خوشناف حمو. كاتب
الهوية كمسار لا كراية
غالبًا ما تُختزل الهوية في رمز يُرفع، أو شعار يُردَّد، أو موقف يُعلَن عند الأزمات. لكن التجارب الطويلة تُظهر أن الهوية التي تعيش فعلًا ليست تلك التي تُرفع عاليًا، بل تلك التي تُمارَس يوميًا. الهوية التي تتحول إلى راية فقط، تصبح عرضة للصدام، أما الهوية التي تتحول إلى مسار، فتصبح جزءًا من الحياة.
الهوية كمسار تعني أن تكون حاضرًا دون أن تكون صاخبًا، وأن تحافظ على خصوصيتك دون أن تعزل نفسك. هي علاقة طويلة الأمد مع اللغة، والعادات، والقيم، وطريقة العيش، لا مع الشعارات الموسمية. ما يُمارَس بهدوء يستمر، وما يُفرض بالانفعال ينهك أصحابه.
في المجتمعات التي نجحت في حماية هويتها، لم تكن المسألة إعلان اختلاف دائم، بل إدارة اختلاف ذكية. اللغة تُستخدم في البيت والعمل، لا فقط في المناسبات. الثقافة تُنتج وتُطوَّر، لا تُحفظ في المتاحف. والانتماء لا يتناقض مع المواطنة، بل يجد فيها مظلته العملية.
الهوية كراية تحتاج دائمًا إلى عدو كي تبقى مرفوعة. أما الهوية كمسار فلا تحتاج إلى صراع دائم كي تُثبت وجودها. هي تعرف نفسها، وتتصالح مع الزمن، وتتكيف دون أن تذوب. لذلك تكون أقل هشاشة أمام الضغوط السياسية وأكثر قدرة على الاستمرار.
حين تتحول الهوية إلى ممارسة، تصبح أقل قابلية للاستهداف. لا يمكن منع الناس من التحدث بلغتهم في بيوتهم، ولا من تعليم أبنائهم، ولا من إنتاج ثقافتهم، ولا من النجاح في أعمالهم. الوجود اليومي أقوى من أي قرار.
الأخطر على الهوية ليس الاندماج، بل الفراغ. الفراغ الثقافي، التعليمي، والاقتصادي هو ما يجعل الأجيال تنقطع عن ذاتها. أما الهوية التي تتحرك مع الناس في حياتهم، فتتجدد معهم بدل أن تتحول إلى عبء.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نخفّف من رفع الرايات، ونزيد من بناء الطرق. فالهوية التي تسير معنا كل يوم، لا تحتاج إلى أن نصرخ باسمها كي تبقى…