-
-
..كريستينا كغدو،.. لميس الأزعر
-
وُلد هذا النص بإلحاح من الموت في أوقاتٍ كنّا نتجاهل فيها الحديث عنه ونلجأ إلى انهياراتٍ فرديّة في وحدة تجنّباً للتعامل مع ثقل الكلمات التي قد تختزل فقدنا الشخصيّ والعام.
ما كنّا نظن أنه تجنيبُ الآخرين والأخريات الألمَ بالصمت والتجاهل، صار مساحة للشعور بآلام أشدّ وطأة مع العزلة ومحاولات التظاهر والادعاء بأننا متماسكات وماضيات قدماً.
في ليلةٍ ثقيلةٍ أخرى، جلست لميس أمام لابتوبها وفتحت ملف (google docs) في محاولة لتغذية مساحة حديثٍ وجاهيٍ مفتوحة مسبقاً مع كريستينا، كتَبتْ ما قُدّر للغتها أن تصفه، خطرت لها الفكرة المكررة التي تؤرقها، اللغة محدودةٌ وقاصرة، رغم ذلك تمسكت بنيّة محاولة كسر العزلة، فشاركت الملف مع كريستينا في دعوةٍ خجولة للتواجد معاً في هذه المساحة، أغلقت اللابتوب برضاً تام، أيّاً كان الرد الذي سيعود إليها.
في اليوم التالي وجدت كريستينا إيميلاً بإشعار عن الملف المفتوح والذي كان على وشك أن يضيع في زحمة إيميلاتٍ أخرى كانت تراها كمطالباتٍ مستمرّة بأنّ الحياة ماضية؛ مطالباتٍ بالتظاهر بأنّ ألم الفقد يمكن أن يختفي بمجرّد وضعها لصقة جروح صغيرة ملوّنة بقلوبٍ زهريّة صغيرة على مواضع وجعها. كانت تراها عنيفة في وقتٍ كانت بحاجةٍ فيه إلى بطءٍ يُمكِّنها من اختبار أمواج المشاعر المختلفة كما تأتيها. كان الإشعار الآتي من حساب لميس دعوةً للتمرّد على كلّ هذا وخلق مساحة صادقة للبوح، فاستجابت.
ل. تمّوز (يوليو) 2025
يُوغل هذا الموت المكثّف يده في قلبي كلّ يوم، يشدّه نحو الأسفل، أشعر بثقله، يودّ لو يسقط لولا ما يعاود حمله من أيادٍ خفية بعيدة وقريبة. أقضي الساعات التي كنت أود تخصيصها للراحة والتواصل مع شريكي في النكش في هذه الأسئلة، يُذكرني بصبرٍ وحذرٍ بما فعلناه تجاه هذا الموت وأنه أقصى ما بإمكاننا من موقعياتنا ومع أدواتنا.
أَسكت.
تعود رحى الوجع تطحن قلبي مجدداً بعد وهلة قصيرة، لأعاود الغرق والاختناق تحت وطأة كمٍ هائل من الأخبار الموجعة من أقرب الأماكن جغرافياً إلى حيث أتواجد.
يُلحّ عليّ الموت
كثافة الموت
أفكر في الحضور الفيزيائي للموت، الصورة الأقرب في ذاكرتي، من عام 2018 حين عدت من زيارة إلى الكرك، ومات زوج عمتي حال وصولي إلى عمان، كنّا على مسافة ساعات، كنت قد رأيته منذ قليل، حدثته وأخذت منه وعداً بمسارٍ إلى جبال الكرك في المرة القادمة، غريب جداً هذا الشعور، أن يستوعب العقل معنى موت وغياب من رأى فيه وجه الحياة قبل قليل.
مازالت ساعات فقط تفصلني عن كل مدينةٍ يجتاحها الموت في كل لحظةٍ أتمكن فيها من سحب الهواء إلى رئتي متخيلةً موت أحدهم في ذات اللحظة، بكل استسخاف أُحدّق فيما يخنقني، وأفكر فيما يُمكن أن أمنحه للطفل-ة الذي أفكر في إنجابه-ا.
