ملخص
على رغم جهود الصين الحثيثة لتصبح قوة إبداعية رائدة في هذا القرن، والتنافس المستمر من شركاتها مثل “هواوي” وغيرها، فإن الواقع يشير بالفعل إلى أن بكين اعتمدت إلى درجة كبيرة على تقليد منجزات الغرب في نهضتها الصناعية والعلمية.
تعتبر الصين مركزاً عالمياً لتصنيع السلع المقلدة بجميع أنواعها، إذ يوجد فيها منتجات مطابقة تماماً لتلك الموجودة في الدول الغربية وبأسعار زهيدة، وبينما تفتقر بعض هذه المنتجات إلى الجودة والمتانة، فإن بعضها الآخر يحقق نجاحاً باهراً، مما يدفع الناس إلى شرائها بدلاً من المنتجات الأصلية
ويرى كثر في هذا الأمر ميزة، إذ تتيح لهم المنتجات الصينية تجربة السلع الفاخرة بأسعار أقل، لكن في الواقع، تشكل هذه الظاهرة ثغرة كبيرة، وتلحق خسائر فادحة بالمبدعين الذين بذلوا جهداً كبيراً في ابتكار المنتجات الأصلية. وتستطيع الصين اليوم تقليد كل شيء بدقة متناهية، من الهواتف المحمولة، والساعات والمجوهرات، وصولاً إلى الملابس ذات العلامات التجارية، وغيرها كثير. ولا يقتصر عمل هذه الصناعة على الأسواق الخارجية فحسب، بل يستفيد السكان المحليون أيضاً من وفرة المنتجات التي تنتجها هذه الصناعة بأسعار زهيدة.
وعلى رغم جهود الصين الحثيثة لتصبح قوة إبداعية رائدة في هذا القرن، والتنافس المستمر من شركاتها مثل “هواوي” وغيرها، فإن الواقع يشير بالفعل إلى أن بكين اعتمدت إلى درجة كبيرة على تقليد منجزات الغرب في نهضتها الصناعية والعلمية، وأن التقليد لا يزال وسيلة مربحة وفعالة لتحقيق الربح، ففي بلد يشهد تغيرات متسارعة، لا توجد طريقة أفضل وأرخص لمواكبة الركب وتقليص الفوارق الاقتصادية والتكنولوجية من تقليد الشركات الغربية الرائدة.
التقليد في الثقافة الصينية
لم يكن التقليد في الثقافة الصينية يوماً مجرّماً أو مستنكراً أو ينظر إليه على أنه نقص في الموهبة على الإطلاق. وفي الواقع، دائماً ما كانت طريقة التعلم الصينية تتجلى بالتكرار، أي إعادة إنتاج عمل المعلم وتعاليمه بدقة.
ويعد تقليد أي شيء في الصين بمثابة تعبير عن الاحترام للمؤلف أو المخترع، ذلك لأن التقليد أو محاولة محاكاته بأقرب صورة ممكنة لا يزال يعتبر أفضل طريقة للتعلم، وأسلوباً مقبولاً للدراسة، وهناك فلسفة صينية تقول “إذا استطعت تقليد الأفضل، فهذا يعني أنني بمثل كفاءته، وإذا استطعت صنع حقائب يد من ماركة برادا، فهذا يعني أنني بمثل كفاءة شركة برادا، وإذا كنت بمثل كفاءة برادا، فأنا برادا”.
وأفضل مثال على هذه الثقافة هو فن الخط الصيني، فتقليدياً، كانت دراسة الخط وممارسته تعتمد على نسخ روائع الخطاطين المشهورين، ومن ثم كان يتم تعليمها من خلال النسخ الدقيق والمتواصل حتى تصبح حركة اليد تلقائية والنسخة مثالية، وأي انحراف أو اختلاف شخصي عن النموذج كان يعتبر فشلاً للطالب، ومن ثم يُرفض.
ويمكننا القول إن النظام التعليمي في المدارس الصينية مماثل، فالنسخ والتكرار هو الطريقة المثلى لاجتياز الاختبارات، بخاصة اختبار القبول الجامعي (الغاوكاو)، لذا، بعد إتمام الطالب الصيني دراسته، من المفهوم أن تبقى هذه العقلية راسخة في ذهنه طوال مسيرته المهنية.
ولا شك أيضاً أن الربح السهل هو الدافع الرئيس لهذه الثقافة، فمن خلال تقليد العلامات التجارية الناجحة ذات المنتجات المعروفة والمثبتة، تقلل الشركات الصينية من كلف البحث والتطوير والمواد، وتبيع المنتج لسوق لا يستطيع التمييز بين منتجات متشابهة في الشكل واسمها شبيه بالماركات العالمية.
