ملخص
رجل خرج من السلطة منذ أكثر من عقد، رفض ترشحه ثلاث مرات، وكانت علاقته بالنظام أشبه بسكين تقطع الخبز وتجرح اليد في آن.
ثمة سياسيون يمكن قراءتهم بيسر. تعرف من هم، وتعرف ماذا يريدون، وتعرف لمن يعملون. محمود أحمدي نجاد ليس واحداً منهم.
رجل صنع نفسه مرتين في الأقل، وربما ثلاثاً، وفي كل مرة بدا وكأنه شخص آخر تماماً. ابن الحداد الذي فاز برئاسة إيران وصدم العالم، والمتشدد الذي أنكر المحرقة ثم راسل الأميركيين بحثاً عن حوار، والمحافظ الذي تمرد على مرشده، والمعارض الذي لم يُسجن، والمُبعد الذي ظل يطرق أبواب السلطة.
وإضافة إلى كل ذلك، الاسم الذي تداوله تقرير “نيويورك تايمز” بوصفه “الخيار الغربي” لقيادة إيران ما بعد الحرب، على رغم أن صاحبه كان أشهر المنادين بإزالة إسرائيل من الوجود.
حين استهدفت ضربة إسرائيلية محيط منزله في طهران خلال الأيام الأولى من الحرب التي بدأت في فبراير (شباط) 2026، كادت الأنباء تمر مرور الكرام تحت وطأة خبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. لكن من توقف عند تلك الضربة وجد نفسه أمام سؤال محير هو لماذا أحمدي نجاد تحديداً؟
رجل خرج من السلطة منذ أكثر من عقد، رفض ترشحه ثلاث مرات، وكانت علاقته بالنظام أشبه بسكين تقطع الخبز وتجرح اليد في آن.
جاء تقرير “نيويورك تايمز” ليلمح بأن الضربة لم تكن لقتله بل “تحريره” من إقامة جبرية، وأن أميركا وإسرائيل كانتا تراهنان عليه لقيادة إيران في مرحلة ما بعد الحرب.
لفهم هذا التناقض الصارخ لا بد من العودة إلى البدايات، إلى قرية آرادان البعيدة، إلى ابن الحداد الذي حمل أحلاماً أكبر من قريته، وقدم إلى طهران ليصبح رئيساً لها أولاً، ثم رئيساً لجمهوريتها.
الرجل الذي جمع في سيرته ما لا يجتمع عادة، التشدد والبراغماتية، والشعبوية والانتهازية، والمبادئ المعلنة والمواقف المتحولة. ربما يكون محمود أحمدي نجاد أكثر السياسيين الإيرانيين إرباكاً للباحثين والمراقبين على حد سواء، وهذا وحده كافٍ لمحاولة فهمه.
المولد والنشأة
ولد محمود أحمدي نجاد خلال الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) 1956 في قرية آرادان، تلك البقعة الصغيرة التي تبعد نحو 90 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.
كان الرابع بين سبعة أطفال لأسرة لم يكن الحظ حليفها. والده أحمد، رجل تعددت مهنه بين تعليم القرآن والبقالة والحلاقة قبل أن يستقر على الحدادة. وفي تلك البيئة البسيطة، التي يصدر أبناؤها عادة إلى المدن كعمالة أو كذكريات محبوسة في الأرياف، نشأ محمود.
انتقلت الأسرة خلال سنوات عمره الأولى إلى طهران، وكان ذلك الانتقال من عالم الريف إلى فوضى المدينة الكبيرة أول درس تلقاه الطفل عن الهوة الهائلة بين الطبقات.
هذه الهوة ستصبح لاحقاً أحد المحاور الرئيسة في خطابه السياسي. تلقى دراسته في طهران وأظهر ميلاً للعلوم، فالتحق بجامعة إيران للعلوم والتقنيات ليدرس الهندسة المدنية ويحصل فيها على الماجستير ثم الدكتوراه في مجال هندسة النقل والتخطيط. هذا التكوين التقني لا الديني ميزه لاحقاً عن غالبية السياسيين الإيرانيين الذين صعدوا إلى السلطة متسربلين بالعمامة أو بخلفيات دينية واضحة.