ك. آب (أغسطس) 2025
يُمكن أن تمنحيه حياةً كاملة بكلّ ما تحمله من ألم وجمال ولحظات أمل يصعب رؤيتها الآن، فهي مدفونة تحت ركام، ما من آلةٍ يمكنها إزالته، وما من نفْسٍ قادرة على رؤيته، دون أن تنكسر مئات المرّات كلّ يوم.
التحديق في ثقل الموت، أو القتل، ليس بفعلٍ سخيف. إنّه تأكيد على وجودِك وتشبّثك بالعيش. قرأت قبل يومين أن اللغة تسجن الأفكار، لأن التجربة البشريّة أوسع من قدرة الكلمات على وصفها. لذا نعيش الكثير ونربط الكثير دون القدرة على تسميته. أُحبطّت. لم تعجبني هذه المحدوديّة. بعدها بيوم، كنت في جزيرة في احتفالٍ محلّيّ بعلاقة سكّانها بالبحر. توقّفوا خلالها لدقائق ليتذكّروا أهل غزّة، أهل البحر ذاته. بعدها بقليل أطلقوا الألعاب الناريّة. لثوانٍ، قلت في نفسي أن عليّ الهرب دون أن أُسمّي السبب، وقبل أن أُفكّر به حتّى تجمّد جسدي وعرقت يداي وتسارعت دقّات قلبي. تخيّلته سينفجر في أي لحظة. لم ينفجر. لكن دموعي انفجرت. سمعت فجأة صوت سيّارة إسعاف، شعرت بالأرض تهتزّ تحت قدمي من هول صوت الألعاب المتفجّرة في السماء. شعرت بنفسي أركض من المكان ونفسي لا يكاد يساعدني على الحركة. فجأة جلس جسدي المرتعش على حافّة الطريق. لا أذكر سوى حركة أقدام الناس من حولي ويد صديقتي على كتفي. فقدّت القدرة على التكلّم والتفكير. كان البكاء وسيلتي الوحيدة للتعامل مع هذا المشهد. ثم شرب الماء والتنفّس. ثم مواصلة المشي ببطء. كانت ليلة سرياليّة. في صباح اليوم التالي، تذكّرت أنّي لم أركض فعلاً، فقدماي كانتا ثقيلتين. استرجعت شريط «حفلة» المشاعر. استسخفت نفسي لدقائق؛ من أنا لأشعر بكلّ هذا ولم أشهد لحظة قصفٍ مباشر في حياتي؟ تداركت مخّي المتخبّط، رحمت نفسي وتذكّرت أنّ الكلمات سجن وأن تجربتي مع الموت أوسع من قدرتها على وصفها، فلا بدّ لجسدي أن يُعبّر عنها بطرقٍ يجدها ملائمة ليبقى على قيد الحياة. لنبقى على قيد الحياة.
ل. آب (أغسطس) 2025
هل سنتوقف يوماً عن استسخاف أنفسنا وتجاربنا ومشاعرنا في خضمّ كل ما نعيش؟ لا أظن ذلك. في الوقت الذي أستطيع فيه بكل ما فيّ أن أحمل ثقل وعبء وجع الآخرين، وأعطيه حقه من مشاعري وجسدي ونفسي، لا أستطيع منحي ذات الشيء، أو المحيطين فيّ، ممَّن لم نشهد القصف المباشر، من لم نرَ الرصاصة تمرّ أمام عيوننا، من لم نرَ الجثث المتفحمة، أو التي أكلها الدود قبل أن تصل إليها الأيادي الحية لمواراتها التراب.
