ملخص
بينما تتعثر بريطانيا في إعادة بناء علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، تتقدم كندا سريعاً نحو شراكة غير مسبوقة مع بروكسل. تقارب يهدف إلى تقليص الاعتماد على واشنطن ومواجهة روسيا والصين، وقد يقدم في الوقت نفسه نموذجاً لبريطانيا، إذا حسمت لندن شكل العلاقة التي تريدها مع أوروبا.
كما هي حتمية أن الليل يعقب النهار، كان من الطبيعي أن تثير الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البرلمان الأوروبي، رد فعل غاضباً من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
فمباشرة بعدما فتحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الباب الأوروبي أمام شراكة أوثق مع الحليف الأكثر توافقاً في الرؤى عبر الأطلسي، قال الرئيس الأميركي للصحافيين مساء الأربعاء الماضي إنه سيفرض “رسوماً جمركية صارمة للغاية” على أوروبا، “أو يوقف التجارة معها”، إذا ما رأى أن حصول كندا على صفة عضو شريك في الكتلة الأوروبية يشكل “تهديداً” للمصالح الأميركية.
لكن فون دير لاين استبقت الرد الأميركي، وأوضحت أن هذه الشراكة لا ينبغي أن تعد “موجهة ضد أي طرف آخر”. لكن كلامها لم ينجح كثيراً في إخفاء تحول أوسع نطاقاً يتمثل في نشوء تحالف غربي جديد، من دون الولايات المتحدة، لا يقتصر هذا التحالف على تعزيز التعاون الدفاعي والعمل تدريجاً على تقليص الاعتماد على واشنطن، بل يمتد أيضاً إلى تعميق الاندماج بين اقتصادات دوله.
إلا أن رفع مكانة كندا إلى مستوى عضو شريك في الاتحاد الأوروبي أثار مشاعر استياء لدى البعض في المملكة المتحدة. ففي وقت لا تزال فيه بريطانيا تكافح لإعادة ضبط علاقاتها مع الكتلة، كيف تمكنت كندا من انتزاع اتفاق مع بروكسل بهذه السهولة؟
يشار إلى أنه على مدى أشهر، ظلت المملكة المتحدة عالقة في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في شأن معايير الصادرات الزراعية وبرنامج التنقل الشبابي بين الجانبين، بينما يبدو أن كندا سبقت الجميع بخطوة وضمنت الحصول على علاقة خاصة.
أحد الدبلوماسيين الأوروبيين رفيعي المستوى قال لي: “نتشارك [مع كندا] المواقف نفسها من دونالد ترمب، ولا تثقل علاقتنا أي أعباء من الماضي”. إلا أن هناك أسباباً أخرى كثيرة تجعل توثيق العلاقات مع كندا مفيداً للتكتل الأوروبي، فهي توفر عامل توازن وتحوط، ليس في مواجهة الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً روسيا والصين.
وتتمتع كندا بموقع استراتيجي عبر القطب الشمالي قبالة روسيا. ومن شأن إبرام اتفاق أقوى مع أوتاوا أن يتيح للاتحاد الأوروبي مواجهة التهديد الروسي وتنامي الحضور الصيني في المنطقة القطبية، إضافة إلى التصدي لتهديد الرئيس الأميركي بضم جزيرة غرينلاند.
في المقابل، تمتلك كندا ثروة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة التي تحتاج إليها بشدة قطاعات صناعية حديثة كثيرة، لكنها تخضع إلى حد كبير لهيمنة بكين. ومن شأن الاستثمار المشترك في استخراج الموارد الكندية ومعالجتها، أن يحقق للطرفين فوائد متبادلة على المدى الطويل.
الأهم من ذلك من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، أن توسيع العلاقات مع كندا هو أسهل بكثير من التعامل مع البريطانيين. فالاتحاد يوسع علاقاته مع دولة لم تمض العقد الماضي من الزمن في مغادرة التكتل، ثم التردد والمماطلة في شأن مقدار ما تريد استعادته من علاقاتها به. وعندما سألت عما إذا كان بإمكان بريطانيا الحصول على اتفاق مماثل، جاء رد الدبلوماسي الأوروبي بالعبارة المألوفة: “لكنهم هم الذين قرروا المغادرة”.
