تعكس المعطيات الديبلوماسية والميدانية المتصلة بالوضع في جنوب لبنان وعبره في لبنان كله ترسيخا للتقديرات التي تجمع عليها أوساط ومراجع عدة لجهة أن الستاتيكو الذي يحكم هذا الوضع مرشح لان يستمر على حاله حتى ما بعد استحقاقي الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية . ومع ان احتمالات التصعيد الموسع في الجنوب او حصول عمليات استخباراتية معينة قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 من الجاري لا يمكن اسقاطها من الحسابات الجادة ، فان الظروف الإقليمية والإسرائيلية والأميركية نفسها ، تغلب كفة الستاتيكو الحالي اكثر من أي احتمال آخر . تبعا لذلك تتضاءل التوقعات حيال جولة المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية في تامبا بولاية فلوريدا الأميركية التي حتى الساعة لا يزال موعدها الرسمي غير معلن من الراعي الأميركي للمفاوضات . ولا يبدو ان الجانب اللبناني يتوقع الكثير منها ولو انه اعد العدة لطرح مطالب أساسية فيها تتصل بانسحابات إسرائيلية وبمرحلة ما بعد انتهاء ولاية اليونيفيل . غير ان معالم الشكوك في امكان عدم انعقاد جولة تامبا تصاعدت في الأيام الأخيرة في ظل عدم تبلغ لبنان أي اشعار أميركي رسمي بتحديد موعد رسمي للجولة لا مباشرة من السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى ولا عبر سفيرة لبنان في واشنطن ندى حماده معوض . وتنامت الشكوك اللبنانية في ان تكون إسرائيل غير راغبة في عقد هذه الجولة التفاوضية لعدم تبديل أي معالم في الستاتيكو الحالي وحتى لو عقدت الجولة فإنها لن تودي إلى أي نتائج ملموسة عشية الانتخابات الإسرائيلية .
تزامن ذلك مع تطور ميداني لافت تمثل في استهداف مسيرة اسرائيلية سيارة جيب في بلدة حوش السيد علي في الهرمل في البقاع قرب الحدود اللبنانية السورية واطلقت عليها صاروخا من دون إصابتها. وأعلنت وزارة الصحة أن الاعتداء الإسرائيلي في محيط حوش السيد علي أدى إلى إصابة 6 أشخاص بينهم 5 سوريين من ضمنهم سيدتان إضافة إلى جريح لبناني. وهي المرة الأولى منذ فترة طويلة نسبيا التي تعاود فيها إسرائيل عمليات الاغتيال في مناطق بعيدة خارج الجنوب .
وأعلن الجيش الإسرائيلي مساء بانه “استهدف إرهابيا سوريا كان يروج لأنشطة إرهابية ضد مواطني إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا بتوجيه من نظام الإرهاب الإيراني ” كاشفا انه استهدف يوسف علي الخصون .
غير أن الحدث الخطير الذي طغى على مجمل المشهد الداخلي تمثّل في كشف مصدر أمني لبناني عن ضبط 800 كيلوغرام من المتفجرات في سيارة على حاجز الأمن الداخلي في ضهر البيدر، مشيراً إلى أن الأمن الداخلي ضبط المتفجرات مع عنصرين ينتميان إلى “حزب الله”، هما “ع-ش-ك” و”ه-أ-أ”.
واوضح المصدر أن المتفجرات المضبوطة عبارة عن 250 كلغ من مادة الـ TNT وأكثر منها من الـC4 لافتا إلى أن الأمن الداخلي سلّم الموقوفين من “حزب الله” إلى الشرطة العسكرية بالجيش التي شرعت في التحقيق معهما . ورجحت بعض الجهات الإعلامية ان تكون عملية تخطيط لاغتيال وراء هذا الحادث .
في ظل هذا الوضع كشف دبلوماسي أوروبي امس أن طلائع المهمة الأمنية الأوروبية ستصل إلى بيروت نهاية العام، مشيراً إلى أن المهمة ستضم أكثر من مئة عسكري من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وأوضح أن المهمة ستتولى دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن، ولن تنتشر في الجنوب، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي تسلّم طلباً رسمياً من لبنان لنشرها.
كما ان قيادة الجيش أعلنت انه “جرى في مرفأ بيروت تسلّم كمية من الذخائر، هبة من السلطات الفرنسية للجيش. تأتي في إطار التعاون المستمر بين الجيشيَن اللبناني والفرنسي. كما تهدف إلى مواصلة دعم السلطات الفرنسية للمؤسسة العسكرية في ظل المسؤوليات الملقاة على عاتقها والتحديات التي تواجهها”.
وسط هذه الأجواء كانت لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام مواقف جديدة بارزة من خلال الكلمة التي القاها في افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب:
ومما قاله :”لقد دفع اللبنانيون أثمانا باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة، خسروا أرواحا وأرزاقا وبيوتا ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم. واليوم، ونحن نعمل على استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل اراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، فإننا ندرك أن هذه المسارات مترابطة، وأن النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى. فلا اقتصاد قابلا للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتا من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة. وهكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة”.
وأردف: “استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم، فالدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون. وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلا، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها. لكن صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية”.
وقال: “لا يمكن أن نطالب بدولة عادلة ونقبل بالمحسوبية حين تخدمنا، أو نطالب بمؤسسات قوية ثم نتجاوزها حين لا تناسبنا قراراتها، أو ندعو إلى الوحدة الوطنية فيما نواصل تغذية الانقسامات. ولا يمكن أن نبني مستقبلا مختلفا إذا ظللنا أسرى الأفكار نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماتنا. وهنا بالذات تبرز أهمية النهضة الفكرية والثقافية. فنحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطارا جامعا لهذا التنوع”.