قبل ثلاثة أعوام، لم ينكسر الهيكل الأمني الإسرائيلي في غلاف غزة فحسب، بل تحطّمت معه عقيدة أمنية كاملة بُنيت على مدار عقود: عقيدة “الردع الذكي” والجدران التكنولوجية الفائقة المستشعرات التي كلّفت المليارات. في الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر 2023، تبدو تل أبيب وقد حسمت خيارها العقائدي والاستراتيجي الأبرز: العودة إلى الأصل، إلى الجغرافيا الصرفة في صورتها البدائية والعنيفة.
لم تعد التكنولوجيا ولا المراقبة الإلكترونية ولا التفاهمات الأمنية غير المباشرة كافية لحماية أمن الحدود الإسرائيلية في ذهنية صانع القرار في تل أبيب، بل أضحت العقيدة الجديدة تقوم على معادلة جغرافية صارمة: “كلّما ازداد الخوف الإسرائيلي، اقتُطِعَت أراضٍ إضافيّة من جيرانها، وتحولت أراضي دول الجوار إلى مناطق محروقة تحت مسمّى المناطق العازلة”.
“أرض إسرائيل أصغر من اللازم“
لا يمكن فهم هذا الاندفاع الإسرائيلي الممنهج والممتد لإعادة رسم خرائط الحدود في غزة وجنوب لبنان والجولان السوري من دون وضع الحركة في سياقها السياسي الدولي والدعم الأميركي التاريخي والمستمر. ولعلّ التصريح الشهير للرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجلّى اليوم، بعد كل هذه التحولات، كبوصلة سياسية وفكرية تمنح المشروع الإسرائيلي غطاءً جيوسياسياً أعمق وأشمل من مجرد رد فعل أمني عابر. فقد صرّح ترامب مراراً بأنّ “مساحة إسرائيل صغيرة جداً على الخريطة مقارنة بالشرق الأوسط، وتساءل عمّا إذا كان هناك طريق للحصول على المزيد من الأراضي”.
هذا المنطق الرئاسي الأميركي، الذي يعتبر إسرائيل “دولة مضغوطة جغرافياً” بحاجة إلى رئة جغرافية أكبر للتنفس والأمن، يتلاقى بشكل شبه كامل مع طروحات اليمين الإسرائيلي المتطرف وقادة المؤسسة العسكرية.
هؤلاء المسؤولون يرون في الكارثة الأمنية التي وقعت في 7 أكتوبر فرصة تاريخية لا تتكرر لإعادة هيكلة الخريطة الإقليمية وتوسيع الحدود الأمنية والسيادية للدولة. لم يعد الحديث في أروقة الكنيست أو الحكومة الإسرائيلية عن “الانسحاب مقابل السلام” أو تطبيق القرارات الدولية، بل انتقل الخطاب بالكامل نحو “اقتطاع أراضٍ مقابل الأمن” و”السيطرة الدائمة”، تحضيراً لفرض واقع ميداني جديد يمسح الخطوط الخضراء السابقة ويلغي مفهوم الحدود المعترف بها دولياً.
تشريح العقيدة الجديدة: من “العمق التكتيكي” إلى “الأرض المحروقة“
شهدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تحولاً بنيوياً في النظرة إلى مفهوم الجغرافيا والحدود. لقد سقط مفهوم “العمق الاستراتيجي الداخلي” لحساب “عمق استراتيجي خارجي” يُقتطع بالكامل من جغرافيا وتضاريس الدول والمناطق المجاورة. ويظهر هذا التحول بوضوح عبر ثلاث جبهات رئيسية:
1 – قطاع غزة (قضم الأطراف وتقطيع الأوصال): نجحت إسرائيل في اقتطاع حزام أمني عازل بعمق يتراوح بين كيلومتر وثلاثة كيلومترات على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع، عبر تجريف شامل وممنهج للمباني، والأراضي الزراعية، والبنية التحتية. يضاف إلى ذلك تحويل ممرات عسكرية محورية، مثل محور فيلادلفيا ومحور نتساريم، إلى قواعد عسكرية دائمة تمنع أي تواصل جغرافي بين شمال القطاع وجنوبه، وتُفرغ غزة من مقومات الدولة أو السيادة المستقبلية.
2 ـ جنوب لبنان (إعادة إنتاج الشريط الحدودي بأسلوب تدميري): في الشريط الحدودي في جنوب لبنان لم تكتفِ إسرائيل بالغارات الجوية والسيطرة النارية عليه، بل عملت على فرض منطقة عازلة خالصة عبر القصف والتجريف على طول الشريط ، بعمق ينتهك مضمون القرار الدولي 1701. الهدف هنا هو إبعاد أي وجود مسلح أو مدني عن خط الحدود، ما يحاكي تجربة “الحزام الأمني” لعام 1985، ولكن بأدوات تدميرية وسياسة أرض محروقة أكثر شراسة بكثير. يُضاف إلى ذلك التأكيد الإسرائيليّ على منع عودة أيّ مواطن، مع انتهاج سياسة واضحة عنوانها جعل المناطق المُحتلة في جنوب لبنان أراضٍ محروقة غير قابلة للحياة إطلاقاً.
