تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • أنتيغون… من يدفن موتانا؟
  • أدب وفن

أنتيغون… من يدفن موتانا؟

المحرر Editor 16 سبتمبر، 2025

سمر يزبك كاتبة وروائية وإعلامية سورية

سمر يزبك.

في واحدة من مسرحيات سوفوكليس تقف أنتيغون وحيدة أمام جثمان أخيها الملقى خارج أسوار المدينة، ترفض أن تتركه نهباً للعراء، وتعلن أن دفنه واجبٌ أخلاقي يعلو على أوامر الملك ومرسومه الذي يمنع الدفن. لا تقتصر هذه اللحظة على أن تكون مجرّد صراع بين فتاة وسلطة كما يبدو من ظاهرها، بقدر ما هي تعبير واختبار لبنية المجتمع المتواطئ: هل القانون يسنّه الحاكم لحماية الحياة والكرامة أم لتبرير سطوة الدولة؟ في العالم العربي الراهن، يطلّ هذا السؤال من جديد. الضحايا الجدد لنسخة باردة من الحروب الأهلية في سورية، المقابر الجماعية في ربيع لم يكتمل في السودان وليبيا، الأطفال والنساء تحت أنقاض غزة؛ كلّهم يواجهون المصير نفسه: موت بلا وداع. التراجيديا القديمة تُستعاد اليوم في صورة أكثر قسوة، حيث يتحوّل منع الحداد نفسه إلى أداة للسيطرة. في لحظة أنتيغون يتجلّى التعارض بين وصية الدم وصوت المرسوم. ما يُحرّكها ليس شعوراً فردياً بقدر ما هو إحساسٌ جمعيٌّ بأن الجسد الميت ينتمي للأرض والذاكرة رغم إرادة القاتل، في حين أن القانون السلطوي يعلن أن الموتى مجرّد أعداء، رموز يجب محوها من المشهد العام. في المقابل، دفن الضحية فعل اجتماعي يرمز إلى الاعتراف بإنسانيته، ويمنح الجماعة فرصة لالتئام الجرح. في التجربة العربية الراهنة يتكرّر هذا الانكسار، الحداد هنا يتحول إلى فعل مقاومة صامتة، وصون الذاكرة يصير أكثر خطورة من رفع السلاح. في قلب هذا التناقض يتشكل وعي جديد بأن الإنسان الذي يروّض نفسه على العيش بلا حرية أو إرادة لن يسمح له بالرحيل بكرامة إن شاء من يحكمه.

خرجت ملايين إلى الشوارع بحثاً عن حياة أوسع، انتهى كثير منهم في غياب أبدي. جثث في ساحات مجهولة، مقابر جماعية بلا شواهد، أسماء لأطفال مطموسة من السجلات. الطقوس الجنائزية التي تمنح الجماعة فرصة للاعتراف بفقدها تحوّلت إلى منطقة محرمة. في غياب طقوس ومراسم الدفن، تتفكك الروابط، يفقد المجتمع آلية الحداد التي تتيح له الانتقال من الألم إلى الفعل، ويتوقف فعل التضحية عن أن يكون فعلاً جامعاً يعيد صياغة وحدة المجتمعات ويعينها على إكمال الطريق. أنتيغون القديمة تلمع هنا كمرآة: دفن الميت فعل يثبت أن الموت لا يقطع خيط الانتماء. في العالم العربي، يصبح الدفاع عن ذكرى الضحية حاجة ماسة ومن أشكال الاستمرار، مقاومة هادئة ترفض أن يُمحى الوجود بمجرّد الادعاء أن الوقت الآن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المجتمعات التي تُمنع من الدفاع عن ذكرى شهدائها وضحاياها وأبطالها، تُقاد بالضرورة إلى عجز بنيوي عن البناء. فإعادة الإعمار لا تبدأ من إسمنت وحجارة، بل من سردية جامعة تحمي الذاكرة وتمنح الفقد معنى. حين يُمحى أثر الضحايا من السجلات ويُختزلون إلى مجرّد أرقام، تقدم بوصفها مقدسة في معركة التحرير، يتحول المستقبل نفسه إلى فراغ. لا يمكن لجماعة أن تنهض فوق أرض منسية، ولا يمكن لمشروع أن يُكتب له الاستمرار إذا قام على إنكار الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكرامة العيش. إن الدفاع عن الذاكرة ليس ترفاً أخلاقيّاً، بل شرط وجودي لبناء أي أفق جماعي، لأن من يشيّد حاضره على أنقاض منسيّة، يبني جداراً هشّاً سرعان ما يسقط عند أول ريح.

السؤال الذي طرحته أنتيغون يظل عالقاً في سماء العرب: من يدفن موتانا؟ المشهد ليس رمزياً فقط، بل ملموس في كل مدينة فقدت أبناءها ومنعت من وداعهم. القبر صار ميدان صراع، والجنازة فعل مقاومة، والذاكرة مساحة مطاردة. في غياب الاعتراف بالضحايا تبقى المجتمعات معلّقة بين حاضر يتآكل وماضٍ يرفض أن ينغلق. أنتيغون اختارت أن تخسر حياتها كي تمنح أخاها موتاً لائقاً، وفي هذا الاختيار يكمن درس اجتماعي لا يفقد راهنيّته: لا تقوم جماعة على الإنكار. من لا يودّع موتاه بكرامة يظلّ أسيراً لدائرة لا تنكسر، دائرة موت يتجدد بلا أفق. والكرامة تبدأ من حفرة صغيرة في الأرض، من اسم يُكتب على شاهد، من لحظة وداع لا يملك أحد أن يصادرها.

دلالات

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: الانتخابات السورية… هل يُصلح العطّّار ما أفسده الأسد؟
التالي: عن عودة تصدير النفط السوري المحيّر

قصص ذات صلة

  • أدب وفن

قراء معرض بنغازي ينحازون إلى الكتاب الورقي إقبال ملحوظ على دورته الخامسة بمشاركة 75 دار نشر من 10 دول

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

الفائز بـ”غونكور” يدافع عن استخدامه “المرح” للذكاء الاصطناعي

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

16 روائيا من فرنسا واليابان يكتبون رواية مشتركة في قطار

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026

أحدث المقالات

  • من هزيمة ترامب إلى انتصار القاعدة الشعبية… ماذا تغيّر في أميركا؟
  • مسألتان تعوقان التفاهمات اللبنانية السورية… تسليم المطلوبين وانتقال الأشخاص
  • دونالد ترامب واعتبارات توقيت حسم القرار مع إيران… من أبوظبي إلى شِنجن
  • قراء معرض بنغازي ينحازون إلى الكتاب الورقي إقبال ملحوظ على دورته الخامسة بمشاركة 75 دار نشر من 10 دول
  • الفائز بـ”غونكور” يدافع عن استخدامه “المرح” للذكاء الاصطناعي

لربما فاتك

  • مقالات رأي

من هزيمة ترامب إلى انتصار القاعدة الشعبية… ماذا تغيّر في أميركا؟

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • الأخبار

مسألتان تعوقان التفاهمات اللبنانية السورية… تسليم المطلوبين وانتقال الأشخاص

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

دونالد ترامب واعتبارات توقيت حسم القرار مع إيران… من أبوظبي إلى شِنجن

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

قراء معرض بنغازي ينحازون إلى الكتاب الورقي إقبال ملحوظ على دورته الخامسة بمشاركة 75 دار نشر من 10 دول

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.