بدت الطائفية السورية كأنها بلغت مستوىً غير مسبوق مع حملة تدعو إلى مقاطعة شاملة للعلويين، وهذا ما ينسحب ضمناً على “أقليات” أخرى، في مقدمتها الدروز. الصفحة التي أُطلقت لهذا الغرض لم تأتِ منعزلة عن سياق شارك فيه شيوخ من على منابر الجوامع، وأفتى بعضهم بالمقاطعة وصولاً إلى ما ليس فيه أي نص سوى المتداول عن ابن تيمية من قبيل عدم جواز الزواج من العلويات، ولم يتعرض أحد للمساءلة حتى مع صدور الخطاب الطائفي من منابر الجوامع التي تتبع وزارة الأوقاف.
لكننا، على الرغم من المستوى الجديد المتدّني، نزعم أنه لا جديد ضمن الخطاب الطائفي المضاد للعلويين، باستثناء استحضاره أحياناً أو الالتهاء عنه بموضوع آخر أحياناً أخرى. أي إن الطائفيين لم يطوّروا أدواتهم، خصوصاً إذا كانوا يبتغون مواجهة مشكلة قائمة حقاً كما يدّعي البعض. فإذا كان الكلام ذاته لم يساهم في حل المشكلة من قبل، فالمتوقع ألا يساهم في حلها من جديد، والنزاهة الفكرية تقتضي البحث عن كلام آخر، لا محاولة فرض الكلام نفسه بخبث وكأنه الحقيقة التي يجب على الجميع الإقرار بها؛ شاؤوا أم أبوا!
من خبث الكلام عن الطائفية وأصحابه أنهم يتجاهلون عمداً الوعاء الأوسع لها، وهي العصبية. فالأكيد أن سوريا فيها ما يكفي من العصبيات الطائفية والقومية والمناطقية… وهذه جميعاً فاعلة في الفضاء السورية العام. الأهم أن فهم تركيبة نظام الأسد غير ممكن من دون فهم العصبيات حتى ضمن (الجماعة) العلوية نفسها، ونستخدم تعبير الجماعة تجاوزاً من دون تبنّيه. فالعلويون مثل أية جماعة مذهبية أو إثنية أخرى ليسوا مجموعة ذات مصالح واحدة متّفق عليها. وهرمية نظام الأسد تبدأ من حكم العائلة في رأس الهرم، ثم في مستويات أدنى منه نفوذُ بعض العائلات العلوية التي ترتبط غالباً بصلات قرابة مع العائلة الأولى.
فاعلية نظام القرابات، والعصبية الناجمة عنه، ليست طائفية بالضرورة، أو ليست كذلك دائماً. فالعصبية فاعلة مناطقياً أيضاً، وبالتوازي مع صلات القرابة المنتشرة في مناطق معينة. على سبيل المثال، كانت النواة الصلبة للبعثيين وللمخبرين في مدينة حلب من غير أهلها، والذين عاشوا أجواء المدينة يعلمون أن الحضور العلَويّ فيها محدود جداً، ولا أثر معتبراً له، بخلاف تلك المجموعات السنية التي تنتمي إلى مناطق بعينها لا نودّ ذكرها تحاشياً للتعميم والتنميط المطلق كما يفعل الطائفيون.
في مدينة حلب أيضاً، كان قادة أفرع المخابرات في عقد الثمانينات الأسود من السنّة، ومن الكذب الصريح أن يزعم أيٌّ كان أن هؤلاء الذين نكّلوا بالمدينة كانوا مضطرين بناء على أوامر عليا من علويين. فأسماء ضباط مخابرات مثل مصطفى التاجر وعمر حميدة وغيرهما تشير إلى شركاء حقيقيين، ولو من المستوى المتوسط، وهؤلاء لم يكونوا شركاء نفوذ فقط، بل شركاء التفنن في التنكيل بالسوريين. وعلى صعيد متصل، كان جلادو سجن تدمر بمعظمهم سُنّة من منطقة سورية بعينها، ولم يكونوا أرأف من غيرهم بأحوال المعتقلين، بل يسهل الاستدلال من خلال مذكرات معتقلين بأن هؤلاء الجلادين كانوا يتبرعون بمزيد من التفنن أثناء تنكيلهم بالسجناء.