– الجبهة السورية والجولان المُحتلّ: على الجبهة السورية هناك سعي متواصل للتوغل والسيطرة على أراضٍ أبعد من خطوط فض الاشتباك لعام 1974، وتحويل المناطق المحاذية لقمة جبل الشيخ والجولان المحتل إلى مناطق نفوذ عسكري إسرائيلي مباشر، بحجة منع أي تموضع مستقبلي لإيران أو الفصائل الحليفة لها، أو أيّ مسميّات أخرى، مثل التنظيمات الجهاديّة. ولعلّ أبرز شاهد على نيّة إسرائيل تجاه الجولان والجنوب السّوريّ ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو من على منبر الأمم المُتحدّة في ردّه على تأكيد الرّئيس السّوريّ أحمد الشّرع “سوريّة الجولان”، أنّ الجولان أرضٌ يسكنها اليهود منذ أيّام النبيّ موسى، وأنّ إسرائيل لن تتنازل عنه أبداً.
تفكيك المجتمعات وشرعنة الانتهاك
لا تقتصر خطورة هذه السياسة الإسرائيلية على الانتهاك المباشر للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، بل تتعداه إلى تفكيك المجتمعات المحلية الحاضنة وتدمير المقومات الحياتية للبيئات الحدودية. “المنطقة العازلة” في المفهوم الإسرائيلي ليست مجرد شريط ترابي فارغ، بل هي أداة للهندسة الديموغرافية والسياسية، وعلى الشكل التالي:
1- التهجير الديموغرافي القسري المستدام: تحويل مدن وقرى كاملة إلى “مناطق قفر” يُمنع سكّانها الأصليون من العودة إليها تحت طائلة الاستهداف المباشر، ما يوجِدُ أزمات نزوح وبؤس اجتماعي مستدام على الحدود الإسرائيلية، ويحول السكان إلى لاجئين داخل أوطانهم.
2– إعادة تعريف الحدود بمرونة أحادية: تلغي تل أبيب بفرض هذه المناطق أي حدود معترف بها دولياً، وتجعل الحدود مجرد خطوط متحركة تُقاس بوقت ومرئيات التقييم العسكري الإسرائيلي لمستوى الخطر في أي لحظة.
3– فرض نموذج “دولة الغيتو المدججة”: تسعى إسرائيل لإيجاد طوق من الأنقاض والأرض المحروقة حول نفسها، ظناً منها أن تحويل جوارها إلى خراب يضمن سلامة مستوطنيها، وهو الرهان الذهني والإيديولوجي ذاته الذي أثبت عقمه وسقوطه المدوّي يوم 7 أكتوبر.
هل يضمن الأمن التّكتيكيّ الاستقرار الاستراتيجيّ؟
تبدو إسرائيل بعد ثلاث سنوات من الحرب وكأنها حققت نجاحاً تكتيّكياً وميدانياً في اقتطاع الأراضي وفرض واقع جديد بالقوة المفرطة وغطاء القوة العظمى، لكنها على المدى الاستراتيجي تغرق في فخ تاريخي وتراكم أزمات مستقبليّة لا مخرج منها. فالأرض العازلة التي تستولي عليها اليوم تحت شعار “الأمن المؤقت” ستكون غداً الوقود الاستراتيجي والدافع الأخلاقي لموجات جديدة تحت عناوين “المقاومة” وغيرها من الشّعارات.
إنّ المراهنة على منطق القوة وتصريحات الداعمين من نوع “إسرائيل دولة صغيرة وتطمح للمزيد” لتبرير الاستيلاء على الأراضي المجاورة، يدفع المنطقة بأسرها نحو حالة من اللااستقرار الدائم مع إغلاق كافة نوافذ الحلول السياسية.
وهم الجدران والحل الغائب
في الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر، تثبت الوقائع الميدانية أن المناطق العازلة لا تصنع الأمان، بل تعمّق حالة العداء وتكرّس معادلة الصراع الصفري (مكسب طرف يساوي بالضرورة خسارة الطرف الآخر). ذلك أن الجغرافيا التي تُسلب بالقوة المفرطة ينتجُ عنها لاحقاً حركات مُسلّحة تستبيح سيادة الدّول، والجدران التي تُبنى على جثامين وحقوق الآخرين تسقط في النهاية أمام حقيقة جليّة: الأمن الحقيقي لا يتحقق بابتلاع أراضي الجيران وخلق أحزمة من الخراب، بل باحترام الحقوق التاريخية والسياسية للشعوب.
