كيف يعيد الأكراد صياغة مستقبل المنطقة؟
يقول الشاعر شيركو بيكس: لو انتزعتُم الورد من قصائدي.. لمات من شعري فصلٌ واحد. ولو أقصيتُم الحب.. لمات فصلان. ولو استبعدتُم الخبز.. لماتت ثلاثة فصول. أما إذا نزعتُم الحرية.. فستذبل الفصول الأربعة. بهذا النبض الوجودي، يختصر الكرد مأساتهم وقوتهم في آن واحد، ففي إقليم تتلاطم فيه أمواج القوميات، يرفض الكردي هدوء القيد، تماما كما يصور بيكس في “مد العاصفة” غضب الموج كونه انحيازا لحرية الأسماك ضد الشبكة.
لقد ظل الشرق الأوسط لعقود طويلة محكوما بمعادلة “المثلث” التقليدي الذي يربط بين المركز العربي والمحيط (الإيراني والتركي)، وهو مثلثٌ سادته حالة من التصادم المستمر بفعل صراع الهويات والمشاريع المتضاربة. لكنّ هذا المشهد الجيوسياسي يشهد اليوم تحولا جذريا، إذ برزت الهوية الكردية كقوة عسكرية وسياسية وازنة، خاصة في الشام والعراق، مما فرض تحويل ذلك المثلث إلى مربع ذهبي للقوميات الكبرى.
إن القومية الكردية لا تمثل مجرد أقلية عرقية مبعثرة بين خرائط تركيا وإيران والعراق وسوريا، بل هي “أمة بلا دولة” مكتملة الأركان الهوياتية، تمثل العمود الرابع والأكثر إثارة للجدل في هيكل المنطقة المعاصر. ففي الوقت الذي تتميز فيه القوميات الثلاث الأخرى بامتلاكها كيانات سياسية مركزية وتقاليد دولية راسخة، يعيد الأكراد تعريف مفهوم “القومية العابرة للحدود”، مستندين إلى جغرافيا متصلة ومتجذرة تُعرف بـ “كردستان”، وهي جغرافيا لا تعترف بتعرجات الحدود التي رسمتها المصالح الدولية بقدر اعترافها بروابط الدم واللغة والجبل.
لقد تجاوز الأكراد بوضوح توصيفهم الكلاسيكي كـ”أقلية” داخل الدول، ليصبحوا متغيرا استراتيجيا عابرا للحدود، يمتلك القدرة الفريدة على موازنة القوى الإقليمية أو تفجيرها من الداخل. وفي إقليم يميل بطبعه إلى رفض الحدود الثقافية واللغوية إذا ما اصطدمت بصلابة الخرائط السياسية والمصالح السيادية، يضع الأكراد مفهوم الدولة الوطنية والسيادة أمام اختبار أخلاقي واستراتيجي غير مسبوق.
إن فهم “المسألة الكردية” في هذا السياق يتجاوز مجرد سردية المطالب الحقوقية التقليدية، إذ يتطلب الأمر النظر إليها كمرآة جيوسياسية كاشفة تعكس حدود القوميات المحيطة ومآلات مشاريعها السياسية الكبرى. فهي النقطة الحرجة التي يتقاطع عندها العرق باللغة، والجغرافيا بالهوية، في صراع وجودي مستدام لا يهدأ.
صراع الجذر والشتات : مأزق الهوية بين أربع دول
لا يقل صراع الهوية الكردية تعقيداً عن صراعات المنطقة الكبرى؛ فهو يتقاطع مع الهوية المركبة في إيران، حيث يتجاذب المجتمع صراع بين إرث القومية الفارسية والهوية الإسلامية الشيعية المفروضة رسميا، كما يشتبك مع صراع الروحين في تركيا، حيث تنقسم الذات التركية بين الكمالية العلمانية التي تحاول إحياء ماض تركي قديم، وبين العثمانية الجديدة الساعية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية. وفي هذا القرن الجديد، يجد نحو 30-45 مليون كردي أنفسهم موزعين بين أربع بيئات قانونية وسياسية متباينة، تفرض عليهم أنماطاً مختلفة من الوجود وسط هذه التجاذبات القومية والأيديولوجية العنيفة.
