«ليس هناك بالنسبة لي أروع من تحقيق هذا الحلم القديم.. سينما جوالة في البادية السورية والمحافظات الشرقية.. سينما من أجلهم وليست عنهم»، يكتب عمر ملص، المخرج والمصور السوري، على صفحته الشخصية قبل نحو شهر، وهو يُطلق المرحلة الأولى من «سينما جوالة».

المشروع الذي بدأ من مدينة تدمر بعروض سينمائية للأطفال، ثم انتقل بعدها إلى مدن وبلدات منها السخنة والكوم وقرية القصبي في ريف دير الزور الغربي على ضفاف الفرات. أسبوعان من الحياة والتجول في أماكن لطالما صُنّفت على أنها «نائية»، كانت تجربة فريدة وغنية وصادمة حتى في كثير من الأحيان.

يُعرِّف عمر السينما الجوالة، التي حصلت على دعم من مؤسسة «اتجاهات-ثقافة مستقلة»، على أنها «جولة سينمائية تقوم على تنظيم عروض مفتوحة في الهواء الطلق، تُتيح للأطفال والعائلات فرصة مشاهدة أفلام في بيئة تفتقر إلى الفعاليات الثقافية، مع التركيز على خلق أمسية سينمائية بسيطة ومباشرة تُعيد إدخال تجربة السينما إلى هذه المناطق البعيدة».

الجمهورية.نت التقت عمر بعد عودته إلى مستقره في دمشق، وتحدّث إلينا عن فكرته القديمة التي بدأت اليوم بالتبلور والتحقّق، وآفاقها وتحدياتها.

كيف بدأت فكرة المشروع؟

منذ زمن طويل أحلم بهذه الرحلة. عام 2009 وحينها كنت عائداً من فرنسا، أخرجت برنامجاً وثائقياً مع تلفزيون أورينت، وضمنه صوّرنا في دير الزور والحسكة والقامشلي والبوكمال. خلق لدي هذا العمل فضولاً كبيراً نحو هذه المناطق ورغبة بالعودة إليها والعمل فيها، لكن مع اندلاع الثورة انقطعنا تماماً عنها مع استحالة الذهاب والمخاطر الأمنية التي قد تترتب على ذلك، فبالنسبة لنظام الأسد لم يكن مسموحاً تنفيذ أي نوع من الأنشطة الثقافية خاصة عندما نتحدث عن مناطق ثارت عليه وخرجت عن سيطرته، ولعل الفعاليات الوحيدة التي كان مُرخَّصاً لها بالفعل هي الاجتماعات الحزبية، ولغة القوة والعنف.

الآن أعود لتحقيق الحلم.

قدّمت للحصول على منحة من مؤسسة «اتجاهات-ثقافة مستقلة»، وقررنا بعد الموافقة عليها أن تكون العروض أفلاماً سورية للأطفال، ففي رأيي لن يكون من المفيد عرض أفلام تحكي مثلاً عن الثورة السورية في هذه المناطق المشبّعة بذكريات الحرب، والأفضل أن نتوجه للطفل وهو من الفئات الأكثر تضرراً من العنف المتراكم. ساعدتني المنحة على شراء المستلزمات، وعلى رأسها جهاز العرض وقماشة كبيرة ومُكبّر صوت وبطارية متنقلة، كما ساعدت على استئجار سيارة ودفع تكاليف الوقود. ودعمتني كذلك مبادرة «حجرة ورقة مقص» الثقافية في بعض التكاليف.

بمساعدة أحد الأصدقاء انطلقنا من دمشق إلى تدمر، ثم بدأنا باكتشاف مناطق وقرى في البادية وعلى ضفاف الفرات. نصل إلى إحداها، نتعرّف على الأهالي ونخبرهم عن مشروعنا ونبني معهم بعض الثقة، ثم ننصب شاشتنا ونبدأ. صرنا نعرض أفلاماً سورية موجّهة للأطفال لمخرجين منهم: ديمة نشاوي، وسامر عجوري، وعامر برزاوي، وبعدها مقاطع لشارلي شابلن، وميازاكي، وأفلام رسوم متحركة مثل توم وجيري، أو حسبما يرغبون. في قرى الفرات عرضنا أفلاماً لعمر أميرالاي ومقاطع لموسيقى الربابة، وكان هناك حضور نسائي لافت.

ما أكثر المشاهدات التي أثرت بك؟

تجوّلتُ ضمن مساحات شاسعة يعيش فيها آلاف الناس متروكين لمصيرهم وسط الدمار، وأطفال لا يجدون ما يلعبون به سوى مخلفات الحرب والقنابل العنقودية، ورجال مبتورو الأطراف بسبب الألغام. ولم أرَ حضوراً واضحاً للمؤسسات الحكومية أو الأممية، ولا لأيٍّ من المنظمات. فوجئت بحجم الدمار الهائل والإهمال في مدينة دير الزور، وكيف يعيش الناس في مساحات محدودة. مع ذلك، لاحظت أن الأهالي مُصرِّون في مناطق عدة على أن يعودوا لترميم منازلهم وإصلاح بعض البنى التحتية الأساسية كالمدارس والمستوصفات وإضاءة الطرقات، بجهود أهلية تماماً.

في بعض القرى، لم يكن جهاز العرض غريباً عن الناس، لكنهم عرفوه ضمن سياق مختلف جداً: حين كان تنظيم الدولة يجمعهم لعرض أفلام عن «الدولة الإسلامية وقوتها»، ويستغل ذلك لتجنيد الشباب وتوزيع المنشورات، وكانوا يطلقون على الجهاز اسم «الراشق».