الرجل الذي جمع في سيرته ما لا يجتمع عادة، التشدد والبراغماتية، والشعبوية والانتهازية، والمبادئ المعلنة والمواقف المتحولة. ربما يكون محمود أحمدي نجاد أكثر السياسيين الإيرانيين إرباكاً للباحثين والمراقبين على حد سواء، وهذا وحده كافٍ لمحاولة فهمه.
متزوج من أعظم السادات فراحي، ولهما ولدان وبنت. حرص أحمدي نجاد دائماً على إبراز صورة الرجل البسيط العائلي، الذي يسكن بيتاً عادياً ويأكل كما يأكل الفقراء. وقد كانت تلك الصورة سلاحه الانتخابي الأمضى.
بين الجامعة والثورة
لم يكن رجل دين ولا ابن عائلة سياسية. بابه إلى عالم السلطة كان الجامعة، وتحديداً من خلال “مكتب تعزيز الوحدة”، تلك البنية الطلابية التي كانت تمثل في أواخر السبعينيات جناحاً من أجنحة التيارات الإسلامية المتنافسة.
انتمى أحمدي نجاد إلى الجناح المعادي لليسار داخل هذا المكتب، وكان يصدر مع رفاقه مجلة طلابية في جامعة العلوم والصناعة حملت اسماً لافتاً “الصراخ والضجيج”. العنوان الذي بدا اختياره عفوياً تحول لاحقاً إلى وصف مبكر لأسلوب حضوره السياسي طوال حياته.
خلال تلك المرحلة المبكرة التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تميز بموقف لافت. فحين كان الطلاب المؤيدون لخط الإمام يدعون إلى احتلال السفارة الأميركية، كان هو يدعو، مستنداً إلى شعار الخميني “لا شرقية ولا غربية”، إلى احتلال السفارة السوفياتية أيضاً. هذه الجرأة في مواجهة الحلفاء الظاهريين كانت إرهاصاً مبكراً لنمط فكري لن يتخلى عنه.
انضم إلى الحرس الثوري بعد الثورة، وشارك في الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988) متطوعاً في مجال الهندسة القتالية. تلك التجربة العسكرية رسخت انتماءه إلى البنية الثورية وشبكاتها، وفتحت له أبواباً إدارية بعد انتهاء الحرب.
بعدها انضم إلى الهيئة العلمية لكلية الهندسة في جامعة العلوم والصناعة عام 1989، جامعاً بين التدريس الأكاديمي والعمل الإداري الذي كان يتسع تدريجاً.
من ماكو إلى أردبيل
صعد أحمدي نجاد في سلم الإدارة بخطوات محسوبة. تولى إمارة مدينتي ماكو وخوي في محافظة أذربيجان الغربية خلال الثمانينيات، ومن ثم عين مستشاراً لمحافظ كردستان قبل أن يصل إلى منصب محافظ أردبيل شمال غربي إيران عام 1993، في عهد الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني.
هناك، أظهر كفاءة إدارية واضحة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال الذي ضرب المحافظة، لدرجة أن حكومة رفسنجاني نفسها منحته لقب “محافظ العام”.
وكان في تلك المرحلة لا يتوانى عن مدح رئيسه ومانحه اللقب، قائلاً إن اسم هاشمي “سيسجل في التاريخ المشرق للثورة الإسلامية بكل تألق”.
لكن تلك الكلمات الباهرة كانت مجرد استثمار لحظي في رصيد سياسي سيصرف لاحقاً في غير اتجاهه. هذا النمط، المدح الحار ثم الانقلاب الحاد، سيتكرر مرات عدة في مسيرته.
بلدية طهران والمليارات الضائعة
في عام 2003، كانت إيران تعيش مرحلة الإصلاحيين ورياح التجدد التي آثارها محمد خاتمي. وشهدت انتخابات المجالس البلدية إقبالاً ضعيفاً وفوزاً للمحافظين، فاختاروا أحمدي نجاد رئيساً لبلدية طهران.