لم تقتصر العصبية على أمثلة لصيقة بالسلطة، فبعض الأحزاب المناوئة لها غزتها العصبيات المناطقية وغيرها، بما فيها الحزب السُنّي الأكبر “الإخوان المسلمين” الذي تصارعت فيه تيارات مناطقية أبرزها جماعة حماة وجماعة حلب والشام. وإذا عدنا إلى السلطة فمما يتندّر به السوريون العارفون أن وزارة الاتصالات شهدت توظيفاً من لون حزبي متحالف مع الأسد، لأن هذه الوزارة بقيت لسنوات من حصة ذلك التنظيم. تكتمل الطرافة بأن السوريين كانوا آنذاك يدفعون رشوة لإكساب اكتتابهم على خط تلفوني صفة الاستعجال، والمبلغ نفسه بقي يُدفع أيام الحزب المذكور، لكن بوصفه تبرعاً للحزب!
في المثال السابق تعاطى الحزب العلماني كطائفة، أو كعشيرة. وفي الحديث عن العصبية لا بد من ذكر العشائر، وقد كانت العشائر في مناطق انتشارها من ركائز حكم الأسد. والانتقاص من تحالفها معه، بذريعة التحالف مع من بعده، مثل داعش في بعض المناطق، وصولاً إلى التحالف مع السلطة الجديدة.. هذا لا ينتقص من أثر العصبية، بقدر ما يشير إلى وجودها وإلى العزم على الاستثمار فيها، وقد رأى وسمع السوريون ثناءً على مشاركة العشائر في مجزرة السويداء، ولم يستنكر الطائفيون وجود هذه العصبية. على أقل تقدير، من النزاهة الفكرية لمن يزعم رفض الطائفية أن يرفض هذه العصبية، وأن يرفض الاستثمار فيها، وأن يرفض كلياً منطق الفزعات، لكن كما نعلم فإن هذا لا يحدث، والانتقائية في الكلام عن العصبية توضّح ما فيها من خبث.
الراضون عن العشائر، من أصحاب الزجل الطائفي ضد العلويين وغيرهم، يتجاهلون بالمطلق ما تنشره صحف عالمية كبرى حول بنية السلطة الجديدة، حيث تتربع عائلات محددة في قمة الهرم، منها ما صار معروفاً بانتمائه المناطقي، مثل بنّش وحلفايا، وهي عائلات ذات نفوذ من ضمن السلطة السُنّية الحاكمة، السلطة لا تخفي سنّيّتها منذ اليوم الأول، ومناصروها من أصحاب الزجل الطائفي يرون ذلك طبيعياً جداً بذريعة أن الأكثرية العددية في البلد هي من المذهب السنّي، وبما يكفي للجزم بأن مشكلتهم ليست مع الطائفية نفسها.
في بلد تتغلب فيه العصبيات، وتغيب المواطنة بقرار سلطوي، كان مفهوماً أيضاً أن تنتعش الطائفية لدى كثر ممن يبحثون عن الانتماء إلى مجموعة، إلى “نحن”. هذا ينسحب على السوريين الذين حُرموا من تحقيق وجودهم الجمعي ضمن جماعات سياسية حديثة، فقد كانت الأحزاب والنقابات المستقلة ممنوعة إلى حدّ نسيت فيه أجيال من السوريين ما يعنيه الحزب وما تعنيه النقابة. لكن انتعاش الطائفية هنا وهناك لم يُترجم بمأسسة طائفية، تحديداً لدى العلويين والسنّة، وهذا ما يجعل الكثير من الكلام عن طائفة علوية (أو سنية طبعاً) خارج الواقع، ومن ذلك مطالبة العلويين بالاعتذار عن جرائم الأسد، وهي مطالبة لا تستقيم شكلاً بسبب عدم وجود تمثيل طائفي معترف به لدى العلويين، أما تصوّر أن يقدم كل علوي الاعتذار ففيه من اللاواقعية والسفاهة ما يغني عن الرد؛ إنه بالأحرى طلب تعجيزي.