هذا المأزق الوجودي يفصله ديفيد مكدول في كتابه (التاريخ الحديث للأكراد)، حيث يحلل كيف تضافرت اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتحديداً التراجع عن وعود “معاهدة سيفر” واستبدالها بـ “معاهدة لوزان”، في خلق مأزق الشتات الكردي ووأد حلم الدولة المستقلة لصالح خرائط القوى المنتصرة.
وفي مقابل هذا الشتات، نجح أكراد العراق (جنوب كردستان) في العبور نحو مأسسة الحكم الذاتي وتحويله إلى واقع قانوني صلب، إذ يبرز الدستور العراقي لعام 2005، لا سيما في مواده 116-121 كأهم وثيقة قانونية في المنطقة منحت الأكراد حكما فيدراليا صريحا حظي باعتراف دولي واسع، مكرسة حقهم الأصيل في إدارة شؤونهم التشريعية والتنفيذية، مع الحفاظ على حضور سيادي في المركز عبر شغل منصب رئاسة الجمهورية في بغداد.
يؤصل كتاب الزعيم مسعود بارزاني (بارزاني والحركة التحررية الكردية) لهذا المسار، موثقا مراحل النضال القومي التقليدي والمحافظ الساعي لانتزاع الاعتراف بالحقوق القومية وصولا إلى الصيغة الفيدرالية الحالية. وهي رؤية استراتيجية استندت بوضوح إلى بناء مؤسسات سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض، متمسكةً بأدبيات الدولة القومية الكلاسيكية كإطار وحيد لضمان الوجود والشرعية.
وعلى النقيض من ذلك، لا يزال أكراد تركيا (شمال كردستان) يمثلون الكتلة الأكبر التي تعيش مخاضا مريرا يراوح بين التمثيل البرلماني والنزاع المسلح التاريخي. وفي المقابل، برزت في سوريا (غرب كردستان) تجربة الإدارة الذاتية كأمر واقع فرضته التحولات العاصفة لما بعد عام 2011، حيث يبرز ميثاق العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية كوثيقة تأسيسية ودستورية صاغت ملامح هذه التجربة، محولة أفكار عبد الله أوجلان في كتابه (مانيفستو الحضارة الديمقراطية) من طروحات نظرية إلى واقع سياسي ومؤسساتي معاش. وهنا يتجلى التباين الجوهري الذي يؤصله فكر أوجلان، إذ يطرح مفهوم “الكونفيدرالية الديمقراطية” كبديل راديكالي وبنيوي لمفهوم الدولة القومية التقليدي، وهو ما دفع التجربة السورية نحو تبني الإدارة المجتمعية اللامركزية ومحاولة تجاوز ضيق الحدود القومية نحو فضاءات “الأمة الديمقراطية”
ورغم هذا التأصيل الفكري والميداني، تعيش التجربة الكردية في سوريا (روجا آفا) أدق مراحل “تثبيت الوجود”، حيث ترزح طموحاتها الإدارية بين مطرقة الرفض الصارم في دمشق وسندان التوجس الإقليمي العابر للحدود. وتتجلى هذه الهشاشة في المشهد المعقد الذي يربط بين أنقرة وواشنطن، فبينما يلوح أردوغان بعمليات عسكرية تهدف لتفكيك هذا الكيان قبل مأسسته، تبرز لغة براغماتية يقودها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (مظلوم عبدي) في محاولة للتعامل مع السياسة الأمريكية تحت إدارة ترامب التي لا تحبذ لغة حماية الأقليات. هذا السباق مع الزمن لا يهدف فقط للحماية العسكرية، بل لانتزاع اعتراف سياسي يقي التجربة خطر التحول إلى ورقة مقايضة في الصفقات الكبرى بين القوى العظمى.
وبالتوازي مع قلق الغرب، يواجه أكراد إيران (روجهلات) في الشرق تهميشاً مزدوجا يجمع بين الإقصاء العرقي والنمط الثيوقراطي للدولة، مما يحول حلمهم القومي إلى هاجس أمني مزمن في أروقة صنع القرار في طهران، خاصة في ظل تصاعد الحركات الاحتجاجية التي غالبا ما يكون الطرف الكردي وقودها ومنطلقها.
