تخطي إلى المحتوى
موقع السفينة

موقع السفينة

السفينة

cropped-header-08.png
القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة
  • مقالات رأي

أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة

المحرر Editor 3 سبتمبر، 2026
B4769262-978B-41E7-8365-77B95D66AED6 (2)

مضر رياض الدبس.. كاتب سوري العربي الجديد

كتب دوستويفسكي في شبابه روايةً بعنوان “نيتوتشكا نزفانوفا”، أو لنقل إنّها نصفُ رواية، لأنّه دخل السجن في سيبيريا في أثناء كتابتها، ولم يكملها بعد ذلك. وفي هذه الـ”نصف رواية” كثيرٌ ممَّا يشبهنا نحن السوريين اليوم المحشورين أيضاً في نصفِ روايةٍ بدأنا بكتابتها قبل أن نذهب إلى السجون، سواء في سجون النظام البائد، أو سجون الفصائل، أو سجون ذواتنا. بل نحن الآن في ذروة هذه الرواية، ولا نعرف إن كنَّا نحن من سيكمل كتابتها، أم سيكملها غيرنا، أم أنّها، مثل رواية “نيتوشكا نزفانوفا”، لن تكتمل أصلاً.

على أيّ حال، ابتكر دوستويفسكي في هذه الرواية شخصيةً رائعةً، اكتملت سيرتها في نصف الرواية المُنجَز، وهي شخصيةُ عازفِ كمانٍ موهوب يُدعى يفيموف، مات محطَّمَ الروح، مدمناً الخمر، وأشبه بمنتحر، ولم يكن بحاجة إلى نصف الرواية الغائب لكي تكتمل سيرته، وتبقى العبرة في حياته. وتبدو شخصية يفيموف هذه مدرسةً، خصوصاً إذا قرأناها بعيون سورية راهنة، ولذلك سأحدِّثك، عزيزي القارئ، قليلاً عن يفيموف، لا عن وضعنا الراهن مباشرةً، فللمجاز، أحياناً، قدرةٌ على التعبير قد يعجز عنها كلُّ حديثٍ مباشر.

يؤمن يفيموف بأنّه موسيقيٌ عظيم، ولكنَّ العالم ظلمه، ولم يقدِّره حقَّ قدره، ولم يمنحه المكانة التي يستحقّها. والحقيقة غير ذلك، فهو لم يمتلك القدرة والتأهيل اللازمين لتحقيق ما تَعِدُ به موهبته. ومع أنّه موهوب، إلّا أنّه لم يهتدِ إلى الأسس النظرية، ومن ثمّ العملية لصقل موهبته، بل كان يستخفّ بالتمرين، والتدريب، والجزء النظري، ولا ينظر إليهما إلّا كما ينظر قائدُ فصيلٍ إلى الفلسفةِ والتنظير. ولذلك، كان عليه أن يعاني دائماً صراعاً بين موهبته التي يعرفها ويشعر بها، والوهم الذي يتملَّكه ويجعله يصطدم بالواقع الذي يفيد بأنّه ليس أكثر من عازفٍ صغيرٍ في الطريق. أراد يفيموف أن يكون عظيماً، ولكنّ هذه الإرادة لم تلغِ حقيقة أنّه لم يؤهِّل نفسَه بما يكفي لتحقيق ذلك. ولم يهتدِ طوال حياته إلى الفرق بين الإنسان الموهوب الذي يريد أن يكون عظيماً، والإنسان الذي يستطيع أن يكون عظيماً. والكارثة أنّ استمرار غياب إدراكه لهذا الفرق أدَّى مع الوقت إلى تدمير موهبته؛ وبناء موهبة بديلة، وهي تعليق الإخفاق على الآخرين؛ فالذي لا يقبل الاعتراف بأنّه أخفق، ولا يراجع ذاته، ولا يستفيد من أخطائه، ولا يتحمَّل المسؤولية، ولا يعترف بقصوره وتقصيره، يحوِّل موهبته إلى موهبة شقيَّة متعطِّلة، ويطوِّر بدلاً منها موهبة البحث عن علَّة خارجية يلقي عليها تبعات ما يلقاهُ هو نفسه من إخفاق. وبدلاً من مراجعة ذاته، وصقل موهبته، وتحمُّل الألم المؤقّت الناتج من تمرين النفس، يستسهل القول إنَّ أحدهم دمَّر موهبتي، ويميل إلى الاقتناع بأنّه ضحية، لأنَّ هذا أسهل من الاعتراف بأنَّه دمَّر موهبته بيديه. هكذا يصير الوهم أقرب إليه من الحقيقة وأحبُّ إليه. ولم يتمكَّن يفيموف من رؤية الحقيقة لتغييرها، وتغيير نفسه إلى وضعٍ أفضل يستحقّه بوصفه شخصيةً موهوبةً، وبدلاً من ذلك لجأ إلى الوهم، ورأى نفسه عظيماً وناجحاً، وأنَّ موهبته أثمرت نجاحاً ملموساً، ثمّ أفنى حياته في محاولة إقناع الناس بهذه الصورة التي ليس لها وجود إلّا في رأسه. علَّق يفيموف كلَّ إخفاقاته على زوجته، كما تُعلِّق السلطة الحالية مشكلاتها على الفلول والأقلّيات، ويعلِّق هؤلاء عقدهم الاجتماعية ومشكلاتهم المتراكمة على السلطة الحالية.