وعموماً، لاحظت أنّ الأطفال في حالة فوضى ونشاط مُفرط، فهم معظم الوقت غير قادرين على الجلوس لوقت طويل، ويقضون أغلب فترة العرض وهم يتدافعون ويتشاجرون. كانوا مبهورين بالضوء والشاشة وهم يكتشفونها لأول مرة، وعرفت أن مهمتي هي أن أخبرهم أن السينما يُمكن أن تَعرض لهم أشياء جميلة، وأن أسعى لتهدئتهم وأن نعيش معاً بعض الوقت من السلام والمحبة. أمّا مع المراهقين، فلم يكن الأمر سهلاً أيضاً، إذ قد يتحول العرض إلى حالة من الفوضى، وكان بعضهم يريد أن يصوّر أو يبث تسجيلاً مباشراً عبر مواقع التواصل.

بذلك أدركت، يوماً بعد آخر، أن المهم ليس ما أعرضه، بقدر أهمية النشاط في حد ذاته، وأن يعرف الناس أن هدفي لا يقتصر على عرض الأفلام لمدة ساعة ثم المغادرة، فهناك عمق آخر يتعلق بالتواصل وبناء العلاقات على المدى الطويل، وهو ما سعيت جاهداً لفعله في كل مرة. لا أخفيكِ بأن العديد من الأصدقاء كانوا متوجسين قبل أن أنطلق في رحلتي، وخائفين على سلامتي، وكأنني ذاهب إلى المجهول، وأنا بالفعل لم أكن أعرف ما ينتظرني، لكنني لم ألقَ إلا كل ترحيب وتفاعل بشكل مذهل.

وهنا أريد أن أنوه إلى أنني لم أهتم كثيراً بتوثيق رحلتي بنفسي، واكتفيت بالتقاط بعض الصور ومقاطع الفيديو، فليس هدفي على الإطلاق أن أصور فيلماً عن هذه المناطق وهؤلاء الناس، بل على العكس، أنا أريد أن أصوّر العالم وأحضره إليهم.

ما هي أصعب اللحظات، وأيُّها الأجمل؟

في كثير من الأيام اضطررت إلى النوم في السيارة، إذ لم أرغب بأن أفرض حضوري على أي شخص، رغم أن الجميع، ومع أنهم غرباء عني، كانوا يُصرِّون على استضافتي في منازلهم وقضاء الليل معهم ومشاركتهم طعامهم. كذلك لم يكن الحصول على الوقود أو المياه النظيفة أمراً يسيراً على الدوام، وهو ما جعلني أُدرِك حجم الصعوبات التي يواجهها الناس في تلك المناطق التي تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية.

أمّا أجمل العروض التي ستبقى عالقة في ذاكرتي طويلاً، فهو حين كنّا في إحدى القرى الفراتية، وعرضنا فيلم «محاولة عن سد الفرات» للمخرج عمر أميرالاي، وتحوّل العرض إلى سهرة جمعت نساء القرية وكبار السن فيها، وكان هناك أشخاص يتابعون الفيلم حتى من بيوتهم. شعرت حينها بعظمة الحضارة المبنية على ضفاف هذا النهر وبمدى أهمية دير الزور والرقة وبحجم الإهمال والصور النمطية التي تعرّضت لها هاتان المحافظتان خلال عقود. اليوم صورة سوريا وهويتها مشوَّهتان وهو ما علينا أن نعيد النظر فيه والعمل عليه بشكل جدي.

ما هو أفق المشروع؟

أعتبر أن هذين الأسبوعين هما مجرد البداية. فاليوم صارت لدي المستلزمات الأساسية لتكون الجولات دائمة، وسأسعى للحصول على تمويل لرحلات قادمة، إذ إن الفكرة ليست في أن أُمضي فقط بضعة أيام أو أسابيع، وإلا سأكون «متل اللي عم يضحك على حاله»، فهذا المشروع للناس أولاً وأخيراً.

أحلم بأن يصبح لدي كرفان متنقل يجوب كل سوريا، ويتوقف في محطات مختلفة لنعرض أفلاماً وننظم أنشطة للأطفال والكبار على حد سواء. لمَ لا يمكننا مثلاً أن نستأجر حافلة كبيرة لنذهب في رحلة مع أطفال السخنة كي يلعبوا في مكانٍ خالٍ من الألغام ومخلفات الحرب؟ أحلم بذلك فعلاً.

هل ترى أن عملك هذا يساعد في تحقيق ولو جزء بسيط من العدالة؟

بكل تأكيد هناك أثر لما أقوم به، لكن هل هو كافٍ؟ طبعاً لا. فأنا أفعل ما أُتقنه فقط، وهذه المناطق تحتاج إلى كل أنواع الدعم. أنا أدعو كل السوريين اليوم لزيارة الرقة، وتدمر، ودير الزور، ومساندة أهلها ودعم اقتصادها. صحيح أن الناس يفضّلون السياحة في مناطق «مرفّهة وغير مدمرة»، لكن هذا واجبنا اليوم، فأهم مدن سوريا «على الأرض»، وإعادتها للحياة تتطلب منّا جميعاً جهداً استثنائياً، كلٌّ في مجاله.

أمّا العدالة بالنسبة لهذه المناطق وأهلها، هي أولاً وقبل كل شيء، محاسبة كل من دمّرها، وعلى رأسهم نظام بشار الأسد. العدالة أيضاً أن نعيد الاعتبار لها ولكل التنوع فيها وأن نفخر بها مجدداً، بعد عقود من التهميش والتنميط المسيء.