وتكمن براعة المصنعين الصينيين في استلهام العناصر الأساسية من منتجات العلامات التجارية الكبرى، ودمجها بنجاح في منتجات جديدة وأسعار تنافسية، فمثلاً يبلغ سعر حذاء “تريبل أس” من دار الأزياء الإسبانية “بالنسياغا” 795 دولاراً فيما يبلغ سعر النسخة الصينية المقلدة منه 85 فقط، أي أقل من سعر النسخة الأصلية بست مرات. ولا يقتصر الأمر على الأحذية بطبيعة الحال، بل تمكن الصينيون أيضاً من نسخ البرامج التلفزيونية، والأجهزة الإلكترونية، والأفكار الفنية الإبداعية، وحتى المفاهيم المعمارية.
لماذا يلجأ الصينيون إلى التقليد بكثرة؟
على مدى عقود، اعتمد النمو الاقتصادي في الصين بصورة كبيرة على التصنيع المنخفض الكلفة، ورأت الشركات الصينية فرصاً في إنتاج نسخ بأسعار معقولة من المنتجات الشائعة للعلامات التجارية الأجنبية، وهي استراتيجية عززت اقتصادها وشجعت الابتكار الصناعي المحلي.
وشجعت الصين الشركات الأجنبية على إنشاء عمليات لها داخل حدودها، وغالباً ما اشترطت عليها تبادل التكنولوجيا والمعرفة. أتاح ذلك للشركات المحلية تعلم تقنيات متقدمة واكتساب الخبرة، التي طبقتها لاحقاً على منتجاتها، مستلهمةً أحياناً بصورة مباشرة من تصاميم أو أفكار موجودة.
وتشهد السوق الصينية طلباً متزايداً على المنتجات ذات الأسعار المعقولة، مما يدفع المصنعين إلى تقديم بدائل أقل كلفة. وفي ظل المنافسة السعرية، تجد كثير من الشركات أن تقليد الأفكار الرائجة وسيلة سريعة وفعالة لجذب المستهلكين، لا سيما في سوق ضخمة كالصين. وفي السابق استفادت شركات مثل “هواوي” و”شاومي” و”دي جيه آي” من الأفكار الغربية، لكنها سرعان ما استثمرت في البحث والتطوير، محققةً ابتكاراتها الخاصة ومكتسبةً ميزة تنافسية في السوق العالمية.
وقد أتقنت الشركات الصينية سرعة وكفاءة التصنيع، مما سمح لها بإطلاق منتجات مشابهة للمنتجات الأصلية في فترات زمنية قصيرة جداً. وهذا، إلى جانب سهولة الوصول إلى المواد الخام وانخفاض كلف الإنتاج، يمنحها ميزة في تلبية الطلب العالمي على منتجات معينة بسرعة.
أما في ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية فقد تطورت المواقف تجاه الملكية الفكرية بوتيرة مختلفة في الصين والغرب. وحتى بضعة عقود مضت، كانت قوانين الملكية الفكرية في الصين أقل صرامة وأقل تركيزاً على حماية حصرية العلامات التجارية أو المنتجات. وعلى رغم التحسين الكبير الذي شهدته قوانين الملكية الفكرية في الصين خلال الأعوام الأخيرة، فلا تزال عقلية “التقليد والتطوير” سائدة في بعض القطاعات.
نسخ تقنيات الذكاء الاصطناعي
يزعم مسؤولون أميركيون وشركات تقنية كبرى أن جهات صينية قامت بنسخ واستخراج المعرفة من نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة على نطاق واسع. ويحذر مسؤولون حكوميون أميركيون وشركات مثل “غوغل” و “أوبن إي أي” من أن المختبرات الصينية تستخدم “التقطير العدائي”، ويتضمن ذلك إغراق النماذج الأميركية ببيانات وتسجيل مخرجاتها لتدريب نسخ أصغر وأرخص، وهي في الأساس نسخ طبق الأصل.
ورداً على تكبدها خسائر بمليارات الدولارات بسبب النماذج المستنسخة، شكلت شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة المنافسة تحالفاً لتتبع الحسابات المزيفة، وتبادل معلومات التهديدات، ومنع استخراج البيانات غير المصرح به. وأصدرت وكالات أميركية برقيات دبلوماسية تحذر الحكومات الأجنبية من أن هذه النماذج المنسوخة غالباً ما تفتقر إلى ضوابط الأمان الصارمة وميزات الرقابة المدمجة في النماذج الأميركية الأصلية.
وعلى رغم القيود الأميركية الصارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة، تمكنت المختبرات الصينية من الحصول على أجهزة واستخدام تقنيات تدريب فعالة للحاق بالركب مع القدرات الغربية. مع ذلك، برزت الصين أيضاً كمبتكر رئيس في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تخرّج البلاد أعداداً هائلة من طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتسجل براءات اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر من أية دولة أخرى، مما يدفع بعض المحللين إلى اعتبار الصين في مرحلة انتقالية من كونها “مقلدة سريعة” إلى مبتكرة عالمية موازية.
