يحدث أحيانا أن تحجب شهرة بعض أعمال الكاتب نصوصا أخرى له لا تقل عنها قيمة. ينطبق ذلك على “مرحاض للروح” و”أنا لا أقبل” للشاعر الفرنسي أنتونان أرتو، وهما نصان كتبهما عام 1947، في المرحلة الأخيرة والأكثر احتداما من تجربته، وظلا أقل حضورا من مؤلفاته التي رسخت اسمه في أدب القرن العشرين. ولعل هذا ما يفسر مبادرة دار “فاتا مورغانا” إلى جمعهما وإعادة نشرهما حديثا في كتاب واحد.
في “مرحاض للروح”، سعى أرتو إلى نسف واحدة من أقدم المسلمات التي حكمت الفكر الغربي: أسبقية الروح على الجسد. نص قصير نسبيا، كتبه على حافة الموت والجنون والتمرد، وتتحول فيه الكتابة إلى عراك جسدي مع الأفكار والكلمات والسماء نفسها، بحثا عن جسد يستطيع أخيرا أن ينوجد من دون سيد يقيم فوقه.
حين وضع هذا النص، كان صاحب “المسرح وصنوه” قد خرج من نحو تسع سنوات متواصلة من الاحتجاز في المصحات النفسية، وبلغ منطقة قصوى من تجربته الأدبية، حيث صار الفصل بين الشعر والفكر والجسد والصراخ شبه مستحيل.
فضيحة تاريخية
ينطلق “مرحاض للروح” من ملاحظة تبدو لأرتو فضيحة تاريخية: الرومنطيقية والرمزية والدادائية والسوريالية والحروفية والماركسية وسائر مدارس التمرد السياسي والفلسفي والأدبي قلبت قيما كثيرة وتركت قيمة واحدة واقفة في مكانها: “الروح”. بقيت الكلمة، كما يقول، محتفظة بـ”أسبقيتها القديمة”، كأن مجرد ذكرها يكفي لمنح الكلام سلطة وحقيقة. ومن هنا يبدأ هجومه الذي يتجاوز الاعتراض على مفهوم فلسفي إلى محاولة إسقاط نظام كامل رتب الوجود بحيث يقف الفكر في الأعلى والجسد في الأسفل.
هذه التراتبية هي ما أراد أرتو زعزعته، إذ يرى أن قرونا من الأفلاطونية والهرمسية والتصوف والفكر الديني كرست الاعتقاد بأن الجسد صادر عن الروح، أو تكثيف لها، أو مادة تتجسد فيها. ويواجه الشاعر هذه الفكرة بسؤال يقلب البناء كله: لماذا يأتي الجسد من الروح؟ لماذا لا تأتي الروح من الجسد؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يفتح ثغرة في تاريخ طويل من التصورات التي جعلت الجسد تابعا، ناقصا، محكوما بقوة أعلى منه.
غلاف “مرحاض للروح”
لكي يكشف العنف المختبئ في هذه الثنائية، يلجأ أرتو إلى صور اجتماعية وسياسية شديدة الوضوح يشبّه فيها الجسد بعمال المصنع والروح برب العمل الذي ينظم عملهم، أو يشبّه الجسد بالجنود الذين يُقتلون والروح بالجنرال الذي يرسلهم إلى الموت. ومن خلال ذلك، تظهر وراء المسألة الميتافيزيقية علاقات السلطة، ويتحول ما يسميه البشر “روحا” إلى مبدأ قيادة وإخضاع، إلى سلطة تدعي التفكير، فيما يُطلب من الجسد أن يعمل ويتألم ويموت. لذلك يطالب أرتو الجسد باستعادة سيادته المسلوبة وبالكف عن لعب دور “المادة القذرة” التي تستخدمها الروح متى شاءت.
ولا يفلت الفلاسفة أنفسهم من ثورة صاحب “مسرح القسوة”، إذ يستدعي أفلاطون وسقراط وإبكتيتوس وأبيقور وكانط وديكارت تباعا، ويوجه إليهم شتائمه عوض الدخول معهم في نقاش مهذب يرى في قواعده جزءا من الجهاز الذي يريد تدميره. فبينما تناقش الفلسفة الأفكار بأفكار أخرى، يريد هو نقل المعركة إلى منطقة سابقة للفكرة: الحركة، العرق، التنفس، الألم، العضلات، الطاقة التي يبذلها الكائن كي يكون موجودا. فالجسد، بحسب منطقه، يعرف الفعل قبل أن يأتي الفكر ليطلق عليه اسما.