كان وصوله إلى كرسي العاصمة طريقاً مفروشاً بمناورات داخل أروقة التيار الأصولي. يقول وزير الاستخبارات في حكومة خاتمي، علي يونسي، “إن هناك من كان يقول صراحة إن أحمدي نجاد معد لمنصب رئاسة الجمهورية”.
على رأس بلدية طهران، تصرف كمن جاء ليغير وجه المدينة وفق رؤيته للمجتمع الإسلامي السليم، إذ أُغلقت مراكز ثقافية عدة، من بيت المسرح وإدارة المسرح إلى معهد النحت، وتوقفت عروض الأفلام والمحاضرات في المراكز الثقافية، واستبدلت بدروس تلاوة القرآن وقراءة نهج البلاغة والتطريز.
وصف أحمدي نجاد تلك المراكز مراراً بأنها “أماكن للفساد والمنكر”. وعلى الجانب الأكثر إثارة للجدل، اقترح دفن جثث شهداء الحرب التي عُثر عليها حديثاً في ميادين طهران الكبرى، لكن البرلمان رفض المقترح.
لم تمر فترة البلدية بلا ملفات مالية ثقيلة. واجهت البلدية اتهامات بمخالفات تجاوزت 300 مليار تومان، دون أن تقدم أي وثائق أو مستندات توضح كيفية صرف تلك الأموال. النائب إسماعيل غرامي مقدم شكا علناً، من أن اللجنة البرلمانية المتخصصة لم تتلق أي إجابات وافية عن تلك المليارات.
ومن أبرز آثار تلك المرحلة، مشروع الاستدارات المرورية الذي حل محل دوارات المدينة وتقاطعاتها الضوئية بتقاطعات على الطرق السريعة، وهو ما تعرض لانتقادات واسعة من خبراء التخطيط الحضري على رغم دفاع مبتكره حميد بهبهاني عنه بحرارة.
الصعود إلى الرئاسة
في عام 2005، لم يكن محمود أحمدي نجاد اسماً يتداوله الإيرانيون بوصفه مرشحاً جدياً للرئاسة. الساحة كانت تبدو محسومة لأكبر هاشمي رفسنجاني، رجل الثقل والنفوذ الذي مضت عليه أعوام في دائرة القرار.
غير أن تشتت الأصوات بين رفسنجاني ومهدي كروبي ومصطفى معين دفع الانتخابات إلى جولة ثانية، خرج منها أحمدي نجاد منتصراً. انتصار اعتبره كثر لغزاً سياسياً، فيما رأى فيه آخرون صنيعة الحرس الثوري ودعم بيت القيادة.
أبهج هذا الفوز آية الله خامنئي الذي رأى في الرجل ما طالما حلم به، رئيس جمهورية من صميم التيار الثوري، يؤمن بولاية الفقيه، ويتقن الخطاب التعبوي ضد الغرب، ولا يمثل خطراً على التوازنات القائمة. بدا أن خامنئي حقق معادلته المثلى، المنفذ من دون رأي أو خطر على رأس السلطة التنفيذية.
في حملته الانتخابية، قدم أحمدي نجاد نفسه للناخب الإيراني بصورة بالغة الذكاء. لم ينفق أموالاً طائلة، ولم يعتمد على الإعلام الرسمي وحده.
عوَّل على شبكة المساجد والاتصالات المباشرة، وتوجه بخطابه مباشرة إلى طبقات الفقراء والمهمشين الذين شعروا أن الإصلاحيين تركوهم وانشغلوا بالحريات الفردية والانفتاح الثقافي.
كان ينتعل حذاءه ويضع سترته البسيطة ويعد بتوزيع عوائد النفط على الأسر الفقيرة. للمرة الأولى منذ 1979 يصل إلى الرئاسة رجل لا يحمل عمامة رجال الدين.
