عندما نشر إدوارد سعيد كتابه “الاستشراق” في عام 1978، أثار سؤالا للمؤسسة الثقافية الغربية يتجاوز حدود النقد الأدبي: كيف يتم تشكيل المعرفة عن الشعوب المهيمنة، ومن لديه السلطة لتقديمها للعالم؟
كان برنارد لويس واحدا من أبرز الأشخاص الذين تحدوا أطروحته وتحول الصراع بين الرجلين إلى الصحافة والنقاش السياسي.
في الولايات المتحدة حيث عمل الرجلان وكتبا وتحدثا إلى جمهور واسع، كانت خلافاتهما أكثر من مجرد مسألة نظرية أكاديمية. كانت المعرفة بالشرق الأوسط مرتبطة أيضا بالطريقة التي تم التعامل معها سياسيا.
يمكن اعتبار هذا الصراع صراعا حول العلاقة بين المعرفة والسلطة. كان لويس مهتما بتفسير تاريخ وتحولات المجتمعات الإسلامية، بينما تساءل سعيد عن الظروف التي جعلت بعض التفسيرات الغربية لهذه المجتمعات تبدو كحقائق بديهية. كان هذا الاختلاف أساسا لصراع أكبر حول الموضوعية، ودور المثقف، ومدى السماح بالتعميم الثقافي.
كان الرجلان من خلفيات أكاديمية مختلفة. كان سعيد، الفلسطيني الأميركي، أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا، بينما كان لويس، المولود في بريطانيا، مؤرخا للإسلام والإمبراطورية العثمانية، وانتقل إلى جامعة برينستون في الولايات المتحدة في عام 1974.
جلب الأول أدوات لقراءة النصوص وتحليل التمثيل الثقافي، بينما كان لدى الثاني تقاليد البحث التاريخي واللغوي. وكان هذا الاختلاف هو ما دفع نقاشهما. نظر أحدهما في كيفية بناء الشرق، والآخر دافع عن قدرة الدراسات المتخصصة على إنتاج معرفة موثوقة عن تاريخه.
في “الاستشراق”، ربط سعيد بين المعرفة الأوروبية عن الشرق والتوسع الإمبريالي. ادعى أن الصور المتكررة للشرق غير المتغير أو غير العقلاني أو غير القادر على الذات لم تكن مجرد صور معزولة بل كانت جزءا من تصور يبرر السيطرة عليه. لم تتطلب حجته اعتبار جميع المعلومات الاستشراقية كاذبة، بل أن نأخذ في الاعتبار السياق الذي يتم فيه اختيار المعلومات وتفسيرها واكتسابها لتمثيل مجتمعات بأكملها.
اعترض لويس على عمومية هذا الحكم. وذكر في عام 1982 في ورقته “مسألة الاستشراق” أن سعيد جمع بين تقاليد علمية مختلفة تحت تفسير سياسي واحد ووضع مزيدا من التركيز على الدوافع المفترضة للباحثين بدلا من النتائج. وأكد أن الدراسات الاستشراقية قبل الاستعمار قدمت مساهمات كبيرة من علماء في دول لم تحكم العالم العربي. كان دفاعه أن البحث يجب أن يُقيّم من خلال المصادر ودقة البحث وأن الباحثين قد يكونون متحيزين.
في المقابل، قال سعيد إن هذا الدفاع لم يعالج السؤال الذي كان يطرحه: كيف ارتبطت دراسة الشرق بالمؤسسات التي كانت لديها السلطة لإخضاعه وإدارته. رفض الاستشراق كنشاط فكري مستقل عما كان يحدث في التاريخ السياسي. أظهرت الردود في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس شدة تتجاوز الخلاف العلمي. بدأ كل جانب في التشكيك في صحة أساس الآخر. تحدى لويس منهجية الناقد، وتحدى سعيد ادعاء الخبير بالحياد.
لكن تحت هذه الحدة كان هناك نزاع حول معنى الموضوعية نفسها. منطق لويس هو أن التخصص، وتصحيح الأخطاء، ومقارنة المصادر هي أدوات للتأمل الذاتي يمكن من خلالها الاقتراب من المعرفة الموضوعية. لكن سعيد قال إن موقف الباحث والمؤسسات التي يعملون لها تحدد الأسئلة والمفاهيم المختارة. يمكن الجمع بين الموقفين من حيث المنهجية: صحة الوثيقة لا تجعل تعميمها صحيحا، والتحيز السياسي ليس كافيا لتقويض المعلومات التاريخية. لكن النقاش كان يتعلق بهذه المستويات التي دخلت في صراع جعل المصالحة أكثر صعوبة.