ويبدو أن هناك انفتاحاً أوروبياً أكبر على التعامل مع كندا مقارنة بالمملكة المتحدة، ويعود ذلك جزئياً إلى الألم المستمر الذي خلفه الانفصال البريطاني الناجم عن “بريكست”، وكذلك إلى رغبة دفينة لدى بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في معاقبة المملكة المتحدة.
إضافة إلى ما تقدم، يسود شعور بأن بريطانيا تخوض مفاوضات شاقة، وتحاول استعادة بعض مزايا الوصول إلى السوق الموحدة من دون قبول الالتزامات الكاملة للعضوية. ويقول الدبلوماسي الأوروبي موضحاً: “إنهم يرغبون في إعادة ضبط العلاقات، لكنهم يريدون منا أن ندفع ثمن إعادة الضبط هذه. إذا كانوا يريدون الدخول، فعليهم أن يتعلموا قبول القواعد”.
على رغم أن شروط الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وكندا ما زالت غير واضحة، إذ لا يوجد إطار قائم يدعم صيغة “العضو الشريك” (associate member)، فإن اتجاه هذا المسار يبدو حتمياً ومؤكداً. ويقول دبلوماسي تحدثت إليه: “نحن نتفق مع الطموح الذي تنطوي عليه العضوية الشريكة لكندا، وفي ما يتعلق بالصياغة يمكن إعادة النظر فيها”.
أما كندا فتسعى من جانبها إلى ترتيب محدود وأكثر مرونة “لإنشاء فضاء مشترك للازدهار والأمن الاقتصادي”. وقد قال رئيس وزرائها كارني إنه يبحث عن “تحالف فريد من نوعه”، وليس عن عضوية.
وفي استعراض لبعض المبادرات المقترحة، قالت المفوضة فون دير لاين: “سننشئ تحالفاً تكنولوجياً. وسنقوم بدمج القواعد الصناعية الدفاعية. وسنجعل من القطب الشمالي مشروعاً مشتركاً رائداً”.
من المفترض أن يكون بالإمكان أيضاً تطبيق نموذج مماثل على المملكة المتحدة. وقد يشكل ذلك فرصة لها. فمن الممكن أن تصبح كندا، بصفتها عضواً شريكاً – أو أياً كانت التسمية التي ستطلق عليها في نهاية المطاف – نموذجاً يمكن للندن الاقتداء به.
وأكد الدبلوماسي الأوروبي لاحقاً أن المملكة المتحدة “لا تتعرض لتمييز”، لكنه قال إن عليها أن تقرر نوع التعاون الذي تريده معنا، وما هي مستعدة لتقديمه في المقابل.
كندا هي الأولى، لكن بريطانيا يمكن أن تكون العضو الشريك الثاني، إذا تمكنت فقط من تحديد ما تريده وطلبته بوضوح.
وأضاف الدبلوماسي: “أعتقد أنها مسألة سياسية، وأن [رئيس الوزراء البريطاني آندي] بيرنهام لا يمتلك الدعم الشعبي الذي يمكنه من تمرير أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي”. وكما يقال همساً إن سلفه كير ستارمر ربما كان يمتلك حظوظاً أفضل.
الرئيس الأميركي ترمب لاحظ تنامي العلاقات بين كندا والاتحاد الأوروبي، وبدا منزعجاً بوضوح من مظاهر الحفاوة والحماسة التي ظهرت في أوروبا، مع بدء دول كانت حتى وقت قريب تقع ضمن دائرة نفوذ واشنطن بالتحرر من هذا النفوذ والاعتماد على بعضها بعضاً بصورة متزايدة.
إن توطيد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وبناء تحالف أعمق، يظلان أمرين ضروريين للتعامل مع تحديات هي أكبر بكثير من خلافاتهما الداخلية. لكن لا بد أولاً من أن يلتئم الجرح، وأن تتضح رؤية بريطانيا لمكانتها في عالم آخذ في التغير.
© The Independent
