خوشناف حمو.
“الواقعية كفضيلة لا كتنازل”
كثيرًا ما تُفهم الواقعية على أنها تراجع، أو قبول بالأمر الواقع، أو تخلي عن الطموح.
لكن في التجارب السياسية والاجتماعية الطويلة، كانت الواقعية في الغالب أداة بقاء لا علامة ضعف.
الفرق كبير بين من يستسلم للواقع، ومن يفهمه جيدًا ليعمل داخله.
الواقعية لا تعني التخلي عن الأهداف، بل تعني إعادة ترتيبها وفق الممكن والمتاح.
هي القدرة على التمييز بين ما نريده، وما نستطيع تحقيقه الآن، وما يجب تأجيله.
المجتمعات التي أصرّت على القفز فوق الواقع دفعت ثمنًا باهظًا، بينما تلك التي فاوضت الزمن نجحت في انتزاع مكاسب تراكمية.
في عالم تحكمه موازين قوى متغيرة، لا تُقاس الحكمة بحجم الخطاب، بل بدقة الحساب.
الواقعي لا يبالغ في تقدير قوته، ولا يستهين بقوة الآخرين. يعرف متى يضغط، ومتى يهدأ، ومتى يغيّر المسار دون أن يغيّر الاتجاه.
الواقعية كفضيلة تظهر في تفاصيل القرار اليومي، في اختيار المعارك، في تحديد الأولويات، في بناء التحالفات المؤقتة دون أوهام دائمة. هي إدراك أن السياسة ليست ساحة أخلاق مطلقة، بل مساحة مصالح متشابكة.
الأهم أن الواقعية تحمي المجتمع من الإحباط المتكرر.
فحين تُرفع التوقعات فوق الممكن، يصبح الفشل حتميًا، ويتحوّل الأمل إلى خيبة.
أما حين يُبنى الأمل على خطوات قابلة للتحقق، يصبح التقدّم محسوسًا حتى لو كان بطيئًا.
الواقعية لا تطلب من الناس أن يحبّوا الواقع، بل أن يفهموه. ولا تطلب منهم أن يتخلّوا عن أحلامهم، بل أن يحمُوها من الاحتراق.
فالحلم الذي لا يحترم شروط الحياة يتحول إلى عبء على أصحابه.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نُعيد الاعتبار للواقعية، لا بوصفها تنازلًا، بل بوصفها فن إدارة الممكن دون التفريط بالأساس.