تحمل طهران مخزونها النووي إلى طاولة المساومة، بينما تحمل موسكو عرضاً بإخراجه من الأراضي الإيرانية، وتنتظر دول الخليج أن يمتد أي تفاهم بين الطرفين إلى ما يتخطى المنشآت النووية ومقادير التخصيب.
تتلاقى هذه المصالح، كتفاً بكتف، فوق أرض تتحرك فيها الحرب والعقوبات وأمن الملاحة، وتصل زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى العاصمة الإيرانية (19 أكتوبر)، لتضع موسكو أمام سؤال أكبر من مصير اليورانيوم، وهو ما الذي تستطيع روسيا انتزاعه من موقعها بين طهران وواشنطن، وما الذي تستطيع تقديمه لجيران إيران الذين يطالبون بوقف الهجمات وتبديد مخاوفهم الأمنية.
الفكرة الروسية لم تبدأ مع الزيارة. ففي الأول من أكتوبر، أعاد الرئيس فلاديمير بوتين طرح مقترح نقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى روسيا، قائلاً إن الاقتراح لا يزال قائماً. وبحسب روايته، سبق للاقتراح أن حظي بموافقة أولية من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، قبل أن تتشدد واشنطن وتطالب بنقل المواد إلى الأراضي الأميركية، فتتراجع فرص التفاهم.
منذ ذلك الحين، بقي المقترح معلقاً بين حاجة الأطراف إلى مخرج من المواجهة، وخشيتها من أن يمنح التنازل الأول خصمها أفضلية في المفاوضات التالية.
لكن موسكو تملك ما يجعل عرضها قابلاً للنقاش من الناحية الفنية. خبرتها في دورة الوقود النووي معروفة، واستقبالها مواد نووية إيرانية في إطار ترتيبات الاتفاق النووي لعام 2015 يقدم سابقة يمكن البناء عليها. لكن إخراج اليورانيوم من إيران لا يشبه نقل شحنة من مكان إلى آخر. فالمادة التي تريد موسكو استضافتها تمثل جزءاً من أوراق طهران التفاوضية، وإبعادها قد يخفف جانباً من المخاوف المرتبطة بالمخزون عالي التخصيب، لكنه لا ينهي الخلاف على مستقبل التخصيب والرقابة الدولية والبرنامج الصاروخي، ولا يرفع العقوبات التي تستند إلى ملفات نووية وأمنية متعددة.
لهذا لم يكن موقف طهران قبولاً بالمبادرة.ففي الرابع من أكتوبر قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إن بلاده سمعت المقترح الروسي وتدرسه، وإن القرار سيُتخذ وفق مصالحها الوطنية.
هذه الصيغة تترك الباب مفتوحاً، لكنها تحفظ لطهران حق الانتظار والمساومة، ذلك أن التخلي عن المخزون، إذا حدث، يحتاج إلى مقابل واضح، بينما لا تملك إيران ضماناً معلناً بأن إخراجه سيقود إلى وقف الحرب أو تخفيف العقوبات أو تسوية بقية الملفات العالقة.
واشنطن تعرف، بدورها، أن المسألة لا تتعلق بمكان تخزين اليورانيوم وحده. تقارير أميركية أشارت في مارس إلى أن بوتين عرض على الرئيس دونالد ترامب نقل المواد الإيرانية إلى روسيا ضمن مقترح لإنهاء الحرب، لكن واشنطن رفضت العرض، معتبرة تأمين المخزون النووي هدفاً أساسياً. ويضع هذا الموقف حدوداً للدور الذي تطمح موسكو إلى أدائه، فروسيا تستطيع عرض منشآتها وخبرتها، لكنها لا تستطيع فرض تسوية على طرفين يختلفان على شروطها، ولا تحويل مبادرتها التقنية إلى اتفاق سياسي من دون قبول أميركي وإيراني.
زيارة لافروف إلى طهران تأتي بعد اجتماع الحوار الاستراتيجي الروسي الخليجي في المنامة، حيث طلبت دول مجلس التعاون من موسكو استخدام علاقاتها مع طهران للضغط باتجاه وقف الهجمات، وشددت على أن أي تفاهم ينبغي أن يتناول البرنامجين النووي والصاروخي والطائرات المسيّرة ودعم الأطراف الحليفة لإيران، مع إشراك دول الخليج في الترتيبات التي تمس أمنها. وهنا يتسع المشهد. فموسكو التي تريد المحافظة على شراكتها مع طهران تجد نفسها مطالبة بإثبات أن هذه الشراكة تستطيع إنتاج نتائج تتجاوز حدود العلاقة الثنائية.
ودول الخليج ذاتها لا تبدو معنية بمكان وجود اليورانيوم وحده، بقدر اعتنائها بما إذا كان التفاهم النووي المحتمل سيغير شيئاً في البيئة الأمنية المحيطة بها. أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والهجمات المرتبطة باليمن، ومخاطر اتساع الحرب، ملفات لا يحسمها نقل المخزون النووي. وقد يمنح نجاح المبادرة الروسية موسكو مدخلاً إلى نقاش إقليمي أوسع، لكن لا توجد معلومات معلنة تثبت أن الزيارة تحمل اتفاقاً بشأن اليمن أو أن روسيا تلقت تفويضاً خليجياً للتفاوض على وقف الهجمات الحوثية.
أما طهران، فتواجه معادلة لا تقل تعقيداً. ففي 18 أكتوبر، جدد وزير خارجيتها عباس عراقجي طرح إعادة فتح مضيق هرمز، رابطاً التقدم بقبول الشروط الإيرانية، بينما ظل الخلاف النووي عائقاً أمام استئناف المفاوضات.
القيادة الإيرانية تريد وقف الحرب وتخفيف القيود الاقتصادية، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن تنازل نووي قبل أن تعرف ما ستحصل عليه في المقابل. وفي الجانب الأميركي، لا يظهر ما يدل على استعداد للتخلي عن الشروط المتعلقة بالمخزون النووي مقابل تسوية إقليمية غير محددة.
وتضيف الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر عاملاً زمنياً إلى هذه الحسابات، من دون أن تثبت وجود قرار إيراني بتأجيل التنازلات أو تفاهم روسي أميركي خلف الأبواب.
قد ترى موسكو في ضيق الوقت فرصة لتعزيز دورها، وقد ترى طهران أن الاحتفاظ بأوراقها يمنحها قدرة أكبر على التفاوض، لكن بين الحسابات المحتملة والاتفاق الفعلي مسافة لا تردمها التصريحات وحدها.
يبقى اليورانيوم، إذاً، أكثر من مخزون تبحث الأطراف عن مكان له. إنه اختبار لقدرة موسكو على تحويل موقعها بين إيران والغرب إلى نفوذ سياسي، واختبار لاستعداد طهران للتنازل مقابل ضمانات، ولقدرة واشنطن على قبول تسوية لا تديرها وحدها.
وإذا بقيت هذه الملفات منفصلة، فلن يكون نقل المواد كافياً لإنهاء المواجهة، أما إذا التقت عنده تفاهمات بشأن العقوبات ووقف الحرب وأمن الخليج واليمن، فقد يصبح المقترح الروسي بداية لمسار أوسع.
حتى الآن، تملك موسكو العرض، وتملك طهران قرار القبول، بينما لا تزال التسوية بعيدة المنال.