وبعد موت زوجة يفيموف في الرواية، كتب دوستويفسكي عن صاحب هذه الموهبة الشقية الفقرة الآتية: “كان يفيموف يريد أن يهرب من محكمة ضميره، ولكنَّه أصبح الآن، بعد موت زوجته، لا يستطيع أن يجد ملجأً يهرب إليه. زال آخرُ أملٍ له، وتبدَّدت آخرُ حجة يمكن أن يتعلَّل بها.. إنَّ تلك التي ضاق بوجودها ذرعاً خلال مدّة طويلة، تلك التي كانت تسمِّم حياتَه، وكان يعتقد أنَّ من حقّه أن يتمنّى موتَها منقذاً له، قد ماتت أخيراً. ها هو ذا الآن حرّ، لا يزعجه أحد، وقد زالت عماوته، وتملَّكه حزن مهلك. أراد أن يحكم على نفسه بقسوة لا ترحم، بقسوة من يحكم حكماً لا تحيّز فيه. كان الجنون يتربّص به منذ سنين. وها هو ذا الآن ينقضّ عليه بغتةً”.

وفي العموم، إنَّ مسيرةَ مفكِّرٍ وكاتب عظيم مثل دوستويفسكي، تعرَّض لتجربة الإعدام وعُفي عنه في آخر لحظة، تضع أمامنا مجموعةً من الأسئلة المهمّة صاغها هذا الكاتب الرائع في رواياتٍ مختلفة، وتبدو جميعها أسئلةً سوريةً مُلحَّةً وراهنةً بحقّ. ففي رواية “الفقراء” يسأل: ماذا يفعل المجتمع بالإنسان الضعيف؟ وكيف يحافظ المُهان على كرامته عندما لا يمتلك شيئاً سواها؟ وفي رواية “الشبيه” يسأل: ماذا يفعل الإنسان بنفسه عندما تنقسم ذاته؟ وهل يحتمل المرء ظهور “آخر” يمثّل ما يخيفه أو ما يكبته في نفسه؟ وفي “الليالي البيضاء” يسأل: ماذا يحدث عندما يصبح الخيال بديلاً من الحياة؟ هل يمكن أن نعيش الحلم بدلاً من أن نعيش الواقع لتحقيق الحلم؟ وفي رائعته “الجريمة والعقاب” يسأل: هل يحقّ للإنسان أن يتجاوز الأخلاق إذا أقنع نفسه بأنّه إنسانٌ استثنائي، وأباح لنفسه اقتراف الجريمة ليكون استثنائياً وقادراً على تغيير التاريخ؟ وهل تستطيع الفكرة أن تسوِّغ الجريمة، أم أنّ الضمير يعرف الذنب الذي يحاول العقل إنكاره؟ وهل يمكن أن يضع البشر أنفسهم فوق الخير والشرّ ما إن يفكّروا في ذواتهم بأنّهم غير عاديين؟ وفي رواية “الشياطين” يسأل: ماذا يحدث عندما تتحوّل الفكرة السياسية إلى عقيدة مطلقة؟ وماذا يحدث للمجتمع الذي يقدّس فكرةً تصبح أهم من الإنسان؟ وكيف ينتهي الإنسان الذي يريد تحرير البشر إلى تسويغ قتلهم؟ وفي “المراهق” يسأل: هل الرغبة في المال والقوّة والاستقلال تعبيرٌ من تعبيرات الحرّية؟ أم إنّها محاولة لتعويض جرحٍ داخلي غائر؟ ويصل هذا الكاتب العظيم مع “الأخوين كارامازوف” إلى قمّة أسئلته الرائعة؛ فيسأل إيفان: كيف نقبل عالماً يسمح بتعذيب طفلٍ؟ ويسأل ديمتري: هل من الممكن أن يكون أحدنا مذنباً أخلاقياً حتّى عندما لا يكون مذنباً جنائياً؟ ويسأل أليوشا: هل يمكن للحبّ أن يكون جواباً عن سؤال الشرّ؟ ويطرح سمردياكوف السؤال الأكثر إدهاشاً ورعباً: ماذا يحدث عندما يتبنّى أحدهم فكرةً فلسفيةً أو عقائديةً قالها شخصٌ آخر ويحوِّلها إلى فعل؟ ويمكن أن نفكِّر كثيراً في هذه الأسئلة اليوم، لأنَّ الواقع السوري الراهن يحمل إجابات مهمّة، وهي إجابات نافعة.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: أيّ أبعاد للقاء بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”؟
التالي: بعد حل “قسد”… اختبار مصير الأحزاب الكردية في سورية

قصص ذات صلة

image-1759600985.jpg
  • مقالات رأي

إنذار حمله “وفد مكة” إلى طهران: ماذا بعد انتخابات إسرائيل؟

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

في شفافية الذات أمام ذاتها

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

جيل Z ودورة الغضب في العالم… ماذا عن سورية؟

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • وزير دفاع إيران الجديد.. “جنرال الظل” في مهمة عاجلة
  • بداوة الشعر وقوة الوجدان عند ابن هذال
  • إنذار حمله “وفد مكة” إلى طهران: ماذا بعد انتخابات إسرائيل؟
  • مقترح قطري جديد لطهران.. وترامب يلوح بمزيد من الضربات
  • في شفافية الذات أمام ذاتها

لربما فاتك

  • الأخبار

وزير دفاع إيران الجديد.. “جنرال الظل” في مهمة عاجلة

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

بداوة الشعر وقوة الوجدان عند ابن هذال

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
image-1759600985.jpg
  • مقالات رأي

إنذار حمله “وفد مكة” إلى طهران: ماذا بعد انتخابات إسرائيل؟

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • الأخبار

مقترح قطري جديد لطهران.. وترامب يلوح بمزيد من الضربات

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.