في مهرجان إسطنبول السينمائي (9-19 نيسان/ أبريل 2026) توفّر المسابقة الرسمية التي تتضمن خمسة عشر فيلمًا مشاهدةَ أنواع سينمائية غنية بتنوعها، سواء لناحية الأساليب البصرية أو لناحية المضمون. من غرائبية مبتكرة كما في “القيامة”، فيلم الصيني بي غان (جائزة التحكيم الخاصة)، أو “وردة نيفادا” للبريطاني مارك جينكين الذي لا يشبه فيلمًا آخر في تعبيره عن عالم مشوّه بالتهجير والحزن والنسيان والقلق الجماعي (جائزة فيبرسي)، أو “ذكرى الأميرة مومبي” للسويسري- الكيني داميان هوسر الذي يجمع بين قصة حب ومغامرة صنع الأفلام في عالم مستقبلي (جائزة أفضل فيلم). أو أفلام اجتماعية واقعية، سواء عاطفية معبرة عن عالم يومي تختلط فيه أعراق وجنسيات كما الفيلم الليتواني “أشغال” لغابرييل أوربونايت، أو عالم عنصري تكشفه قصة حب كما في الفيلم اللبناني “لمن يجرؤ” لدانيال عربيد. وكانت هناك عدة أفلام أخرى تستحق الإشادة أتت من فرنسا وألمانيا وباكستان واليونان، وبالطبع تركيا.
في الدورة الـ45 للمهرجان تتنافس خمسة أفلام تركية في المسابقة الرسمية مع ما ذُكر من أفلام دولية. من خلالها تبرز أساليب سينمائية عدة، ومواضيع عن قضايا معاصرة في المجتمع التركي تستحق حضورًا أوسع على الشاشات العالمية. لعل الأكثر تأثيرًا كان الوثائقي “على الصخرة الجافة” (2026) للمخرجة يشيم أوستاوغلو، حيث سكان وادٍ كان يومًا خلابًا ببيوته الحجرية وطبيعته، يكافحون من أجل الحفاظ على الذاكرة والهوية والكرامة بعد أن ابتلعت مياه السد أمكنتهم وذكرياتهم، وأُجبروا على التخلي عن قريتهم في شمال شرق تركيا. يعيشون اليوم في عالم مصطنع من الخرسانة حيث بيوت متشابهة سيئة الصنع، ومن الاستهلاك بعد أن حُوِّلوا من مزارعين إلى مستهلكين. تتنقل العدسة بين هؤلاء السكان الذين يُسهبون في التحسر على ماضٍ انقضى كانوا فيه سعداء أحرارًا. لا مياه نبعٍ اليوم، بل عبوات بلاستيكية يجب دفع ثمنها، ولا عمل، بل بطالة وفراغ وخيبة. تنحاز المخرجة لهم وتلتقط باهتمام شهادات مؤثرة، كهذا المزارع الذي يستيقظ ليلًا وهو يردّد “هذا ليس بيتي”، أو تلك الفلاحة التي تذهب يوميًا لتأمل القرية المغمورة لتبكي متحسرة… تتابعهم العدسة وتنقل معاناتهم في أسلوب بطيء الإيقاع، لكنه فعّال في جعل مشاعر خصوصية محددة بمكان أكثر عمومية وشمولًا للإنسان أينما كان. لا تركز فحسب على مشاعر الأفراد من خيبة وشبه استسلام، وكأن الأمر قضاء لا رادّ له، بل على تحوّل المكان قبل غمر القرية وبعدها، وما تتركه الأنقاض والأماكن المهجورة من وحشة وأسى.
ويثير فيلم “الكلاب الميتة لا تعضّ” (2026) لنوري جيهان أوزدوغان، في أسلوب كلاسيكي، قضية معاصرة، حيث يلوّث تلوثُ تجارة النفايات غير المشروعة التربةَ والروحَ البشرية على حدٍّ سواء. نفايات مستوردة بطريقة غير مشروعة وغير قابلة لإعادة التدوير تُرمى في الطبيعة. تتنافس عصابات في حروب دموية لا هوادة فيها لبيع تلك النفايات كمواد خام لمن يدفع أكثر، وتسحق رؤوس كل من يقف في طريقها للسيطرة على هذه الأماكن وتقاسم الأرباح. يقدم الفيلم تحليلًا لاذعًا ودقيقًا لما تفرضه الحياة المعاصرة على علاقة شابَّين صديقَين يعملان في هذه القذارة آملَين في ارتقاء السلم الاجتماعي، رابطًا بين جبال القاذورات ونظافة الروح، وبين الفساد والقدرة على الالتزام بالعهود؛ ليكتشف إسماعيل (كمال بوراك ألبير، جائزة التمثيل) الملتزمُ بعهد الولاء لصديقه أن فساد النظام الذي يخدمانه قد تسرّب بالفعل إلى علاقة الصداقة وإلى روحه.
