لم يتطرّق البيان الوزاريّ لحكومة نوّاف سلام إلى أيّ إشارة مرتبطة بإنشاء جهاز موحّد لأمن المعابر الحدوديّة. بعبارة مقتضبة تحدّث البيان عن “الحكومة التي يترتّب عليها تمكين القوّات المسلّحة الشرعيّة من خلال زيادة عديدها وتجهيزها وتدريبها لتعزيز قُدراتها على التصدّي لأيّ عدوان وضبط الحدود وتثبيتها جنوباً وشرقاً وشمالاً وبحراً، ومنع التهريب ومحاربة الإرهاب”.
لكن بعد أسابيع قليلة من “تقليعة” الحكومة، وصلت تعليمات أميركيّة مباشرة للحكومة لإعداد خطّة تحصر أمن المعابر الحدوديّة بمرجعيّة واحدة مركزيّة، فلم يتأخّر الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام في تنفيذ المطلوب.
مشروع قانون لأمن المعابر
بدأت القصّة قبل أشهر حين طلب الرئيسان عون وسلام، بشكل متزامن، من الأمين العامّ لمجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة إعداد مشروع قانون لإنشاء جهاز مركزيّ لأمن الحدود الجوّيّة والبرّيّة والبحريّة.
أتى هذا الطلب الرئاسيّ ضمن سياق مفهوم ومتوقّع. منذ انتخاب عون رئيساً، وبدء حكومة سلام تنفيذ بيانها الوزاريّ في ما خصّ نزع السلاح والإمساك بقرار السلم والحرب، برزت ضغوطات أميركيّة بشكل أكبر لمحاصرة “الحزب” ومنع كلّ الإمدادات عنه، في المطار والمرافئ والمعابر البرّيّة. تزامن ذلك مع منع الطائرات الإيرانيّة من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي، وإخضاع المسافرين لتفتيش دقيق، بما في ذلك الزوّار الدبلوماسيّون، وإجراء أكثر من “كبسة” أميركيّة ودوليّة على مطار رفيق الحريري الدولي، ومصادرة جهاز أمن المطار حقائب أموال وذهب، في وقت كانت المعابر على الحدود الشرقيّة تقفل تماماً أمام حركة “الحزب”.
في 23 تمّوز الماضي أرسل مكّيّة المسوّدة الأولى لمشروع القانون إلى وزارات الدفاع والداخليّة والأشغال، وأحالت الأولى والثانية المشروع إلى قادة الأجهزة الأمنيّة لإبداء ملاحظاتهم. هذا مع العلم أنّ الأمين العامّ لمجلس الوزراء طلب من الوزراء المعنيّين “إعطاء الرأي، تحضيراً للاجتماع الذي سيدعو إليه سلام خلال مهلة أقصاها عشرة أيّام من تاريخه”، وهذا ما لم يحصل حتّى حينه.
لا جواب من “الأشغال”
حتّى اليوم لم تُرسِل وزارة الأشغال، إحدى الوزارات الأساسيّة المعنيّة بالمشروع، ملاحظاتها على مشروع القانون، بعكس وزارتَي الدفاع والداخليّة. لقد عَلِم “أساس” أنّ عدم التجاوب حصل بالتنسيق بين الوزير فايز رسامني وقائد جهاز أمن المطار العميد فادي كفوري.
لكن ليس ذلك سبب عدم عقد جلسة للحكومة لطرح “أمن المعابر” على جدول الأعمال، بل السبب هو غرق الحكومة حتّى أذنيها بأزماتها المتناسلة، فلم يتمّ التوافق على عقد جلسة. ثمّ أتى “الوحي” الخارجيّ بكلام مختصر مفاده: “يهمّنا أوّلاً أمن مرفأ بيروت”.
أمن المرفأ أوّلاً
هكذا حضرت أجهزة “السكانر الذكيّة” إلى مرفأ بيروت، الكفيلة بتفحّص الحاويات بدقّة (60 مستوعباً في الساعة) وتحليلها، ومراقبة الصادرات والواردات، ومنع التهريب على أنواعه، فيما دشّن السفير الأميركيّ ميشال عيسى أولى زياراته لمرفأ بيروت في 16 كانون الثاني الماضي، مؤكّداً أن “لا شروط لدعم مرفأ بيروت، لكن يجب أن يكون تحت سلطة الدولة”.
قبل زيارته بأيّام أصدر مجلس الوزراء تعيينات المديريّة العامّة للجمارك ورئاسة المجلس الأعلى للجمارك. في المقابل، شهد مرفأ طرابلس تشغيلاً تجريبيّاً لماسحة ضوئيّة متطوّرة في آذار الماضي.
قاد الطلب الأميركيّ لتقديم هيكليّة مُتجدّدة أمنيّة-إداريّة لعمل مرفأ بيروت، إلى إعداد مسوّدة منفصلة (كانت جزءاً من مشروع القانون المُتكامل حول أمن المعابر الحدوديّة الذي قدّمه القاضي مكّيّة)، لكن أيضاً لم يتمّ عرضها حتّى الآن على جدول أعمال مجلس الوزراء.