السياسة الخارجية
على الصعيد الدولي، حول أحمدي نجاد إيران إلى صوت المواجهة. كانت ملابسه البسيطة وخطاباته العاطفية المحتشدة بآيات القرآن والأحاديث تستقطب إعجاباً في أوساط واسعة في العالم الإسلامي. أما في الغرب، فكانت تصريحاته تثير موجات من الاحتجاج والإدانة.
وصف الهولوكوست بـ”الأسطورة”، ودعا إلى زوال إسرائيل التي وصفها بأنها “حكومة عنصرية ومزيفة”. وقال في مؤتمر بطهران “العالم سيكون أكثر أمناً من دون إسرائيل”.
تسبب خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2009 في خروج وفود نحو 30 دولة من القاعة احتجاجاً. وفي المؤتمر الثاني لمناهضة العنصرية التابع للأمم المتحدة، أثار كلامه عن إسرائيل انتقادات حادة من الأمين العام للمنظمة وقادة الدول الغربية.
على المستوى البنيوي، رفضت إيران في عهده مطالب مجلس الأمن الدولي بوقف تخصيب اليورانيوم، وتعاظم نفوذ الحرس الثوري في مختلف مفاصل الحكم.
وكان يسخر من قرارات مجلس الأمن والعقوبات الغربية بلهجة فيها كثير من الاستعراض، قائلاً “أصدروا ما شئتم من قرارات حتى يتمزق ملف قراراتكم”.
بل ذهب أبعد حين ادعى أن العقوبات أسهمت في ازدهار الاقتصاد الإيراني، وهو ادعاء غير واقعي. في المقابل، سعى إلى تعزيز العلاقات مع روسيا وفنزويلا وسوريا، وعمل على تقديم إيران بوصفها قاطرة المقاومة في مواجهة الهيمنة الغربية.
الولاية الثانية
جاءت انتخابات عام 2009 بفوز أحمدي نجاد على منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي، لكن الفوز غرق في بحر من الاتهامات بالتزوير.
وما تلا ذلك كان أحد أكثر الفصول حدة في التاريخ السياسي الإيراني المعاصر، إذ اندلعت احتجاجات الحركة الخضراء التي نزل خلالها عشرات الآلاف إلى الشوارع، قوبلت بقمع دموي أسفر عن قتلى وآلاف المعتقلين. ووصف أحمدي نجاد المحتجين بـ”الغبار والأعشاب الضارة”.
في المناظرات التي سبقت الانتخابات، شن هجمات غير مسبوقة على موسوي وكروبي ورفسنجاني وناطق نوري، متجاوزاً بذلك الخطوط الحمراء غير المكتوبة للنقاش السياسي الإيراني.
هذه الهجمات سرت المحافظين في البداية، لكنها فتحت على أحمدي نجاد أبواباً من الأعداء لن تغلق.
والأشد دلالة، أنه في مراسم تنصيبه للولاية الثانية أصر على تقبيل كتف خامنئي لا يده، وهو تفصيل بدا رمزياً لمن يعرف دلالات البروتوكول السياسي داخل النظام.
مع بداية ولايته الثانية، مُنيت علاقته بخامنئي بخسائر متلاحقة، إذ عين أحمدي نجاد صهره إسفنديار رحيم مشائي نائباً للرئيس، فاعترض خامنئي،
لكن الرئيس رفض التراجع إلى أن أصدر مكتب المرشد بياناً يعلن عدم أهلية مشائي. ثم في واقعة أشد وقعاً، طلب أحمدي نجاد بإقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي فرفض خامنئي، فلزم الرئيس منزله 14 يوماً في اعتصام خرج بخفي حنين.
أشار المحافظون إلى ما وصفوه بـ”التيار المنحرف” بقيادة مشائي داخل مؤسسة الرئاسة، وكان شقيق أحمدي نجاد، داوود، من بين المنتقدين له بسبب ذلك التيار.
