عصام الياسري… جريدة المدى
منذ أن انتقل الإنسان من حياة الجماعات المتفرقة إلى بناء المجتمعات المنظمة، برز سؤال جوهري: من يمتلك حق استخدام القوة؟ ولم يكن الجواب مجرد مسألة أمنية، بل كان الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة. فالدولة لم تنشأ لتحتكر القوة من أجل الهيمنة على المجتمع، وإنما لتمنع احتكارها من قبل جماعات متنافسة، ولتجعل القانون، لا السلاح، المرجعية العليا في تنظيم حياة المواطنين.
لهذا أصبح احتكار الدولة لاستخدام القوة أحد أهم أركان السيادة. فالحرب والسلم، وحماية الحدود، وإنفاذ القانون، ليست وظائف يمكن أن تتوزع بين مراكز متعددة، لأن تعدد القرار العسكري يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تعدد مراكز السيادة، وهو ما يتعارض مع فكرة الدولة نفسها.
غير أن التاريخ يميز بوضوح بين مفهومين كثيرا ما يختلطان في الخطاب السياسي: المقاومة الوطنية والميليشيا المسلحة.
فالمقاومة الوطنية تنشأ عادة عندما تتعرض البلاد لاحتلال أجنبي أو عدوان خارجي، أو عندما تنهار مؤسسات الدولة بحيث تعجز عن الدفاع عن الوطن، فينهض المواطنون للدفاع عن وطنهم. ولذلك ارتبطت المقاومة في الوعي الإنساني بفكرة التحرر الوطني، لا بمنافسة الدولة أو الحلول محلها. بل أصبح الدفاع عن الأرض والسيادة تعبيرا عن حق أقرته المواثيق الدولية في سياق حركات التحرر الوطني. ولعل خير مثال ـ الدافع الوجودي ـ الذي جعل المرجع الديني السيد علي السيستاني إصدار فتوى „الجهاد الكفائي” في يونيو 2014 لمقاومة اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمحافظة الموصل ومناطق واسعة من العراق لتعبر عن نداء وطني وشرعي لحماية البلاد من الانهيار.
أما الميليشيا المسلحة فهي تنظيم يحتفظ باستقلالية في القيادة أو القرار أو استخدام القوة خارج التسلسل المؤسسي للدولة. وقد تنشأ بعض الميليشيات في ظروف استثنائية أو استجابة لأخطار حقيقية، لكن استمرار أي تشكيل مسلح خارج الإطار الدستوري يطرح سؤالا يتعلق بكيفية صون وحدة القرار السيادي، بغض النظر عن دوافع نشأته.
اذن، الفارق الجوهري بين المفهومين، يكمن في الهدف والشرعية، والارتباط بالدولة أو الأمة: فالميليشيا المسلحة هي تنظيم يمتلك السلاح خارج البنية العسكرية الرسمية، ويحتفظ باستقلالية في القرار والقيادة والتمويل، وقد يفرض إرادته على الدولة أو ينازعها اختصاصاتها. أما المقاومة الوطنية فهي فعل دفاعي يرتبط بهدف محدد هو مواجهة الاحتلال أو العدوان، وينتهي مبررها الطبيعي بزوال ذلك الاحتلال أو بعودة الدولة إلى ممارسة سيادتها الكاملة.
وهنا ينبغي التأكيد على حقيقة كثيرا ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن القضية ليست السلاح في حد ذاته، بل الجهة التي تمتلك قرار استخدامه. فقد توجد تشكيلات أمنية أو عسكرية تنظمها القوانين والدساتير، وتحدد صلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات الاتحادية أو المحلية، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح قرار الحرب أو السلم، أو استخدام القوة، خارج المنظومة الدستورية التي تمثل الدولة.