كيف تفلت الصين من العقاب؟
يُعرف انتهاك حقوق الملكية الفكرية، أو القرصنة، بأنه استخدام أعمال محمية بموجب قانون حقوق الملكية الفكرية من دون الحصول على إذن من مبدعيها. بعد قراءة ما سلف، قد يتبادر إلى ذهنك السؤال البديهي “كيف تفلت الصين من العقاب إذاً؟”، قد تعتقد أن قوانين حقوق الملكية الفكرية غير مجدية أو أنها لا تنطبق على الناس في بلدان أخرى، لكن هذا صحيح جزئياً فحسب، إذ يمكن للشركات مقاضاة المصنعين الذين ينسخون أياً من موادها المحمية بحقوق الملكية الفكرية من دون إذن مسبق، لكنها لا تفعل ذلك مع الصين، فما السبب يا ترى؟
يتمكن المصنعون الصينيون من الإفلات من معظم قضايا انتهاك الملكية الفكرية بفضل نظامهم القانوني. لنفترض أنك اكتشفت أن عملك المسجل باسمك قد نُسخ من قبل شخص ما من دون إذنك، فأول ما عليك فعله هو الاتصال به، وإذا لم يستجب، فعليك الاتصال بمحامٍ محلي، وتقديم شكوى ضده، وسيصدر حكم قضائي لصالحك، إذ يُنظر في معظم قضايا انتهاك الملكية الفكرية في المحاكم الموجودة في بلد الإقامة. وفي حال الصين، وبما أن قوانين للملكية الفكرية لا تُنفذ إلا من قبل المحاكم الصينية، فغالباً ما يجعل النظام القانوني المحلي من الصعب على الشركات الأجنبية الحصول على تعويضات كبيرة.
إذاً فالفرصة الوحيدة للحصول على أموال منهم ومقاضاتهم هي باللجوء إلى المحاكم المحلية في الصين، لذا سيتوجب عليك السفر إلى الصين، والبحث عن محام محلي، ورفع دعوى قضائية، وإنفاق مبالغ طائلة، والانتظار لإجراءات قضائية مطولة لا طائل منها، وهي مضيعة للوقت والمال.
وتجدر الإشارة هنا بأن النسخ من دول أخرى ليس بالأمر اليسير كما يتصوره البعض، ذلك أن الطرف المقلد بحاجة إلى خبرة، وموارد، وتفكير عميق، والأهم من ذلك كله، شجاعة كبيرة. والابتكار يعني نسخ الأشياء مع إضافة لمسة مميزة، ولا أحد يتقن إضافة هذه اللمسة أفضل من الصين.
كيف يبرر المسؤولون الصينيون ذلك أخلاقياً؟
كل ما ذكرناه آنفاً يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت الأحكام الأخلاقية ذات قيمة في تقييم تجارب الدول والشعوب، وفي الحالة الصينية لا يعير المسؤولون فيها أي أهمية للانتقادات الغربية حول أخلاقية سياسة التقليد، لا بل يعتبرون أن ما يجري لا يحمل في طياته أية مشكلة أخلاقية، إذ ينفي الموقف الرسمي للصين وجود سرقة للملكية الفكرية برعاية الدولة، ويصور بدلاً من ذلك التساهل التاريخي في تطبيق القوانين والتكيف التجاري السريع كاستراتيجية تنموية عملية، واختلافات ثقافية في التعلم، وتطور طبيعي للمنافسة العالمية في السوق الحرة.
وينظر الاستراتيجيون الحكوميون في الصين إلى “التقليد والتحسين” (التقليد السريع) كنموذج تصنيع سريع وفعال استخدمته سابقاً دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يسمح للشركات المحلية ببناء قاعدة تصنيعية وتكنولوجية ضخمة قبل الانتقال إلى البحث والتطوير الأصلي. وتختلف الجذور الفلسفية للتقليد في المجتمع الصيني اختلافاً كبيراً عن المثل الغربية للأصالة المطلقة، وتأثراً بالكونفوشيوسية، يُنظر تاريخياً إلى محاكاة عمل فني بارز على أنها علامة احترام ووسيلة لإتقان مهارة أو تخصص.
وتؤكد بكين أنها أنشأت إطاراً قانونياً شاملاً للملكية الفكرية يتماشى مع الاتفاقات الدولية مثل اتفاق “جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة”، وتجادل بأن حالات فشل الإنفاذ هي مشكلات محلية وليست سياسة حكومية مركزية.
