ملخص
أفرزت الانتخابات الإسرائيلية أغلبية برلمانية مناهضة لنتنياهو من دون أن تمنح أي معسكر طريقاً واضحاً إلى الحكم، فيما منحت المكاسب القياسية للأحزاب العربية ثقلاً حاسماً في معادلة تشكيل الحكومة. وبين ضغوط نتنياهو لإبعاد الأحزاب العربية عن أي تفاهم مع المعارضة وصعوبة بناء ائتلاف بديل، تتجه إسرائيل إلى مفاوضات شاقة قد تنتهي بحكومة أقلية أو وحدة وطنية أو انتخابات جديدة.
بعد صدور جميع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، برز أمر واحد واضح، وهو أن الأحزاب المعارضة لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو حصدت غالبية المقاعد البرلمانية.
وعلى رغم أن حزب “الليكود” الذي يتزعمه نتنياهو ما زال يحتفظ بأكبر عدد من المقاعد منفرداً، إذ حصل على 27 مقعداً، فإن ائتلافه المتشدد حاز 53 مقعداً في المجموع، أي أقل من المقاعد الـ61 اللازمة للسيطرة على الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، وهو أيضاً تراجع عن 68 مقعداً كان الائتلاف يشغلها عام 2022.
أما منافس نتنياهو غادي آيزنكوت فقد حصد مع كتلته 48 مقعداً، لكن بإضافة العدد القياسي من المقاعد التي فازت بها الأحزاب التي يقودها العرب وعددها 19 مقعداً، يرتفع المجموع إلى 67.
هل يعني ذلك أن المهمة أُنجزت؟ ليس في ظل طبيعة السياسة الإسرائيلية، فأي ائتلاف محتمل سيتطلب الآن من المرشحين تقديم تنازلات صعبة يُرجح أن تثير غضب ناخبيهم أنفسهم. ومن المتوقع أن تمتد المفاوضات لأسابيع، وإذا لم يتحقق أي اختراق فستجرى انتخابات جديدة مطلع العام المقبل، وخلال ذلك كله ستبقى حكومة نتنياهو في موقع تصريف الأعمال.
ولخص يائير لبيد، وهو أحد أبرز الشخصيات في حزب “بياحاد” المنضوي ضمن كتلة المعارضة، الأجواء السائدة بقوله إن خصوم نتنياهو “كانوا يريدون نصراً واضحاً وفورياً، نصراً يتيح لهم أن يخلدوا إلى النوم مطمئنين، لكن هذا ليس ما حصلنا عليه”. وأضاف أول من أمس الجمعة: “إذاً، لقد ربحنا… لم يكن ذلك بالضربة القاضية، بل بالنقاط. لكن النقاط تحتسب أيضاً، والفوز هو الفوز”.
وأضاف لابيد: “لذلك علي أن أطلب منكم أمراً يصعب طلبه من الإسرائيليين، وهو الصبر”.
غير أن الصبر ليس من الصفات التي أظهرها نتنياهو عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، ونظراً إلى الطبيعة شديدة الانقسام للسياسة الانتخابية الإسرائيلية، وإلى كثرة الانتخابات التي خاضها نتنياهو خلال 18 عاماً أمضاها في رئاسة الوزراء على فترتين، فهو يدرك أن الأمر لا يتعلق دائماً بموقع حزبه وحده، بل أيضاً بوضع خصومه.
وما صوَّت له الإسرائيليون يستدعي تشكيل حكومة وحدة حقيقية، حكومة تسمع صوت نحو 20 في المئة من العرب الإسرائيليين في مختلف أنحاء البلاد، الذين يعرِّف كثير منهم أنفسهم بأنهم مواطنون فلسطينيون داخل إسرائيل، وكان كثير من الناخبين العرب قاطعوا الانتخابات الإسرائيلية في السابق، رفضاً لدعم نظام يعتقدون أنه يعاملهم باعتبارهم أفراداً من الدرجة الثانية في المجتمع.
ومن هنا، فإن الإقبال المرتفع على صناديق الاقتراع يوم الانتخابات، الذي ساعد في رفع نسبة المشاركة الإجمالية إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1999، كان مدفوعاً بالرغبة في رؤية نهاية لائتلاف نتنياهو، الذي يعد التكتل اليميني الأكثر تشدداً في تاريخ إسرائيل.
فما الذي قام به نتنياهو وحزبه؟ سعيا على الفور إلى التشكيك في شرعية أصوات الناخبين العرب، مستندين إلى مزاعم عن تدخل خارجي من قطر، وهي إحدى الجهات الوسيطة التي تحاول التوصل إلى إنهاء الحرب التي تقودها إسرائيل داخل قطاع غزة.
وفي هذا الإطار، ادعى حزب “الليكود” أن ناخبين تعرضوا لـ”رشوة” من أجل التصويت لمصلحة الأحزاب العربية، بعدما طلب رئيس “لجنة الانتخابات المركزية” من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” التحقيق في “شبهات جدية” بحصول تدخل أجنبي. ونفت كل من الأحزاب التي يقودها العرب وقطر هذه الاتهامات بشدة، فيما قال جهاز “الشاباك” إن التحقيق لم يثبت تورط المجتمع العربي بأكمله، الذي أدلى أفراده بأصواتهم بصورة قانونية.
وبالنسبة إلى نتنياهو، يتعلق الأمر بقطع الطريق على غادي آيزنكوت لتشكيل ائتلاف حكومي. وبما أن جميع الأحزاب المنضوية في ائتلاف آيزنكوت تقريباً كانت قد استبعدت الدخول في حكومة تضم أحزاباً عربية، فإن نتنياهو يمارس كل ما يستطيع من ضغوط.
وسيكون الخيار الآخر عندئذ إما تشكيل ائتلاف يميني يضم نتنياهو ومنشقين عن كتلة آيزنكوت، أو تأليف حكومة وحدة تضم أحزاب معسكري نتنياهو وآيزنكوت معاً. ووفقاً لاستطلاع سريع أجرته “الجامعة العبرية”، فإن ناخبي جميع الأحزاب المنضوية في كتلة آيزنكوت يريدون منه أن يشكل حكومة أقلية تحظى بدعم الأحزاب التي يقودها العرب من خارج الائتلاف.
وإذا كان إشراك الأحزاب التي يقودها العرب في الحكومة غير ممكن، فيما تقر الأطراف الأخرى بأن التوصل إلى اتفاق بينها سيكون شاقاً وسيتطلب تنازلات من الجانبين في قضايا يعدها ناخبو كل طرف أساساً، فإن حكومة أقلية تحظى بدعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف ستكون التعبير الأقرب عن نتائج الانتخابات. لكن نتنياهو سيصر على أخذ فرصته في محاولة تشكيل حكومة، إذ لا يملك سوى هذا الخيار أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، وسيفعل كل ما في وسعه للتشبث بالسلطة.