وفي هذا السياق يثار سؤال يتردد كثيرا في العراق: لماذا يطالب بعضهم بحصر السلاح بيد الدولة، بينما تُثار تساؤلات حول أوضاع تشكيلات أخرى، مثل قوات البيشمركة؟
والإجابة، إذا أردنا أن نبني دولة لا أن ندير سجالا سياسيا، يجب أن تنطلق من المبدأ لا من الأسماء. فالدولة الحديثة لا تقوم على الانتقائية، وإنما على عمومية القاعدة القانونية. وإذا كان الهدف هو ترسيخ سيادة الدولة، فإن المبدأ ينبغي أن يطبق على الجميع دون استثناء، مع مراعاة ما ينص عليه الدستور من ترتيبات وصلاحيات، وما يقتضيه الحوار الوطني من حلول توافقية في القضايا الانتقالية. فالمعيار ليس هوية التشكيل أو خلفيته، وإنما خضوع جميع أدوات القوة لمنظومة قانونية واحدة، بحيث يكون القرار السيادي النهائي صادرا عن المؤسسات الدستورية المختصة.
إن الخطأ الذي تقع فيه المجتمعات المنقسمة هو أنها تناقش الاستثناءات قبل أن تتفق على القاعدة. فإذا تحول كل نقاش إلى مقارنة بين هذه القوة وتلك، ضاعت الفكرة الأساسية، وهي أن الدولة لا تستقيم إلا عندما تكون المرجعية القانونية واحدة، وعندما يشعر جميع المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع بالقدر نفسه.
وليس هذا الطرح جديدا في التاريخ. فبعد الحرب العالمية الثانية، حُلَّت أو دُمجت معظم تشكيلات المقاومة الأوروبية في المؤسسات العسكرية أو المدنية للدول التي تحررت من الاحتلال، لأن وظيفة المقاومة كانت مرتبطة بمرحلة استثنائية، بينما كانت وظيفة الدولة هي إدارة مرحلة السلم. وفي دول عديدة خرجت من حروب التحرير في آسيا وأفريقيا، ارتبط نجاح بناء الدولة بقدرتها على الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدستور، ومن تعدد القوى المسلحة إلى مؤسسة وطنية واحدة تتولى الدفاع عن البلاد وفق القانون.
أما التجربة العربية والعراق على وجه التحديد، فقد واجهت تحديات أكثر تعقيدا. فالاحتلالات، والحروب، والإرهاب، والانقسامات الداخلية، كلها أوجدت ظروفا دفعت إلى ظهور تشكيلات مسلحة في أكثر من بلد. لكن الدرس الذي تكشفه التجارب المقارنة هو أن استمرار هذه الأوضاع بوصفها حالة دائمة يضعف مؤسسات الدولة، ويجعل عملية بناء المواطنة أكثر صعوبة، لأن المواطن يبدأ بالبحث عن الحماية في الجماعة قبل أن يبحث عنها في القانون.
ومن هنا، فإن بناء الدولة لا يعني إلغاء تضحيات من حملوا السلاح دفاعا عن الوطن، ولا تجاهل الظروف التي أفرزت تلك التشكيلات، بل يعني إيجاد إطار دستوري وقانوني يضمن أن تكون جميع أدوات القوة جزءًا من الدولة، وأن يكون ولاؤها للدستور، وأن يصدر قرار استخدامها من المؤسسات الشرعية وحدها.
إن المجتمعات لا تنتقل من الصراع إلى الاستقرار عبر انتصار طرف على آخر، وإنما عبر اتفاق الجميع على أن القانون هو الحكم، وأن الدولة هي المظلة التي تحمي الجميع بلا تمييز.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه العراق، كما يواجه عددا من الدول العربية، لا يكمن في امتلاك السلاح، بل في بناء الثقة بالدولة. فعندما يطمئن المواطن إلى أن حقوقه مصانة، وأن القضاء مستقل، وأن القانون يطبق على الجميع، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالقوة خارج المؤسسات، ويصبح الانتماء للوطن أقوى من أي انتماء آخر.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر العربي والعراقي على وجه الخصوص اليوم ليس: من يملك السلاح؟ بل: كيف نبني دولة تجعل جميع المواطنين يثقون بأن السلاح لن يُستخدم إلا باسم القانون، ولحماية الوطن والمجتمع، وفق قرار سيادي واحد؟ لا إن يستعمل لإرهاب المواطنين لأسباب عقائدية أو سياسية أو مصالح شعبوية. ذلك هو الطريق الذي يبدأ منه مشروع الدولة، وتترسخ فيه المواطنة، ويصبح التنوير ممارسة سياسية وثقافية، لا مجرد شعار يُرفع في أوقات الأزمات.