الذين يطالبون بالاعتذار يبدو همهم الوحيد أن يعتذر أبرياء العلويين، ليكون اعتذارهم إقراراً بالذنب ما دامَ لا يمكن تجريمهم في المحاكم. فهم لا يضعون الاعتذار الذي يطلبونه حتى ضمن سياق متكامل، فيه عمل على إرساء العدالة الانتقالية من خلال قضاء نزيه موثوق به على نطاق واسع، وفيه أيضاً مشروع جاد للمصالحة. جدير بالانتباه أن السياق المذكور لا يستقيم من دون النظر في الأحوال الأخرى، ومنها الاقتصاد وعملية الانتقال السياسي. مثلاً، لا يستقيم الكلام الجاد في الطائفية مع تجاهل عمليات المصالحة بين السلطة الجديدة وحيتان الفساد أيام الأسد من السُنّة، في حين يُشاع كلام شعبوي عن علويين أفقروا الاقتصاد برواتب تقاضوها من مؤسسات حكومية هي بالأحرى أدنى من تعويضات بطالة ضمن مؤسسات تدير البطالة المقنَّعة، ولا تُقارن حصيلتها بمليارات الدولارات التي لدى حيتان الفساد المذكورين أو أشباههم من أي مذهب كانوا.
ليس جديداً أن يرفض الطائفيون الكلام عن “الأسدية”، وأن يراه بعضهم تلطيفاً للواقع الطائفي لنظام الأسد، وليس جديداً أيضاً أن يكون أصحاب الرفض أسديين في الماضي أو الحاضر، لذا يتهرّبون من استحقاق مواجهتها. والحق أنها صيغة مبتذلة معرفياً تلك التي تنص على حكم طائفة صغيرة للبلد خلال ما يزيد عن خمسة عقود، وكأن سلطة الأسد كانت حقاً قادرة على البقاء طائفياً، من دون مساهمة كبيرة من السوريين بمختلف جماعاتهم المذهبية. ومن المبتذل أن يؤخذ هذا الكلام على محمل تبرئة الأسد أو العلويين، فلا يُنظر إلى ما ينطوي عليه من تحميل المسؤولية لأولئك الذين كانوا شركاء فيها، فتجريم العلويين فقط، وتبرئة الآخرين، هو سلوك طائفي لا مشكلة لأصحابه مع الجريمة بذاتها بل مع المجرم.
والكلام عن تقاسم المسؤوليات، بصرف النظر عن النسب، لا يهدف أيضاً إلى زيادة عدد المجرَّمين، فالغاية هي التخلص من إرث الأسدية أينما وجِد، وكائناً من يكون المساهمَ فيه. أول خطى التخلص من الأسدية هي رؤية الحقيقة كاملة بلا انتقائية. المطالبة بالحقيقة كلها، ولكل السوريين، هي بمثابة المحكّ الحقيقي للذين يريدون سوريا بلا أسدية، والذين يملكون شجاعة مواجهة الحقيقة، ومواجهة أن الأسدية في جانب مهم منها ليست مسؤولية جماعية للعلويين، بل مسؤولية جماعية للسوريين، تقتضي منهم التكفير عنها بمحاكمتها كاملة على نية عدم تكرارها ومنع بروز أسديين جدد.
إن زعم امتلاك الحقيقة الطائفية من قبَل طائفيين ليس الآن سوى استكمال رمزي للسيطرة على السلطة، وأصحاب هذا الزجل الطائفي يتصرفون على أن الحقيقة المطلقة في جيبهم، وليست موزّعة على عموم السوريين، بمن فيهم على الأقل معارضون علويون لنظام الأسد يُفترض الإصغاء إليهم وإلى خبراتهم بمحيطهم الاجتماعي. محاولة الطائفيين فرضَ حقيقتهم لا تختلف في جوهرها عن زعم نظام الأسد احتكار الحقيقة، أما التلطّي وراء الأكثرية المذهبية، وتبرئة المتورّطين منها، فلا تنطوي إلا على خبث يهدف إلى جعلها طائفة تخدم فئة تحتكر تمثيلها.
لا شكّ في أن الهيجان الطائفي والزجل المرافق له لا يقتصران فقط على خبثاء يسعون إلى التكسّب منهما، فسوريا بلد مأزوم، ومن الطبيعي أن يرافق أزماته وعيٌ مأزوم أيضاً. اجترار الزجل الطائفي من حين لآخر لا يشير فقط إلى أزمة لا تجد حلاً، وإنما يشير أكثر إلى وعي مأزوم لا يتقدم في اتجاه التشافي، ويرفض الخبثاء المستفيدون منه وضعَ خريطة طريق واقعية في اتجاه التشافي مع أقرانهم من السوريين، ولديهم ما يكفي من “الجرأة” ليعتبروا ما يقولونه هو الواقع. في الزجل الطائفي السوري تختلط الأسئلة والإجابات، الخبيثة منها والغبية، ليبقى التعويل على تشافي أصحاب الثانية منهما.