تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • أين ذهب سود الارجنتين؟
  • مقالات رأي

أين ذهب سود الارجنتين؟

المحرر Editor 23 يوليو، 2026

.

عبداللطيف المناوي
عبداللطيف المناوي
المصدر: النهار

لن أخفي أن فوز المنتخب الأرجنتيني غير المستحق على منتخب مصر في كأس العالم كان دافعي الأول للبحث في تاريخ الأرجنتين.

قد تكون البداية كروية ومنحازة، لكن السؤال الذي قادتني إليه تجاوز كرة القدم سريعاً، كيف يبدو منتخب الأرجنتين خالياً تماماً من أي لاعب أسود، في قارة كان للأفارقة الذين خُطفوا واستُعبدوا دور أساسي في بناء معظم بلدانها؟ أين ذهب سود الأرجنتين؟

الإجابة هم لم يذهبوا جميعاً، ولم يختفوا تماماً. الذي اختفى، أو أُخفي، هو حضورهم في الصورة التي صنعتها الأرجنتين لنفسها وروّجتها طويلاً كدولة بيضاء، أوروبية، هبط سكانها من السفن، قادمين أساساً من إيطاليا وإسبانيا. أما الأفارقة وأبناؤهم، فدُفعوا تدريجاً إلى هامش التاريخ، حتى أصبح غيابهم عن المنتخب امتداداً طبيعياً لغيابهم عن الذاكرة الوطنية.

لكن الأرجنتين لم تكن دائماً كما تبدو اليوم. منذ أواخر القرن السادس عشر، وصل الأفارقة المستعبَدون إلى ميناء بوينس آيرس، انتشروا في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الإسبانية. عملوا في المنازل والمزارع والورش والحرف والنقل، وخدموا في الجيوش والميليشيات، وساهموا في الاقتصاد والحياة اليومية مثلما حدث في بقية القارة.

وتشير التعدادات القديمة إلى أن السود وذوي الأصول المختلطة شكّلوا في فترات مختلفة نسبة تقترب من ثلث سكان بوينس آيرس، بينما ارتفعت النسبة في بعض مدن الداخل ومقاطعاته  إلى ما يقارب النصف. وفي تعداد بوينس آيرس عام 1838، بلغ عدد السود والمختلطين ـ نحو 15 ألفاً، أي قرابة 26% من السكان الذين شملهم التصنيف العرقي. وبعد أقل من نصف قرن، سجل تعداد 1887نحو ثمانية آلاف فقط من “غير البيض”، بما لا يتجاوز 1.8% من سكان المدينة. هذا الانخفاض لم يكن مجرد خدعة إحصائية، بل كان تراجعاً ديموغرافياً حقيقياً.

شارك الرجال السود بأعداد تفوق نسبتهم السكانية في حروب الاستقلال والصراعات الأهلية. وكان التجنيد بالنسبة إلى بعض المستعبَدين طريقاً مشروطاً إلى الحرية، لكنه كان أيضاً طريقاً قصيراً إلى الموت. وتشير السجلات إلى اختلال واضح في التوازن بين الرجال والنساء داخل المجتمع الأفروأرجنتيني نتيجة الخسائر العسكرية المتعاقبة.

الحمى الصفراء أصابت الأحياء الفقيرة والمزدحمة التي عاش فيها كثير من السود، لكن الأشد تأثيراً كان التراكم الطويل للفقر، وسوء السكن، وارتفاع وفيات الأطفال، وضعف معدلات المواليد، والحروب المتلاحقة.

أدت ندرة الرجال السود، بالتزامن مع تدفق مهاجرين أوروبيين غالبيتهم من الرجال، إلى زيجات واسعة بين نساء من أصول أفريقية ورجال أوروبيين. ومع كل جيل، أصبح كثير من الأبناء أفتح بشرة، ثم أعيد تصنيفهم اجتماعياً وإحصائياً باعتبارهم “بيضاً”. لم تختفِ الأصول الأفريقية من الأجساد، اختفى الاعتراف بها.

لكن العامل الأكبر في تحويل الصورة كان الهجرة الأوروبية الهائلة. بين سبعينات القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى وصل إلى الأرجنتين نحو ستة ملايين أوروبي، استقر أكثر من نصفهم فيها. لم تكن الهجرة مجرد حاجة اقتصادية إلى السكان والعمال، بل جزء من مشروع سياسي وفكري لبناء أمة على النموذج الأوروبي. نخب القرن التاسع عشر ربطت “التقدم” بأوروبا، ونظرت إلى المكونات الأفريقية والأصلية بوصفها عائقاً أمام مشروع “التمدين”. وشجعت الدولة الهجرة الأوروبية، بينما صاغت المدارس والكتب والصحافة صورة للأرجنتين باعتبارها امتداداً لأوروبا في أميركا الجنوبية.