عقدة الذنب هذه تأكل قلوب الكثيرين منّا، ننظر إلى تجارب بعضنا ومآسينا ونحدق بكل قسوة ونقول: من تظن نفسها لتتحدث عن الموت؟ من تظن نفسها لتصف وجعاً تشعر به؟ من تظن نفسها لتسأل أسئلة العافية والتشافي؟ من أين لها هذا الاستحقاق؟! وندرك أو لا نفعل أن تلك القسوة التي نصبها فوق رؤوس بعضنا هي ذاتها التي نصبّها فوق رؤوس ذواتنا، أو نفعل، وبعضنا وذواتنا واحدٌ لو نتأمل للحظة، نحن هذا الجسد الكبير الذي ننكره ونريد أن نكونه بذات القدر.
في جلسةٍ حول الموت والشقوق التي نجدها للعيش، غرقتُ في عاري، حدّقت في ركبتيّ الظاهرتين من الفستان الذي أرتديه، في نور الشمس الذي يغمر المكان الذي أجلس فيه، في شعري الذي ما زال مبتلاً من استحمام الصباح، في أظافري المطلية بعناية مع لمعانٍ خفيف للّون اللؤلؤي الذي اخترته، وشعرت بالذنب على كل هذا وأكثر.
طُلبَ منّا أن نرسم ما يرد في رأسنا عند التفكير بالموت، رسمت قلباً بحبلٍ يشده بعنفٍ نحو الأسفل، لم أستطع أخذ نفسي بجديّة، طويتُ الورقة لتبدو صغيرةً جداً في كفّي، آملةً أن تختفي والشعور الذي تحمله إن فعَلتْ، ثم بدأتُ أسرح في خيالي، حملني الخيال بعيداً، أو قريباً، هي ساعاتٌ فاصلةٌ في النهاية، تخيلت الرجل الذي يعيش حياته من أجل حفر النفق ويموت، ثم ذاك الذي ألصق العبوة على ظهر الدبابة واستشهد في اليوم التالي، السيدة التي ماتت فوق كيس الطحين، رأيت صورتها تجمع اللايكات والتعليقات المليئة بالتحسّب والدعاء، الأطفال ذوي العظام البارزة جوعاً، تذكرت الأب الذي رأيته في فيديو ينادي أولاده، ويُساءل طفله لمَ لم يعتنِ بأخواته؟ طفله الذي ما زال يبحث عنه أيضاً! تذكرت كيف كان يقول «يابا» بصوتٍ قريبٍ جداً من صوت والدي، نحافته وطريقته في الحديث، كلها تشبه أبي، ما الذي يعنيه هذا البحث عن الشبه في ما يصلنا من مآسٍ عبر الشاشات؟ هل نتوق لنكون تحت الركام، هل سيكون أسهل، هل من الطبيعي أن نسأل هذا السؤال الحقير؟
عدتُ إلى القاعة، فوجدتني جالسةً في مجموعةٍ صغيرة تتحدث فيها إحدى رفيقاتي عن فقدان والدها، وكل ما فقدته معه، سرحتُ مرة أخرى، تلوتُ على نفسي كل أفكار استسخافي لذاتي التي لم تذُق موتاً قريباً بالمعنى الجغرافي والعاطفي، كسورةٍ حامية من إعطاء مشاعري قيمتها، لا يُمكن أن يحصل هذا، عاندتُ نفسي لأعود إلى المكان، لأجدني أطلب من رفيقتي ألا تحبس الدموع التي لمعت في مقلتيها، سخرتُ مني في رأسي مباشرةً، لتعيد سخريتي مني بصوتٍ عالٍ رفيقةٌ أخرى تجلس بجانبي! «شوفوا مين بحكي».