“أمن المعابر” بقانون لا مرسوم
الأمر المؤكّد، وفق مصدر مطّلع، أنّ صيغة لأمن المعابر كهذه لا يمكن أن تمرّ بمرسوم عاديّ، بل تحتاج إلى مشروع قانون تقرّه الحكومة، ثمّ يُحال إلى مجلس النوّاب ليصدر بقانون، نظراً للتعديل الذي سيطرأ على الصلاحيّات، واستحداث جهاز جديد، وفصل ضبّاط وعسكر من جهاز معيّن ليصبحوا تحت إمرة قائد هذا الجهاز، وغيرها من الأمور الإداريّة التي تتطلّب صدور قانون حكماً.
“الجهاز” مُلحق بالدّاخليّة
إحدى أهمّ النقاط الأساسيّة والحسّاسة التي وردت في مشروع القانون لحماية أمن المنافذ البحريّة والبرّيّة والجوّيّة هي أنّ رئاسة الجهاز يتولّاها ضابط عامّ، يرتبط مباشرة بوزير الداخليّة، ويعيّن بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء باقتراح من الوزراء المعنيّين، لمدّة خمس سنوات قابلة للتجديد. هنا تفيد المعلومات بأنّ الضابط سيكون من الطائفة المسيحيّة.
يؤازر قائد الجهاز، وفق المشروع، “إدارة عمليّات مشتركة لأمن الحدود”، يتحدّد ملاكها وصلاحيّاتها بمراسيم تتّخذ في مجلس الوزراء، على أن تؤخذ عناصرها من بين عناصر القوى المسلّحة الذين يختارهم قائد الجهاز، بعد موافقة المراجع المختصّة في كلّ الأجهزة.
تضمّ “إدارة العمليات المشتركة” أقسام الاستقصاء، التفتيش، الإدارة، العمليّات والتحليل، الشكاوى والتحقيق، الهندسة والتدخّل، الأمن العامّ، قوى الأمن الداخليّ، والحراسة والمدافعة، مع لباس موحّد لكلّ هذه الأقسام. يتولّى قائد الجهاز، يعاونه مديرو العمليّات المشتركة، أو ما يعرف بـ “مجلس الجهاز”، السلطة التقريريّة في الجهاز.
وزارة الدّفاع تعترض
وفق المعلومات، في الردّ الذي أرسلته وزارة الدفاع إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء، اعترضت على ربط قيادة الجهاز بوزارة الداخليّة، معتبرة أنّها يجب أن تكون موصولة بوزارة الدفاع، ويرأسها ضابط من الجيش اللبنانيّ.
صلاحيّات الأمن العامّ
يرتبط الأمر الآخر الأكثر حساسيّة بالتسريبات التي تحدّثت عن تعديلات محتملة تجعل كلّ الأجهزة الأمنيّة، من ضمنها الأمن العامّ، وفي الشقّ الأساسيّ المتعلّق بمنح أو إلغاء التأشيرات مثلاً، خاضعة أيضاً لرئاسة جهاز أمن المعابر.
هذه إشكاليّة أساسّية، وفق المعلومات، لن تقبل بها مديريّة الأمن العامّ. في هذا السياق تقول مصادر أمنيّة رفيعة لـ”أساس”: “هناك قاعدة بيانات مرتبطة بالأمن العامّ لا يمكن أن تكون متاحة أمام أيّ جهاز أمنيّ آخر، إضافة إلى عدّة أمور أمنيّة وإداريّة موصولة مباشرة بمكتب المدير العامّ للأمن العامّ وصلاحيّاته”، مشيرة إلى أنّ “الأمن العامّ لا يمكن أن”يشتغل” بخدمة جهاز أمنيّ آخر، إذ هناك صلاحيّات لصيقة به، وأيّ تعديل للصلاحيّات والمهامّ يحتاج إلى قانون في مجلس النوّاب لا مرسوم صادر عن مجلس الوزراء”.
وفق مشروع القانون، الذي اطّلع عليه “أساس”، وتحت عنوان “النظام القانونيّ الذي يرعى عمل الجهاز” والأقسام التي يتضمّنها، ذُكِر قسم “الأمن العامّ” المؤلّف من “شعبة ضبط الدخول والخروج” التي تتولّى، وفق المشروع، التدقيق وختم الجوازات ووثائق السفر، ومنح التأشيرات والتسويات، وتنفيذ البلاغات العدليّة والإداريّة من توقيف ومنع دخول وسحب مستندات، إضافة إلى “شعبة أمن الوثائق” التي تتولّى التدقيق بالجوازات والوثائق، وكشف المزوّر منها. لكن وفق المعلومات، ذكرت الصيغة نفسها للمشروع الموادّ القانونيّة التي تمنع الاطّلاع على داتا “الأمن العامّ” الخاصّة بالمديريّة.
يُذكر أنّ مشروع القانون، وفق المعلومات، هو بمنزلة “درافت” يمكن إدخال التعديلات عليه، وفق ما تقتضيه صلاحيّات كلّ جهاز وحسن سير العمل.
في الحلقة الثانية: ماذا يتضمّن مشروع قانون أمن المعابر الحدوديّة؟ (2/2).
اساس ميديا