أما مشائي فقد دين لاحقاً وسُجن، وكذلك حميد بقائي المقرب الآخر من الرئيس. طالبه إمام جمعة طهران الموقت بـ”الطاعة الكاملة للولاية”، فيما قال أحد أعضاء مجلس الخبراء “حتى لو حصل شخص على 40 مليون صوت، فإن هذه الأصوات لا قيمة لها إذا لم يصادق عليها الولي الفقيه”، وكانت الرسالة موجهة لشخص بعينه.
الانتقادات وتحولات الخطاب
خرج أحمدي نجاد من السلطة عام 2013 وخلفه حسن روحاني. وعين عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وكان ذلك التعيين أشبه بالزجاجة الضيقة التي تحجب النمر لا تطلقه.
لكن الرجل لم يعرف السكوت. وعلى مدى الأعوام التالية، بدأ تحوله التدريجي من أحد رموز النظام إلى ما يشبه معارضاً من الداخل. غير أن ثمة حدود واضحة لم يتجاوزها حتى في أشد لحظاته تمرداً.
التحول كان ملحوظاً على أكثر من صعيد. الرجل الذي كان يسخر من أوروبا والغرب بدأ يدعو إلى الحوار والانفتاح الاقتصادي. ومن وصف إسرائيل بالحكومة المزيفة، بدأ يوجه رسائل إلى الرؤساء الأميركيين، وإن لم يتلق رداً.
وفي رمزية لافتة، وضع الكوفية على تمثال كوروش ملك الفرس الأخميني، مستدعياً بذلك هوية قومية إيرانية سابقة للإسلام، في مغازلة للطيف الاجتماعي الإيراني المتعطش للهوية غير الدينية. وأطلق على الحرس الثوري لقب “الإخوة المهربين”، محيلاً إلى ما يقال عن تضلع الحرس في شبكات التهريب الاقتصادي.
في عام 2018، نشر رسالة مصورة تتجاوز أحد الخطوط الحمراء الرئيسة في النظام، إذ هاجم فيها الوضع الاقتصادي بلغة حادة دون أن يسمي خامنئي لكن الإشارة كانت واضحة، الاقتصاد على وشك الانهيار، والثقة العامة بالنظام بأكمله تقترب من الصفر والسخط الشعبي في ذروته والفقر واسع الانتشار. من المسؤول عن هذا الوضع؟ جميع مسؤولي البلاد، السلطات الثلاث كلها.
وفي مقابلة مثيرة عام 2021، صدم الرأي العام الإيراني بقوله إن “المسؤول الرفيع المكلف مواجهة إسرائيل داخل وزارة الاستخبارات كان هو نفسه جاسوساً لإسرائيل”. استشهد بعمليات الموساد الكبرى من اغتيال علماء نوويين إلى سرقة الوثائق من مستودع في ضواحي طهران، وتساءل كيف خرجت شاحنات من الوثائق الحساسة من البلاد دون أن يوقفها أحد.
وقال إن “عصابة أمنية فاسدة” داخل الجهاز الاستخباراتي كانت تحمي شبكات التجسس الإسرائيلية وتغطي عليها. كلام من هذا القبيل لو صدر من معارض في المنفى لما استغرب أحد، لكنه صدر من رئيس سابق لم يسجن.
محاولات العودة الثلاث
بين عامي 2017 و2024، ترشح أحمدي نجاد ثلاث مرات للرئاسة، ورفض ترشحه في المرات الثلاث. قبل انتخابات 2017، أبلغه خامنئي بصريح العبارة خلال درس فقهي عام ألقاه “أنا لا أرى من المصلحة أن تدخلوا الانتخابات. قدمنا هذه النصيحة لأحد السادة، والآن ها أنا أقولها علناً”. كان الشخص المقصود أحمدي نجاد.
وفي عام 2021، استُبعد بعدما صعَّد انتقاداته للنظام وبدأ يتحدث عن ضرورة تقييد صلاحيات المرشد. وفي عام 2024، قرر خوض الانتخابات التي جرت بعد وفاة إبراهيم رئيسي مروحياً. غاب عن مراسم عزاء رئيسي، وأثار ارتداؤه قميصاً أبيض وسط أجواء العزاء السوداء انتقادات من المحافظين.