عدنا لنتشارك في المجموعة الأكبر، وعدتُ محمولةً بالعار والاستفزاز من كل كلمة، سمعت الأخريات يتحدثن عن أساليب استكمالهنّ للحياة، العناية بالجسد، بالأظافر، البكاء، ساعة عزاءٍ صباحية يوميّة غير مقصودة لكنها صارت روتيناً. المخدرات، كم هو خيارٌ ممتاز وبديلٌ أبطأ عن الانتحار السريع أو الجنون البطيء، لم يفارق الرجل حامل البارودة رأسي، وجهه مُغبر، ربما استطاع أن يحلق رأسه، لكن ملابسه بالية وعادية، هل يفكر في المخدرات كحلٍ للنجاة؟ أم أن حمله للبارودة وقدرته على الفعل لا تُحيله إلى هكذا سؤال أو إجابات؟ ربما يبحث عن الطعام أولاً للنجاة! ما موقعي -نا من هذا؟
غرقت في العار، العار والمزيد منه، أعرف كيف نتشبث بالحياة نحن جميعاً أنا والرجل وكل من في هذه القاعة والآخرون في الشارع المحاذي وأولئك في قلب الحصار أو الجوع أو الإبادة، لكنني لا أريد أنا أكثرهم -نَّ امتيازاً أن أتحدث عن كيف أنجو وأكمل، لكنني لا أريد أنا، أكثرهم -نَّ امتيازاً أن يُكبلني الألم عن العمل، أريد أن أتعافى، حقاً أريد أن نتعافى، كيف نتعافى إذا تعافيت وحدي، بعضنا وذواتنا عادت أضخم، الجسد الكبير، فكرت بكليشيه محفوظ، كيف أداوي العضو والآخر كليم؟ كيف لا يتداعى سائر الجسد له بالسهر والحمى؟ السهر والحمى تعني ألا يتعافى جزء من الجسد، أن يسهر ويُحمُّ إلى أن تحل العافية على كامل الجسد، علّها تحلّ، هل تحلّ يوماً؟ بكيت حين ذهبت إلى منزلي، لم يغسلني البكاء من عاري، حملت عاري ومشيت به أعيش بقية الأيام، أبحث عما يمكن عمله، وعما سأجلبه على الطفلة-ة الذي سأنجبه-ا.
ل. تشرين الثاني (نوفمبر) 2025
أرثي في هذا النص القصير موت البطء، البطء الذي يَسِمُ الحياة في حقيقتها الأصيلة، العام الماضي تعلمت هذا من مراقبة البرتقالة في باب منزلي، تتشكّل هذه الثمرة على مهل، ورودها تظهر في الربيع مع بدايات العام، وثمارها تتشكّل وتخضرّ طوال الأشهر اللاحقة، لتنضج وتبدأ بالتساقط عن الشجرة مع نهايات العام وخريفه، تأخذ هذه الشجرة كل الوقت الذي تحتاجه من أجل النمو والنضج والتشكل، وكذا كل ما في المحيط، السماد يتشكل على مهل، الدودة تحفر الأرض على مهل، الموت يتملّك القلب على مهل، والغيمة تعبر السماء على مهل، وكذلك تتشكل المطرة فيها على مهل.
أمّا نحن البشر الغارقون في الحضارة الزائفة، فقد اخترنا الانفصال عن هذا المحيط، لنشدّ في ركضنا، حتى تصير كل العناصر التي تُشكّل حياتنا منتجاً يُشترى ويُباع، هذه ليست الاستهلاكية وحدها بل هي السرعة التي تُرافق هذا الركض المحموم، وهكذا يتحول الميت فيّ إلى صورةٍ منشورة، أراها خمس ثوانٍ، أشاركها على ستوري في أقل من خمس ثوانٍ أخرى، وتنتهي صلاحيتها بعد أربعٍ وعشرين ساعة، على الإنترنت، بينما تنتهي صلاحية الشعور المرتبط بها بعد ثواني النشر تلك، هناك لحظةٌ فاصلة بين التعاطف العميق والتبلّد، لم أدركها حين مرّت، لكنّني أدركت الفرق بعدها، الحزن السريع الرقمي استُبدل بآخر أعمق وأكثر التصاقاً.
الموت الرقمي، الموت في صورة، الشعور الرقمي، الشعور في خوارزمية، الحزن الرقمي، الحزن في كود وأرقام، كل هذا يُشكّل ذاكرة جماعتنا، وكيف تُصبح السرعة والاستهلاكية والرقمنة، أداة من أدوات قتلها، إن العمل على قتل الذاكرة أحد أهم أدوات الاستعمار والاحتلال ضدنا، ربما يحملني كل هذا على رثاء ما فقدنا من ذاكرة.