هذا التشتت الجيوسياسي لم يبقَ حبيس السياسة، بل تسلل إلى بنية الهوية ذاتها. ويمكن فهم هذا التداخل بعمق من خلال تحليل مارتن فان بروينسن في كتابه العمدة “الآغا والشيخ والدولة”، حيث يبين بروينسن كيف اصطدم الوعي القومي الصاعد بالبنى التقليدية (القبلية والدينية). لقد شكل الآغا (الزعيم القبلي) والشيخ (الرمز الديني) حائط صد حمى الهوية من الذوبان في الدول المركزية، لكنه في الوقت نفسه خلق إقطاعيات سياسية داخل البيت الكردي، مما عقد مسار التوحد تحت راية قومية واحدة.
إن هذا التداخل السوسيولوجي، معطوفا على قسوة الحدود، أنتج انقساما فسيفسائيا، إذ لم يعد الانقسام سياسيا فحسب، بل بنيويا ولغويا وثقافيا، ويتمثل بالازدواجية اللغوية، إذ انقسمت الأمة بين “الكرمانجية” في الشمال و”السورانية” في الجنوب، ولم يكن هذا مجرد تباين لهجات، بل تحول بفعل القمع إلى عائق في التواصل الشعبي والسياسي. والشتات الأبجدي فبينما تبنى كرد تركيا وسوريا الأبجدية اللاتينية (تحت التأثير التحديثي الأتاتوركي أو الرغبة في التمايز عن المحيط العربي)، ظل كرد العراق وإيران متمسكين بالأبجدية العربية، مما خلق جدارا معرفيا بين أجزاء الأمة الواحدة. كذلك تحولت الهوية الكردية إلى مرآة قسرية لثقافات الدول التي يعيشون فيها، فاصطبغ كردي تركيا بالعلمانية الدولتية، وكردي إيران بالبعد الثقافي الفارسي، وكردي العراق وسوريا بالروافد العربية، مما جعل “الهوية الكردية الكلية” تعيش صراعا داخليا بين أصالة “الجبل” المشترك وبين “السهول” السياسية المختلفة التي فرضت قيمها وأنظمتها على الإنسان الكردي.
تأثير الدومينو: الكرد من أيتام الجغرافيا إلى بيضة قبان الإقليم
إن ما يمنح القضية الكردية خصوصيتها الجيوسياسية هو مفعول “العدوى العابرة للحدود”، فأي حراك في أي جزء من “كردستان” يتردد صداه فورا كزلزال في الأجزاء الأخرى، مما يخلق حالة من “التوجس البنيوي” الدائم لدى القوى الإقليمية. وفي هذا الفضاء القلق، تلتقي “المطرقة التركية” مع “السندان الإيراني” عند نقطة اتفاق استراتيجية صلبة، وهي مفارقة تاريخية وثّقها شرف خان البدليسي مبكرا في كتابه العمدة “شرف نامه” (1597م). فقد أوضح في هذا المصدر الأم كيف كان الكرد دائماً هم “بيضة القبان” في الصراع الوجودي بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، وكيف استُثمرت الجغرافيا الكردية كمنطقة عازلة وصاعق تفجير في آن واحد.
واليوم، تتجلى هذه “البراغماتية المتوجسة” في مراقبة طهران وأنقرة لتجارب الإدارة الذاتية في العراق وسوريا بوصفها مختبرات للاستقلال يخشى الجميع انتقال عدواها إلى الداخل. هذا الخوف المشترك حوّل “المسألة الكردية” من شأن داخلي إلى ورقة ضغط دولية وميدان لتصفية الحسابات، عبر تاريخ مثقل بمرارات القمع المنهجي.
ففد واجه أكراد تركيا لعقود سياسة الإنكار الصارم، حيث تم حظر لغتهم وهويتهم ومُسحت تسميتهم من الذاكرة الرسمية ليُطلق عليهم “أتراك الجبال” في محاولة لصهرهم قسريا، وصاحب ذلك حملات عسكرية لا تهدأ في الجبال والمدن على حد سواء. وخضعت كردستان ايران (روجهلات) لقبضة أمنية حديدية، حيث يُنظر لأي حراك مطلبي كتهديد لسلامة الدولة الثيوقراطية، مما أدى إلى موجات من الإعدامات السياسية والتهميش الاقتصادي المتعمد لتحويل المناطق الكردية إلى أطراف معزولة. أما في سوريا، فقد بلغت محاولات “الاقتلاع الهوياتي” ذروتها من خلال “الإحصاء الاستثنائي” عام 1962، الذي جرد آلاف الكرد من جنسيتهم السورية بين ليلة وضحاها، محولاً إياهم إلى أجانب في أرضهم التاريخية، محرومين من أبسط الحقوق المدنية والسياسية لمدى عقود. وأخيرا تظل الذاكرة الكردية في العراق جريحة بحملات الأنفال والقصف بالأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا في حلبجة.