ترشحه الأخير ترافق مع مشهد لافت في وزارة الداخلية، إذ انقطع الميكروفون خلال اللحظة التي بدأ فيها إعلان ترشحه. وحين عادت عدسات الكاميرا إلى وجهه، كان يبتسم الابتسامة ذاتها.
يقول أحد المحللين الإيرانيين إن بقاء أحمدي نجاد في مجمع تشخيص مصلحة النظام طوال تلك الأعوام، في حين جرى استبعاد خاتمي وروحاني من أي منصب مؤسساتي، يشير إلى أن النظام كان يتعامل معه بحساب مختلف عن غيره من المعارضين. لم يسجن، ولم تفرض عليه الإقامة الجبرية الرسمية، ولم يمنع من السفر إلى أن حجز جواز سفره موقتاً. كان وضعه هجيناً، مهمشاً لكن غير مسكت، ومرفوضاً لكن غير محاصر بالكامل.
الرحلة المثيرة إلى غواتيمالا
خلال أكتوبر 2023، شهد مطار الإمام الخميني مشهداً غير مألوف، بعدما احتجزت عناصر من استخبارات الحرس الثوري جواز سفر أحمدي نجاد في المطار عند محاولته السفر. واستمر الاعتصام نحو سبع ساعات قبل أن يستعيد وثيقة سفره ويغادر طهران متوجهاً إلى غواتيمالا.
في ذلك البلد البعيد، شارك في مؤتمر بيئي حول أزمة المياه العالمية، وكانت الفكاهة السوداء في تلك المشاركة أن خبراء البيئة يصفون سياسات حكومتيه بأنها كارثية بيئياً، إذ استندت سياساته إلى حفر آلاف الآبار غير القانونية واستنزاف المياه الجوفية، فضلاً عن بدء جفاف بحيرة أورمية، ومنح تراخيص لمنشآت صناعية أضرت بأنهار إيران الكبرى.
لكن المثير في رحلة غواتيمالا ما أشار إليه تقرير “نيويورك تايمز” لاحقاً من أن غواتيمالا تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل. وكان ذلك تفصيلاً بدا هامشياً حين حدث، لكنه استدعى قراءة جديدة في ضوء ما كشف لاحقاً عن الخطة الأميركية – الإسرائيلية.
أيضاً، في فبراير 2021، اتهمت قناة على تطبيق “تيليغرام” منسوبة إليه وزارة الاستخبارات الإيرانية بتركيب كاميرات على سقف مدرسة مطلة على منزله شرق طهران، لمراقبة برامجه وتحركاته.
اعتبر بعض المراقبين هذا التصريح جزءاً من حملته الإعلامية ضد النظام، بينما رآه آخرون مؤشراً حقيقياً على أنه بات ورقة حساسة تتنازع عليها أطراف متعددة.
سبعة إخفاقات لرئيس أثار الجدل
لا يمكن قراءة مسيرة أحمدي نجاد بعيداً من تراكم الانتقادات التي وجهت إليه من خصومه ومن الباحثين المتخصصين على حد سواء.
أولاً السياسات الاقتصادية الشعبوية، فعلى رغم شعاراته عن العدالة الاجتماعية أدت سياساته القائمة على الإنفاق الشعبوي وتوزيع الدعم النقدي إلى ارتفاع حاد في التضخم واتساع الفجوات الطبقية. واعتبر اقتصاديون أن حكومته أهدرت عائدات نفطية تجاوزت 620 مليار دولار دون تحقيق تنمية مستدامة، على رغم أن تلك المرحلة شهدت أعلى أسعار نفط في التاريخ الإيراني
وثانياً تهميش الكفاءات، إذ وجهت إليه انتقادات بسبب استبدال الخبراء والمتخصصين بشخصيات شابة موالية تفتقر إلى التجربة، مما أضعف أداء مؤسسات الدولة وجودة القرار الاقتصادي.