مظهر النصر وشعوره في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، مشهد التحرير المحتمل، الأكيد، أسماء شهدائه وشهداء ما بعده، مشهد الصواريخ الإيرانية، وصور شهداء وشهيدات لبنان وعويل أفراد أسرهم، أرثي كل ما ينزّ من رؤوسنا نحو العدّ لصالح الخوارزمية والسرعة والمعاصرة، أرثي كل ما ينزّ من قلوبنا من إيمان، لصالح الآراء المتدفقة والتشكيك المستمر والعمل الضخم الذي تقوم به الدبابات الفكرية والمعاهد الإعلامية، ولصالح كل التفرقة المدروسة الممنهجة المكررة المتوارثة بكل أدواتها، أرثي هذا الفقد الجماعي، بينما أغبط كل من لا يُعانيه، كل من سيحمل نير المقاومة حتى النهاية لأنه محصّن رأسه وقلبه.
ك. تشرين الثاني (نوفمبر) 2025
لا أدري إن كانت تلك المظاهر والصور والأصوات والمشاعر المرافقة لها قابلة للنسيان. أعرف كثيرين وكثيرات خزّنوها في أجسادهم وتحت جلودهم ويسمعونها في صرير أسنانهم ليلاً حين يستيقظون من شدّة الألم المحسوس وغير المرئي. الفقد يُطالب بالرأفة، يستنجد بها يوميّاً ليُرى وإن تلاشى بالظاهر خلف ومضات هستيريا الاستهلاك والهرولة المستمرّة بحثاً عن المعنى. فهو حاضرٌ طوال الوقت، قد نعيه أو لا نعيه، قد نُسمّيه أو لا نُسمّيه، لكنّه رفيقٌ واسع بعظمته وغموضه ومواظبٌ على السير يداً بيد مع الرغبة في العيش مهما سُطِّح وأُنهِك وسُلِخ عن معانيه.
قد لا أرثي الذاكرة، لكنّي أضمّ نفسي إليكِ في رثاء البطء. أفتقده، أبحث عنه، أمسك به للحظات وفي اللحظة التي أغفل فيها عنه، ينساب إلى اللامكان. وفي كلّ مرّة أشعر بفقديْن؛ فقده هو والفقد الذي لا متّسع له في يوميّاتي لأعيشه وأرعاه ليتنفّس. أبحث عنه في كلّ مكان، في صحوتي ونومي. استيقظت البارحة من حلمٍ «لعبج» كياني. أقمت فيه عزاءً لعمّي الراحل في بيت الطفولة في قدسيّا، على أطراف دمشق. كان العزاء في المطبخ، في رحم ذلك المسكن المرتبط بالحب والسكينة والكثير من الجمعات العائلية في الأفراح والأتراح. كانت جدّتي شكيبة، أو تيتي شوشو كما كان يسمّيها عمّي، تقلي «الحلفا» التي كانت تجمعنا على مائدة واحدة في كلّ عيد أم. لكنّها كانت تخرج من الزيت الحامي على شكل سمبوسك من تلك المجمّدة المرميّة في ثلاجات الدكاكين لأشهر. تلك التي لا طعم لها ولا نَفَس فيها. كنت ممتعضة جدّاً منها في الحلم. كان المطبخ يعجّ بأقارب يثرثرون ويضحكون ويأكلون بلا توقّف. صرخت فيهم؛ كفى! يجب أن تأكلوا في أوقات محدّدة لأنّي أرغب بوقت أبكي فيه على باسل. لم ترافقني في الحلم إلا صديقتي عائشة التي كانت حاضرة وحاضنة محاولةً إقناعي بالتحوّل بألمي والعبور من خلاله إلى ضفّة مجهولة في نفسي بالكتابة.