كانت فلسطين في قلب هذا النزاع التمثيلي. كان مشروع سعيد مرتبطا باهتمامه بموقف الفلسطينيين والعرب في الخطاب الغربي، وكيف أثرت الصور الثقافية على الاعتراف بحقوقهم وتجاربهم. كان مشروعه أيضا متجذرا في أنشطة المثقفين العرب في الولايات المتحدة وفي التيارات النقدية الأوروبية. لذا لا يمكن فهم قراءته كدفاع عن هوية شرقية نقية. فهو استخدم أدوات فكرية عبر ثقافية للتشكيك في احتكار الحديث عن الآخرين.
مع التغيرات في العالم، امتدت الخلافات إلى النظر في العلاقة بين الإسلام والغرب. ناقش لويس في “جذور الغضب الإسلامي” في عام 1990 التاريخ الديني والحضاري كسبب للعداء تجاه الغرب، مستخدما مصطلح “صدام الحضارات”. لكنه أضاف أن هذا العداء لم يكن موجها لجميع المسلمين، ولا بالضرورة لأغلبيتهم. يظل هذا التوضيح ضروريا لفهم موقفه دون تقليله إلى تعميم لم يذكره.
أصبح النزاع أكثر حدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. في مقاله “صدام الجهل”، انتقد سعيد الطريقة التي حدد بها لويس وهنتنغتون الصورة الحضارية ورفض فكرة أن الحديث عن “الإسلام” و”الغرب” ككتل متجانسة لا يأخذ في الاعتبار الاختلافات والانقسامات الداخلية والتاريخ المتشابك للتبادل. ندد بالهجمات لكنه لم ير ما حدث لمجموعة معينة كانعكاس لما قد تبدو عليه حضارة بأكملها. كان اعتراضه هو الانتقال من رد فعل على جريمة سياسية إلى حكم ثقافي.
في تلك اللحظة، كان السياق الأميركي واضحا. في بلد لديه قدرة كبيرة على التدخل في الشرق الأوسط، يمكن أن يؤثر وصف المنطقة على مستوى السياسة المقبولة تجاهها. يوفر تفسير العداء الحضاري العميق مبررات مختلفة عن تفسير المصالح والاحتلال والتحالفات والصراعات المحلية. لكن الأفكار حول لغة السياسة لا تصنع القرار: يجب أن نثبت أن الحرب أو التدخل ناتج عن أطروحة مفكر، بالإضافة إلى تشابه الخطاب مع السلطة.
كانت النتائج الأكاديمية لهذا المواجهة أوضح. كان مشروع سعيد رائدا في دراسات ما بعد الاستعمار وجعل التمثيل والسيطرة قضية مركزية في العديد من المجالات. اضطر الباحثون إلى النظر في موقفهم، والفئات التي يستخدمونها، والأصوات الغائبة عن مصادرهم. هذا التحول أكبر من انشقاق لويس، لكنه كان مواجهة بارزة كشفت عن رهاناتها لجمهور خارج الجامعة.
في الوقت نفسه، أظهرت الاستقطاب تكلفة تحويل الخلاف العلمي إلى اصطفاف سياسي. كان النقاش حول دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأميركية متشابكا مع النزاعات حول إسرائيل وفلسطين، والتعليم، والتعيينات، والحرية الأكاديمية. لكن الجامعات لم تنقسم ببساطة إلى معسكرين – بل استمرت في اتباع نهج ومواقف يصعب نسبها إلى سعيد أو لويس.
وفي النهاية، لا يمكن فهم هذا الإرث دون نقد كلا الجانبين. قوة سعيد تكمن في إظهار العلاقات التي يمكن أن تخفيها ادعاءات الحياد، لكن فكرة الاستشراق بلا حدود ستتحول إلى اتهام يحل محل النقاش حول الأدلة. حجة لويس للتخصص والتحقق صحيحة، لكن دقة التفاصيل ليست كافية لفك التفسير العام عن افتراضاته وسياساته.
ترك الصراع بينهما سؤالا مفتوحا لأي شخص يكتب عن مجتمع آخر: كيف يمكن إنتاج معرفة دقيقة لا تقلل من الناس إلى صورة ثابتة ولا تتجاهل علاقات القوة المحيطة بوصفهم؟ تبدأ الإجابة عندما يصبح نقد التمثيل وفحص المصادر مسؤوليات متشابكة؛ تحتاج المعرفة إلى الدقة لتكون موثوقة ولتشكيك في سلطتها لتستحق القمة.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).