وثالثاً الفوضى الإدارية وكثرة التغييرات في الوزارات، التي عدها خصومه نمطاً يكشف غياب الرؤية المؤسسية.
ورابعاً الفساد المالي، على رغم رفعه شعار مكافحة الفساد، ارتبطت فترته بملفات ضخمة أبرزها قضية الفساد البنكي العظيم، مما هدم صورة “الحكومة الأنظف” التي كان يروج لها.
وخامساً استخدام الملفات السرية والاتهامات العلنية ضد الخصوم سلاحاً سياسياً، وهو ما رأى فيه كثرٌ تعميقاً للانقسام الاجتماعي وإضعافاً لمؤسسات النظام.
وسادساً الصدام مع مؤسسات النظام وبناء مسار شخصي مستقل عن القيادة العليا، مما جعله تدريجاً حالاً هجينة بين الموالاة والمعارضة.
وسابعاً رأى المنتقدون أنه نجح في تشخيص مشكلات الناس والتعبير عن غضب الفقراء، لكنه أخفق في تقديم حلول مؤسسية اقتصادية فعالة. والشعارات لا تعوض الخبز.
ولا يمكن تجاهل ما أشارت إليه الباحثة فاطمة الصمادي في كتابها “التيارات السياسية في إيران”، من أن فترتي أحمدي نجاد الرئاسيتين لا يمكن قراءتهما بمعيار واحد. الفترة الأولى شهدت دعماً واضحاً لمحور المقاومة وخطاباً انتقادياً حاداً ضد إسرائيل، في حين أطل من فترته الثانية مسؤولون كبار في حكومته يتحدثون عن “الصداقة مع الشعب الإسرائيلي”، وهو تحول لا يمكن تفسيره دون الأخذ بعين الاعتبار التحولات الداخلية التي شهدتها علاقته بالنظام.
تقرير “نيويورك تايمز”
خلال فبراير الماضي، بدأت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران. وفي الأيام الأولى منها، استهدفت ضربة إسرائيلية محيط منزل أحمدي نجاد في طهران.
وبحسب تقرير “نيويورك تايمز”، كانت الضربة لا تهدف إلى قتله بل إلى تحريره من إقامة جبرية مفروضة عليه من الحرس الثوري، بعد اغتيال خامنئي وانهيار الدائرة الأمنية المحيطة به.
وكشف التقرير عن خطة إسرائيلية أميركية أعمق، كانت تقوم على تنصيبه قائداً لمرحلة ما بعد الحرب.
الرهان على أحمدي نجاد يبدو في ظاهره متناقضاً مع سجله الحافل بالعداء لإسرائيل، لكن التفسير الذي يقدمه التقرير هو أن خلافاته المتصاعدة مع النظام الإيراني طوال الأعوام الأخيرة جعلته “خياراً من الداخل” أكثر استعداداً للتفاهم مع الغرب.
والرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد لمح إلى ذلك حين قال “أعتقد أن شخصاً من الداخل ويتمتع بشعبية سيكون الخيار الأنسب”.
الضربة التي استهدفت محيط منزله أسفرت عن مقتل عدد من أفراد الحرس الثوري المرابطين في نقطة أمنية قريبة، ونجا أحمدي نجاد ثم اختفى عن الأنظار في غموض تام.
وبينما كان العالم يتابع مجريات الحرب، ظهر في فيديو من مراسم عزاء شقيقته حين حاول صحافي استجوابه عن الوحدة الوطنية، فكان رد الشخص الذي بدا حارساً “من الأفضل ألا تجروا مقابلة”. ولما كرر الصحافي سؤاله، قال أحمدي نجاد “هل سمعتم ما قاله؟”.
الخطة الأشمل التي كشف عنها التقرير كانت تقوم على مراحل تشمل ضربات جوية واسعة واغتيال قيادات عليا، وإثارة اضطرابات داخلية ودفع جماعات كردية إلى التحرك، ثم انهيار الحكومة وظهور حكومة بديلة.