استيقظت حزينة ومشلولة، فمي جافٌ مثل جلدي، وأتساءل؛ من سيموت اليوم؟ أين أجد البطء لأعرف؟ ما الذي مات فيّ خلال هذا العام وماذا سيولّد الفراغ الذي خلّفه؟ ما الذي يفرّغ الموت من معانيه؟ ولمَ تحوّل الحداد في حيواتنا إلى سمبوسك مجمّدة لا طعم لها ولا نَفَس فيها؟ كيف أكتب فقدي يا عائشة؟ ما الكلمات التي قد تصف جفاف مسام جلدي بعد أن حُبِس فيه وتسرّب إلى كلّ عظمة وخليّة في جسدي؟ كيف أكتب شلَلِي؟
ك. تشرين الثاني (نوفمبر) 2025
وجدتها يا لميس، وجدتها! أو بالأحرى أحسّست بها تسري في قصباتي الهوائية مع كلّ توسّع لضلوعي خلال تمرينٍ جديد كانت تقودني فيه معالجتي الفيزيائية التي ترافقني منذ أشهر في رحلة تحريري من تشنّجات يعتقد جسدي أنه يحميني بها من أوجاع الأرض ومآسيها. مع كلّ نفس كنت آخذه والشمس تلعب على جفوني المغمضة، كانت الإجابة تتّضح؛ أنفاسي هذه امتدادٌ لأنفاس من راحوا ومن نجوا؛ القريبين منهم والبعيدين ممَّن سكنوا في جسدي وكوابيسي وآمالي. شعرت برغبة شديدة بالبكاء لكن الشمس جفّفت دموعي قبل أن تنهمر كعادتها في هذه الجلسات. سألتني المعالجة؛ أأنتِ بخير؟ هززت رأسي بنعمٍ صامتة وأنا أشعر بقوّةٍ وثباتٍ نابعيْن من هشاشة لم أحسها في جسدي منذ فترة. بدأت مخيّلتي تزخم بمشاهد نساء ورجال، كبار وصغار، من أزمنة وأمكنة مختلفة يسيرون جنباً إلى جنب، وأنا معهم، وسمعتُني أقول لنفسي إننا سننجو معاً.
هكذا سأكتب فقدي؛ سأظلّ أصمتُ في حضرته لأُصغي إلى ما يبوح به عن الحبّ الذي يلحم الماضي بالحاضر، والمألوف بالمجهول، والموتى بالأحياء. سأُنصت إلى صرخات الأرض والحقيقة التي لا يعرفها إلا من قُتِلوا من أولادها وبناتها. سأستكين إليه كلّما أتى إليّ بحكمةٍ عمّا يُحييني ويُحيينا أو بقصّةٍ تذكّرني بالحقيقتيْن المُطلقتين الوحيدتيْن. سأقبل بما يُغيّره من توليفات وجوديّة وأسمح له بأن يجد مسكنه في ذاكرتي. سأراقبه برحمة وهو ينساب في تعابير قد لا تفيه حقّه، وسأسمحُ لها بالعيش خارجي لتربطَني بخيوطٍ شفافة مع التائهات والتائهين البطيئين أمثالي وأمثالك، لأنّ لا نجاة إلا في «معاً».
بردت جفوني فجأة بعد أن انتظمت وتيرة اتّساع صدري. استنتجت أنّ الشمس اختبأت في مكانٍ ما، بعد ما اعترفت في سرّي أني لا أرغب بتسلّل الخوف إلى نفَسي وأنّ جسدي يستحقّ الحرية؛ الموت لم يزره بعد، لذا أريد له أن يكون في عالم الأحياء. ثمّ فكّرت بالطفل -ة (العايش-ة) في تساؤلاتك وبها؛ ورأيتهما امتداداً لنا، لأولئك الذين سرتُ معهم في مخيّلتي، لصاحبات وأصحاب الذاكرة الحيّة الذين تربطنا بهم خيوطٌ قد تكون هشّة أحياناً، وكلّ من نتشارك معهم الرغبة في نفسٍ حر كريم، قد يرتقي أحياناً ليكون بوسع الفقد.
-