أمام هذا المشهد الدموي، غالبا ما كانت القوى الكبرى تستخدم القوات الكردية كحليف ميداني فعال في الحروب الإقليمية (كما حدث في مواجهة داعش)، ثم تضحي بطموحاتهم في بازارات التسويات الكبرى. هذا الغدر المتكرر جعل الكرد يعودون دائما إلى يقينهم التاريخي المر: لا أصدقاء للكرد سوى الجبال، فبينما يغدر الحلفاء وتتغير الخرائط، يظل الجبل هو الملاذ الوحيد والشاهد الصامت على أمة تأبى الانكسار.
من حراس البوابة إلى رهان المربع الذهبي
في قلب هذا التحول الجيوسياسي، تبرز العلاقة العربية الكردية كحالة استثنائية من الجيرة الوجودية التي صهرتها القرون، بعيداً عن منطق التنافس الإمبراطوري المحموم. لقد كان الأكراد تاريخياً بمثابة “حراس البوابة الشمالية” للعمق العربي، ويمثل نموذج “صلاح الدين الأيوبي” الذروة التاريخية لانصهار “السيف الكردي” مع “القلب العربي” لحماية حياض المنطقة. ورغم الندبات التي تركتها الأيديولوجيات القومية في القرن العشرين وتبعات تقسيمات سايكس بيكو، إلا أن الوشائج الاجتماعية ظلّت الأقوى، ويتجلى ذلك اليوم في الدور الإنساني لإقليم كردستان العراق الذي استوعب مئات الآلاف من أكراد سوريا، محولاً معبر سيمالكا من مجرد نقطة حدودية إلى شريان حيوي يربط أجزاء الأمة ويصلها بالعالم.
إن القراءة الاستراتيجية العميقة تؤكد أن استقرار السهل العربي يبدأ حتماً من التصالح مع الجبل الكردي، وتحويل هذه العلاقة من منطق الصراع على الحدود إلى منطق الشراكة في الوجود. وهذا الاستحقاق يمتد ليشمل أضلاع المربع الذهبي كاملة (العرب، الأتراك، الإيرانيون، والأكراد)، مما يفرض على العقل السياسي الإقليمي ضرورة الهجرة من ذهنية الإمبراطوريات المتصارعة التي استنزفت الموارد، إلى منطق الشراكة الحضارية القائم على التكامل لا التصادم.
إن مأزق الدولة الوطنية بنسختها التقليدية يفرض اليوم البحث عن عقد اجتماعي عابر للقوميات، رؤية تتجاوز صراع الهويات لتحول هذا المربع القومي إلى كتلة مصالح اقتصادية على غرار التجربة الأوروبية. فـ “الاقتصاد” هو الخيط الرفيع الذي يمكن أن يمنع الانزلاق نحو الانفجار، محولا الجغرافيا من ساحة استنزاف للموارد لصالح الأطراف الدولية، إلى مركز ثقل عالمي يدير شبكة معقدة من المصالح المتبادلة التي تجبر الجميع على احترام سيادة الدول وخصوصية الشعوب.
إن التحدي الحقيقي الماثل اليوم هو استعادة مخزن الحكمة التاريخي، ذلك الميراث الذي استوعب قديماً عبقريات هذه الأمم الأربع في بوتقة واحدة. إن نجاح الشرق الأوسط في صياغة عقد هوياتي جديد، يحول التنوع القومي من فتيل للتفجير إلى رصيد للإثراء المتبادل، هو الضمانة الوحيدة ليكون هذا الإقليم بيتا آمنا للجميع، بدلا من أن يظل ساحة مفتوحة ومستباحة لتصفية الحسابات التاريخية المؤجلة.
المصدر العالم الجديد