لهذا يكتب أن الأفكار والمعطيات والقيم تظل “عبارات بلا حياة” إلى أن يمنحها الجسد مادتها بعرقه. فالفكرة عنده ظل لحركة جسدية حاولت الانفصال عن مصدرها والعيش مستقلة عنه. وهنا تبلغ أطروحة نصه أقصى راديكاليتها: الجسد حقيقة تسبق تعريفها، والفكر طفيلي يستطيع أن يتضخم إلى درجة نسيان الأصل الذي اقتات منه. أما الروح، فـ”خدعة” و”تمويه”، دخان يعيش مما ينتزعه من جسد منهمك في القيام بفعل.
لغة صوتية
لكن قراءة هذا الكلام باعتباره نظرية مادية مضادة للمثالية وحدها تفوّت جوهر أرتو. فهو لا يبني فلسفة بديلة يمكن ترتيبها في مجموعة من المفاهيم، ولا يقدم برهانا بالمعنى الأكاديمي. ونصه نفسه يرفض أن يستقر داخل النظام الذي يهاجمه. لذلك تنقطع الجمل فجأة، وتظهر مقاطع صوتية لا تنتمي إلى لغة معروفة. هذه الغلوسولاليا (glossolalia)، أو اللغة الصوتية المفككة، ليست زخرفة تجريبية. إنها محاولة لدفع اللغة إلى ما قبل الدلالة المستقرة، إلى النقطة التي تعود فيها الكلمة صوتا ونَفَسا وحركة في الفم والحلق.
من هنا يصعب فصل ما يقوله أرتو عن الطريقة التي يقوله بها. فلو كتب دفاعا منظما عن الجسد بلغة فلسفية هادئة لوقع في الفخ نفسه الذي يريد تحطيمه. لذلك تتشنج اللغة وتتعثر وتصرخ وتشتم، وتدخلها ألفاظ الجسد وإفرازاته وفضلاته، بدءا بعنوان النص نفسه، “مرحاض للروح”، الذي يهبط بالروح من الأعالي التي أقامتها فيها الميتافيزيقا إلى أكثر مناطق الجسد ابتذالا، مرورا بمقاطع كثيرة من متنه، حيث تصبح الشتيمة أداة معرفية، والبذاءة وسيلة لإنزال المقدس عن عرشه.
حتى الكوابيس تدخل في هذه الحرب. إذ ينتقل أرتو إليها فجأة، واعيا بما في انتقاله من غرابة، ثم يربطها بالأرواح التي تتطفل على الجسد النائم وتمتص منه الحياة. وهنا تدخل الكتابة منطقة يصعب إخضاعها للمنطق الواقعي المألوف، فعالم الشاعر الأخير مليء بالقوى واليرقات والسحر والأجساد التي تتعرض للسرقة والاختراق. ويمكن النظر إلى هذه الصور بوصفها جزءا من كوسمولوجيا شخصية شديدة الاضطراب، لكن قيمتها الأدبية تكمن أيضا في تحويل الإحساس بالاضطهاد إلى مادة لغوية محسوسة: ما يهدد الإنسان يأخذ شكل كائن يهاجم جسده ويستنزف طاقته.
ويصل هجوم أرتو، في طبيعة الحال، إلى فكرة الكائن العلوي المنزّه عن الجسد، الذي يظهر بوصفه كائنا طفيليا يحتاج إلى الأجساد كي يحصل على وجود حُرم منه. اللغة هنا عنيفة إلى حد التجديف المتعمد، لأن الشاعر يريد إسقاط المرجعية العليا التي تقف خلفها، في نظره، سلسلة كاملة من السلطات: الروح، الفكرة، الأب، المعلم، الطبيب، المؤسسة. وحين يكتب أخيرا: “وأقول: مرحاض للروح”، تكون العبارة أشبه بحكم يصدره جسد يريد طرد قرون كاملة من السيادة المفروضة عليه.
