mémoire des hommes” للكاتب السنغالي محمد مبوغار سار، التي نال بها “جائزة غونكور” عام 2021. تعد هذه الرواية من الأعمال المذهلة التي تقدّم نقدًا لاذعًا لقطاع النّشر الفرنسي، حيث لا يسلم أحد من الانتقاد. كما نظر إليها على أنّها تشكّل عالمًا قائمًا بذاته، إذ هي في الوقت نفسه تَكريمٌ للأدب وتأمّل فيه، ولا تتوقف أبدًا عن مفاجأة القارئ وأسره، من خلال رحلة البحث الأدبي التي يَخوضُ فيها البطل والتي تمتد بين السنغال وفرنسا والأرجنتين، ويَستحضرُ في أثنائها الكاتب ذاكرة الاستعمار والحرب العالمية الأولى والمحرقة النازية. هذا البحث الأدبيّ يقود أيضًا إلى التنقيب عن كاتب منسيّ يدعى ت. سي. إليمان (T. C. Elimane)، وهي شخصية مستوحاة من الكاتب المالي يامبو أوولوغيم الفائز بـ”جائزة رينودو” الأدبيّة عام 1968 عن روايته “واجب العنف”، وهو أوّل كاتب أفريقي يتوّج بهذه الجائزة من دون أن يَسلمَ من النقد القاسي؛ إذ اتهم عام 1972 بالانتحال. إذًا، في متاهة تتداخل فيها الحقيقة والخيال، يهتمّ بطل “ذاكرة البشر الأكثر سرية” بإعادة كتابة سيرة الكاتب ت. سي. إليمان الذي ولد عام 1915 وعرف بانهمامه الشديد بالثقافة الفرنسيّة وبأدبها. وبهذه اللغة أبدع نصًّا قويًا بعنوان: المتاهة اللاإنسانيّة/ Le labyrinthe de l’inhumain، وعدّ في الأوساط الثقافيّة الفرنسيّة تحفة أدبيّة غير مسبوقة. يُبرزُ الروائي مستعينًا بالخيال الطليق كيف أغضب هذا الحدث الثقافي المؤسّسة الأدبيّة الفرنسيّة وأثار حنقها، فانبرت بالاعتماد على رموزها الأدبيّة الكبيرة لتحطيم الكاتب من خلال تدبيج مقالات تتهمه بالانتحال والسّرقة، رغم استماتة ناشره شارل إلستين، مدير دار “جيميني”، في الدّفاع عن الرواية وكاتبها. وبالاستناد إلى ميشيل فوكو، الذي، كما يقول إدوارد سعيد، “فهم الحياة الاجتماعيّة الأوروبيّة على أنّها صراع بين الهامشي، وما يتخطى الحدود المألوفة والمختلف من ناحية، والمقبول والطبيعي، والاجتماعي عمومًا، أو المشابه لغيره من الناحية الثانية”، فالخطاب هو مجموعة من الممارسات المنتجة للمعرفة والمرتبطة أشد ما يكون الارتباط بعلاقات القوة. إنه مجموع ما تعترف به الثقافة، في مرحلة تاريخية معينة، بوصفه حقيقة، أو معرفةً مشروعةً. ومن خلال مفهومه عن السّلطة والمعرفة، يتبيّن أن السّلطة لا تنتج القوة المادية فحسب، وإنما تنتج أيضًا المعرفة التي تعيّن وتصنّف وتحدّد ما يُرادُ له أن يُفهمَ على أساس أنّه الحقيقة. وبهذا المعنى، قد تُستعملُ السّلطة في الزيّادة من خطر سوء الفهم، وفي محو الأعمَالِ، أو إلغائها، بَدلًا من بلورة النقاش الموسّع حَولَهَا.
وبالإضافة إلى هذا، فإن قصّة رواية تليسون أوريليان تدفع إلى استعادة أحداث ووقائع من التاريخ الأدبي خلال النصف الأول من القرن العشرين الماضي، كالحدث المتعلّق بتتويج رينيه ماران مؤلّف رواية “باتوالا” الصادرة عام 1921 بـ”جائزة الغونكور”، وما أثاره ذلك التتويج من جدل وعنصريّة بسبب بشرته السّوداء.
ليست هذه المواقف مفصولة، في الواقع، عن العقبات الكأداء التي تُعارضُ الكتاب الفرنكفونيّين ذوي الأصول الأفريقية بحثًا عن الاعتراف. ورغم الجدّة والأصالة التي تتميز بها أعمالهم الإبداعيّة والفنيّة، ورغم اللغات والثقافات والتواريخ المتعددة التي تتخللها، وتجعل منها أعمالًا حاملة في ذاتها مقومات المبدأ المشترك الذي يقرّب بعضها ببعض، فإنّها، مع ذلك، تظلّ بحاجة إلى منظورات مختلفة في القراءة والتأويل تراهن على أن تَصُونَ لها وحدتها وتنوعها. وبدلًا من أن تختزلها في التضادّات الثنائية كالمركز والهامش، يتعيّن أن تعترف لها باتساقها ووحدتها، وقوتها الإبداعية. وما يلاحظ هو أن هذه الأعمال الإبداعية لا تحظى بالتتويج العالمي إلا بعد رحلةٍ طويلةٍ وشاقة، وحتى عندمَا يتحقق الاعتراف بقيمتها الفنية وتتوج عالميًّا، فإن ذلك يتمّ بعد مضيّ زمن طويل. في دراستها “ما هو الكاتب العالمي؟” تشير جيزيل سابيرو إلى أنه منذ مؤتمر الكتاب والفنانين السّود الأول الذي عقد في باريس عام 1956 بدعم من مؤسّسة Présence africaine وحتى عام 2022 لم يتوّج من الكتاب ذوي الأصول الأفريقيّة سوى اسمين هما: النيجيري وول سوينكا في 1986، والتانزاني عبد الرزاق قرنح في 2021، هذا رغم أن اسمي إيمي سيزير، وليوبولد سيدار سنغور، وهما من بين مؤسّسي حركة الزّنوجة عام 1936، كانا يظهران في قائمة المترشحين لجائزة نوبل منذ أواخر 1960، لكن لا أحد منهما نال هذا التكريم.
إذًا، بالرغم من محاولات التحيين والتحديث التي تُطاولُ ما يسمى بالمعتمد الأدبي، وخاصّة في العقود الثلاثة الأخيرة، ومع التطورات التي عرفتها مناهج النقد والنظرية الأدبيّة، فإن مسألة الاعتراف بالأعمال الأدبيّة المكتوبة بلغات لا تندرج ضمن اللغات المهيمنة على الصّعيد العالمي، ما تزال تُثيرُ كثيرًا من الأسئلة حول الآليّات المعتمدة، والأسباب الكامنة وراء استبعَاد عدد من الأعمَالِ الإبداعيّة، لا لأن قيمتها الأدبيّة أقلّ أو مشكوك فيها، وإنّما لاعتباراتٍ أخرى عرقيّة، أو طبقيّة، أو جنسانيّة، أو غيرها. وهذا ما أظهرته تحليلات نقدية مهمّة قام بها باحثون في سوسيولوجيا الأدب، مثل دراسات ريشارد جاكمون، وباسكال كازانوفا، وكوثر حرشي، وجيزيل سابيرو… التي يجد فيها القارئ تحليلًا عميقًا للحقل الأدبي العالمي، وللآليات التي يجري توظيفها للحكم على الأعمال، فضلًا عمّا يتستّر وراء عملية التتويج من ممارسات وتواطؤات.
* كاتب من المغرب.