لكن معظم تلك المراحل لم تتحقق، فالنظام الإيراني صمد على رغم خسائره، وفشلت رهانات واشنطن وتل أبيب على انهيار سريع. وبعد مقتل خامنئي، كان من بين أوائل من بعثوا برسائل تهنئة إلى ابنه مجتبى بمناسبة توليه القيادة، مجاراة لما فعله الرئيسان السابقان خاتمي وروحاني.
الثابت والمتحول
ما الذي يجمع شخصاً واحداً ينكر المحرقة ويراسل رؤساء أميركيين بحثاً عن حوار؟ من يمدح رؤساءه ثم ينقلب عليهم؟ من يدعو إلى ولاية الفقيه ثم يطالب بتقييد صلاحيات المرشد؟ من لا يعلق بكلمة على العدوان الإسرائيلي على بلاده ولا على طوفان الأقصى؟
ثمة مدرستان في قراءة أحمدي نجاد، الأولى ترى أنه سياسي ذرائعي بامتياز، يقدر المواقف ويعدل خطابه وفق ما يخدم مصيره ومصالحه، دون أن يكون ثمة خط أيديولوجي ثابت يحكم انتقالاته، فيما ترى الثانية في تحولاته ما يشبه الوعي المتأخر، أي إن صدامه مع النظام أجبره على إعادة النظر في مواقف كانت في جوهرها خطابية أكثر منها اعتقادية. غير أن كلتا القراءتين تقر بشيء واحد أن هذا الرجل يعرف كيف يُبقي نفسه في اللعبة.
يصف الباحث الإيراني مئير جافيدانفار، المقيم في تل أبيب والذي شارك في تأليف سيرة عنه، استهداف منزله بأنه لغز. لماذا تريد إسرائيل تحرير رجل وصفها بالحكومة العنصرية المزيفة وطالب بزوالها؟
الجواب ربما يكمن في أن السياسة تنسى الكلام وتتذكر المواقع. وأحمدي نجاد، بكل ما بينه وبين النظام من شقاق علني، كان لا يزال يحتفظ بشعبية لدى شرائح من الإيرانيين تراه ابن الشعب المظلوم.
لكن تظل ثمة علامات استفهام لا يجيب عنها التقرير ولا يجيب عنها أحمدي نجاد نفسه، هل كان فعلاً محتجزاً حين بدأت الحرب؟ وما طبيعة التواصل إن وُجد، بينه وبين الأطراف الأميركية الإسرائيلية؟
وما الذي جعل واشنطن تُدرجه على قائمة الأحياء؟ تلك الأسئلة تظل في انتظار إجابات قد تأتي يوماً مع رفع السرية عن الوثائق، أو قد لا تأتي أبداً.
الرجل المتبقي
في نهاية المطاف، يبقى محمود أحمدي نجاد ظاهرة إيرانية لا سابق لها، رجل خرج من قرية صغيرة وابتلع حجم أكبر دولة في المنطقة المتخيلة، ومارس السياسة بلا عمامة ولا نسب ديني ولا ثروة عائلية.
بنى نفسه على الشعبوية حين لم يكن الجميع يعرف الاسم، وحين عرفوه جعل منهم ورقة ضغط. وعندما خسر موقعه داخل النظام، حاول أن يحول خسارته رصيداً بين المعارضة. والمفارقة الكبرى أنه وصل إلى يوم تجد فيه إسرائيل، التي كان يطالب بزوالها، نفسها تشير إليه بوصفه “الخيار”.
ما يبقى من سيرته بعيداً من المفاجآت والروايات المتضاربة، أنه أكثر رئيس إيراني أثار الجدل في الداخل والخارج معاً. جمع في شخصه ما يصعب جمعه من التدين والقومية، والتشدد والبراغماتية، والإخلاص للنظام والتمرد عليه. وربما لهذا السبب تحديداً لا يزال اسمه يتصدر الأخبار بعد أكثر من عقد على مغادرته قصر باستور.
وفي السياسة، الرجل الذي لا تعرف أين تضعه هو الأخطر دائماً، لأن الجميع يريد أن يبقيه في متناول يده.