في نصه الآخر، “أنا لا أقبل”، يدفع أرتو منطق “مرحاض للروح” إلى منطقة أشد ذاتية. فضمير المتكلم يحتل الصفحة بعنف، ويصبح تاريخ الكون تاريخ صراع على جسد الشاعر نفسه.
يتحدث أرتو في هذا النص عن الـ”ديميورغ” الذي حاول أن يولد عبر اغتياله وسرقة جزء من جسده، ويذهب إلى حد إعلان نفسه، هو الإنسان، “الإله الحقيقي”، في مقابل الروح المزعومة التي ليست سوى إسقاط في الغيوم. الذات هنا لا تُروى وفق قوانين السيرة، بل تعيد خلق نشأتها في أسطورة كونية خاصة بها.
جسد خالص
وتكتسب هذه الصفحات قوة إضافية حين يدخل إليها الزمن الشخصي. إذ يقول أرتو إنه فقد صحته منذ التاسعة عشرة، وإنه بلغ الثانية والخمسين، ثم يحسب اثنتين وثلاثين سنة من الانتظار والصراع. وراء الهذيان الكوني يطل جسد تاريخي محدد، أنهكته الأمراض والمصحات والعلاجات والإدمان والألم. عبارة “جسدي أعاد صنع نفسه رغم كل شيء”، تبدو عندئذ مفتاحا للنص كله. والكتابة نفسها تصبح عملية إعادة صنع لهذا الجسد، عضوا بعد عضو، نَفَسا بعد نَفَس.
لهذا تحتل كلمة “الجسد” مكانة تختلف عن معناها البيولوجي المعتاد. فأرتو يحلم بـ”جسد خالص”، جسد يصنعه الإنسان بجهده ونَفَسه اليومي، ويستحقه “مرفقا بمرفق وإصبعا بإصبع”. هذه الرؤية ستجد بعد سنوات صداها الشهير في مفهوم “الجسد بلا أعضاء” الذي التقطه جيل دولوز وفيليكس غاتاري من الشاعر. الجسد المقصود هنا ليس الآلة البيولوجية التي نولد داخلها، بقدر ما هو طاقة وجود ينبغي انتزاعها من القوى التي تريد تنظيمها وتسميتها وامتلاكها.
لكن أكثر ما يبقى بعد قراءة هذين النصين هو اللغة. إذ لا يكتب أرتو عن جسد متمرد وحسب. إنه يجعل الصفحة نفسها تتصرف كجسد. فالكلمات تتعرق، تتشنج، تتقيأ، تتقطع أنفاسها، وتنزلق من المعنى إلى الصوت ثم تعود إليه. وعلامات الترقيم تخسر سلطتها، والجملة تفقد هندستها، والشتيمة تجاور الميتافيزيقا، والهذيان يلتقي بالحجة الفلسفية. ثمة هنا رغبة مستمرة في الوصول إلى لغة لا تصف الحياة من الخارج، بل تحدث فيها كضربة أو تقلص أو صرخة.
لا يكتب أرتو عن جسد متمرد وحسب. إنه يجعل الصفحة نفسها تتصرف كجسد. فالكلمات تتعرق، تتشنج، تتقيأ، تتقطع أنفاسها، وتنزلق من المعنى إلى الصوت ثم تعود إليه
بعد نحو ثمانية عقود على كتابة هذين النصين، تبدو حدتهما سليمة على نحو مدهش. فالسؤال الذي يطرحه أرتو لا يزال قائما: ماذا يحدث للجسد حين تستولي عليه الأنظمة التي تدعي معرفة حقيقته وتحدد له كيف يعيش وكيف يفكر وكيف يرغب؟ إجابته لا تقدم برنامجا يمكن تطبيقه، ولا تسعى إلى المصالحة. إنها انفجار ضد كل ما يحول الحياة إلى فكرة عنها.
هكذا يمكن قراءة هذين النصين بوصفهما من تلك النصوص التي لا تطلب من قارئها الموافقة، بل التعرض لصدمة. فأرتو يريد إعادة الفكر إلى اللحم الذي خرج منه، وإعادة الكلمة إلى النَفَس، وإسقاط الروح من عليائها كي يظهر تحتها جسد يتعرق ويتألم ويقاوم. وفي آخر الطريق، تبقى الكتابة نفسها ساحة المعركة: جسد من الكلمات يحاول، بكل ما يملكه من غضب، أن ينتزع حقه في الوجود.