ليس هناك ما يكفي من الأدلة لإثبات الرواية المثيرة عن “خطة سرية للإبادة الجماعية” والقضاء جسدياً على جميع السود. لكن عدم ثبوت خطة مركزية لا يعني براءة الدولة أو المجتمع. فقد وُجدت سياسات تمييزية، وحروب تحمّل السود فيها نصيباً غير متكافئ من الدم، وظروف معيشية رفعت وفياتهم، ومشروع قومي تعمّد تفضيل العنصر الأوروبي، ثم عملية رسمية وثقافية طويلة أنكرت وجودهم وأخرجتهم من رواية البلاد عن نفسها.

لم تكتف الأرجنتين بتراجع عدد مواطنيها السود، بل حوّلت هذا التراجع إلى أسطورة تقول إنهم لم يكونوا موجودين أصلاً.

وتقر الدولة الأرجنتينية نفسها اليوم أن الأفروأرجنتينيين تعرضوا منذ أواخر القرن التاسع عشر لـ”تغييب رسمي مستمر” أضر بقدرتهم على التعرف إلى جذورهم والاعتزاز بها، وحجب مساهماتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

حتى أشهر ما منحته الأرجنتين للعالم يحمل أثراً أفريقياً لا يمكن محوه. فالتانجو لم يكن اختراعاً أوروبياً خالصاً، بل نشأ في الموانئ والأحياء الشعبية من تفاعل تقاليد متعددة، قد لا يكون التانجو “أفريقياً بالكامل”، لكن أفريقيا أحد آبائه الذين جرى إسقاط اسمهم من شهادة الميلاد.

وفي كرة القدم أيضاً يظهر أثر هذا الغياب. عرفت الأرجنتين لاعبين سوداً، لكنهم ظلوا استثناءات نادرة. كان أليخاندرو دي لوس سانتوس، ابن أسرة أرجنتينية من أصول أنغولية، أول لاعب أسود معروف يمثل المنتخب، وشارك في فوزه ببطولة أميركا الجنوبية عام 1925. وبعده بسنوات طوال ظهر الحارس هيكتور بالي، أحد أفراد المنتخب الفائز بكأس العالم 1978.لكن وجود لاعب أسود في المنتخب ظل حدثاً استثنائياً، لا انعكاساً طبيعياً لتنوع البلاد. الأرجنتين لم تتخلص تماماً من سكانها السود، وإنما نجحت طويلاً في جعلهم غير مرئيين.

لقد مات بعضهم في الحروب والأوبئة والفقر، وهاجر بعضهم، واندمج كثيرون عبر الزواج والاختلاط، ثم جاءت الملايين الأوروبية فغيّرت التوازن الديموغرافي. وبعد ذلك تولت الدولة والمدرسة والإحصاء والثقافة استكمال المهمة، تحويل التراجع إلى غياب، والغياب إلى إنكار، والإنكار إلى هوية وطنية.

السؤال المحزن كيف استطاعت دولة أن تقنع نفسها والعالم، طوال أكثر من قرن، بأن شعباً ساهم في بنائها لم يكن موجوداً؟

ربما تكون هذه إحدى فوائد الهزيمة أمام الأرجنتين، أن تدفعنا، بعد أن يهدأ الغضب من النتيجة، إلى النظر خلف ألوان القمصان، والبحث عن ألوان غُيّبت من صورة بلد كامل.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: هل يعود تغيير النظام في إيران إلى أجندة ترامب؟
التالي: يساري في “داونينغ ستريت”

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

كريم يسأل سليماني: ماذا تريد إيران من العراقيين؟ والاخير يجيبه!

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

انتخابات أميركيّة نصفيّة لمصائر كاملة

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
20260524141525_author
  • مقالات رأي

كوردستانية شنكال.. صراع الهوية والقرار السياسي

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • كريم يسأل سليماني: ماذا تريد إيران من العراقيين؟ والاخير يجيبه!
  • انتخابات أميركيّة نصفيّة لمصائر كاملة
  • كوردستانية شنكال.. صراع الهوية والقرار السياسي
  • فائق حسن: الرسم والتعليم وذاكرة العراق
  • عايدة ياسين: حين أصرّت على مقاومة جلاديها والصمود حتى الموت

لربما فاتك

  • مقالات رأي

كريم يسأل سليماني: ماذا تريد إيران من العراقيين؟ والاخير يجيبه!

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

انتخابات أميركيّة نصفيّة لمصائر كاملة

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
20260524141525_author
  • مقالات رأي

كوردستانية شنكال.. صراع الهوية والقرار السياسي

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
6259-7-3
  • أدب وفن

فائق حسن: الرسم والتعليم وذاكرة العراق

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.