شخصيات من العالم السفلي، حيث لا فرق في التعامل مع الإنسان والقاذورات، وحرب عصابات كثيرًا ما تم التطرق إليها في السينما، لكن الفيلم يُحيل عبرها بذكاء إلى مدى قدرة نظام فاسد على التغلغل في العلاقات الإنسانية حتى الصلبة منها، كاشفًا عن أن تأثير النفايات غير القابلة للتدوير في الطبيعة سينسحب على كل شيء، الأفراد والأماكن معًا. يميل الفيلم إلى استخدام لغة بصرية تركز بين حين وآخر على التناقض بين جمال المكان الساحلي الطبيعي من جهة، والتشويه الذي يطاوله من قِبَل الإنسان من جهة أخرى.
ويأتي فيلم “أولئك الذين يصفّرون بعد حلول الظلام” (2025) لبينار يورغانجي أوغلو عن أشباح الأحلام المهجورة والفرص الضائعة والفراغ في حياة معاصرة صعبة في تركيا اليوم. فهناك شابة كاتبة عاطلة عن العمل (إنجي سيفا سينغوز، جائزة التمثيل) تأمل عبر الانعزال في غرفتها مع ألعاب الفيديو بالهروب من مستقبل غير واضح ومن مهمة تحقيق أحلام والدتها الممرضة، وهناك أب يعاني بعد التقاعد من عمله في متحف للتاريخ الطبيعي. وفي أسلوب يريد الخروج من التقليدية، يحاول الفيلم إدخال عنصر خارق للطبيعة كاستعارة مجازية، غير مبررة دراميًّا، لأشباح تطارد حياة الأفراد ومشاريعهم. لكن إن قدّمت المخرجة شخصيات يمكن التفاعل معها ومع أدائها المُحكَم، فقد مالت إلى اعتماد الحوار على حساب الصمت كوسيلة للتعبير الأكثر فعالية أحيانًا.
| جائزة التمثيل ذهبت لفيلم “الكلاب الميتة لا تعض” |
وتندمج في فيلم “كما في الحياة” (2025) لعلي وطن سفير عناصر عدة، من مرض عضال وما يُثار حول الموت الرحيم، ودور المعتقدات الشعبية والدينية ووسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية لأسرة من الطبقة المتوسطة. الشاب المريض وأمه منغمسان في عالم التواصل الاجتماعي، ينفّسان عبره عن همومهما؛ الابن هروبًا من آلامه، والأم كمؤثِّرة معروفة بـ”الأم المحاربة للسرطان”، تسرد يومياتها مع مرض ابنها وجهودهما، ليتبدى محوٌ تام لأي خصوصية في عالمنا اليوم. أما الأب فيُحوّل حافلة النقل المدرسية التي يعمل عليها إلى غرفة ذات إطلالة، وينطلق في رحلة أخيرة مع ابنه، متخذًا النبتة البرية ذريعةً لذلك، ليقضي في النهاية وقتًا ثمينًا بمفرده مع ابنه ويكتشفا عبره علاقة أكثر حميمية بينهما. تاه الفيلم أحيانًا في متاهات سرد شتّت وحدته، ومنها رسائل الأم المتكررة عبر وسائل التواصل وعلاقاتها مع الجيران، مما خلق بعض بلبلة في السرد، ثم جاء تحوله الفجائي في النهاية إلى فيلم طريق (ولو أنه كان أفضل ما فيه).
وفي فيلم “ضوء الشمس” (“اصغ للأصفر” العنوان بالإنكليزية) لبانو سيفاجي، الذي اختار قريةً أُخليت بعض أماكنها لهشاشتها وخطر انهيارها، يعود الماضي مع عودة سونا الموسيقية الناجحة في المدينة لتُسوّي حسابات قديمة مع عائلتها وأهل القرية. هي لم تتخلص من ذكريات الماضي، إذ تظن أن أختها قُتلت على يد الزوج، وفيما يريد الجميع الصمت حول الأمر ونسيانه، فإن رغبتها في بعثه من جديد ستخلق المزيد من المشاكل. بقيت شخصية سونا وحياتها في المدينة محاطة بغموض، بينما اهتم السرد بتنقلاتها المتكررة في القرية وكأنها تريد استكشاف الأفراد والأماكن من جديد، فقضت وقتًا طويلًا في بحث عن قطتها الضائعة بدون جدوى. ومع تكريس الفيلم عدة مشاهد لهذا الغرض بدت كتضييع وقت، فإن رسم أجواء القرية بكل خلافاتها وماضيها الأسود الذي يريد الجميع إخفاءه، ونجاح الشخصية الرئيسية في تجسيد دور العائدة التي تجد نفسها غريبة في مكانها الأصلي وناسه، خفّفا من إخفاقات عدة.