لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كأنّها مكنة عمل عسكرية تتحرك في جميع الاتجاهات! تقصف في غزّة وتقتل عشرات آلاف من الأطفال والنساء الفلسطينيين، وتعمل على تهجير سكان غزة بحجة ملاحقة مقاتلي حركة حماس. ثم انتقلت في العام التالي إلى جنوب لبنان للتوغل فيه برّياً؛ تقضم أراضيه وقراه وتهجّر سكانه وتتجاوز خطوط الليطاني، وحجتها ملاحقة قيادات حزب الله! ثم انتقلت إلى التوسع في المنطقة العازلة مع الحدود السورية المعروفة بخط 1974 مع مئات الغارات الجوية التي استهدفت البنى التحية العسكرية السورية، مباشرة بعد سقوط النظام السابق. وفي نهاية فبراير/ شباط 2026 شنّت مع الولايات المتحدة حرباً جوية واسعة استهدفت قيادات إيران العسكرية، في حرب وصفها ترامب بحرب الأسبوعين، لكنها ممتدة إلى اليوم، وتُنذر بشرٍّ كبير على المنطقة والخليج العربي! هذا ولم تتوقّف خلالها إسرائيل عن التمركز في مواقع مرسومة سلفاً داخل الحدود السورية ومحاولة ترسيم ما يعرف بخط “سوفا 53″، “العاصفة” بالعبرية، والرقم 53 يرتبط بالكتيبة المدرعة التابعة للواء 188 في الجيش الإسرائيلي، فمتى ستتوقف؟
ولأننا شعوب أحكامنا شعورية عاطفية تتأثر بسرعة وتبتهج لرد مظالمها، فرح بعض العرب بما حدث مع حزب الله وإيران، لما فعلته سياستها المليشياوية التي عربدت في المنطقة منذ 2003 بالعراق، وما تفعله في لبنان عبر ذراعها الطولى؛ حزب الله، وما ارتكبته من مجازر بحق الشعب السوري بالشراكة مع نظامه السابق بتحريكها مليشيات طائفية متعدّدة الأجناس. لكن هذه الحالة الشعورية سرعان ما بدأت بالتبدّد أمام الخطر الإسرائيلي الذي يحاول فرض هيمنته المفردة بالمنطقة وإخضاع شعوبها لسياساتها العسكرية المتغطرسة، فهل هي فعلاً دولة متغطرسة وفقط؟ أم إن حروبها الطويلة هذه دلالة على هشاشتها البنيوية؟
إسرائيل واقعياً دولة غطرسة وقوة، لا دولة سلام واستقرار
ليس من السهولة الفصل في هذا السؤال، فإسرائيل واقعياً دولة غطرسة وقوة، لا دولة سلام واستقرار، وما ظهور نتنياهو في الأمم المتحدة وهو يحمل بيده “البيجر” ووصفه ممثلي الدول الذين انسحبوا بداية خطابه بالجبناء، إلا ليقول للعالم: إنه عصر القوة التقنية والعسكرية وفرض شروطها القصوى سياسياً وحياتياً. فإسرائيل دولة تفوّق تقني وعسكري جوياً ونشأت على حساب الشعب الفلسطيني وبنت سياساتها على الحروب وفرض شروط الأمر الواقع بالقوة العسكرية، مدعومة من دول العالم الكبرى، لدرجة عُرفت بالفتى المدلل، وكثرة الدلال مفسدة للأخلاق، بحسب مثلنا الشعبي. فإن كان العصر الحالي دولياً عصر التفوق التقني وارتباطه بالقوة العسكرية المباشرة دلالة شرور كبرى، لكن تختلف سياساته وأثرها على السلام العالمي بحسب ممارسات الدول له. فالصين مثلاً، رغم تفوقها الجبار في هذه المجالات، ومثلها بعض الدول الأوروبية، لكنها مختلفة في سياستها عن السياسة الأميركية والإسرائيلية والروسية؛ ورغم ما يجري من حروب بين إسرائيل وإيران، فإنهما متساويتان في سياساتهما المتغطرسة في شروط الهيمنة والقوة العسكرية والعقيدة التوسعية الأيديولوجية المحمولة على نزعة سطوة الدم وتهجير الشعوب، وهذا أسّ الخطر الذي نعيشه إقليمياً لليوم.
مِن أقوى المعايير نضوجاً في العالم في بناء الدول تقدّمها الاقتصادي وامتلاكها القرار الذاتي المستقل، وليس فقط ذلك، بل قدرتها على إدارة شؤونها السياسية المحلية والدولية بطريقة معتدلة ومتوازنة، تحفظ حقوق الدول الأخرى وتلتزم بمواثيق الأمم المتحدة وشرعتها الدولية لحقوق الإنسان. والخروقات الفجّة التي ترتكبها إسرائيل، ومن قبلها إيران، تجعل منها دولة منبوذة في محيطها الحيوي ومكروهة عالمياً، ومشاريعها الدموية التي لم تتوقف عنها في غزة وجنوب لبنان وسورية واضحة للعالم أجمع، ما يفقدها مكانتها العلمية والتقنية المتفوقة أمام حكم الاستمرار والوجود. وتظهر بوضوح هشاشتها البنيوية كدولة لا تحترم المعايير الحضارية والإنسانية الدولية في حروبها التوسعية في الجوار بدلاً من البحث في شروط السلام المفترض منذ مدريد 1991؛ وأي دولة تسعى للتوسع على حساب شعوب أخرى ستصاب بعمى الغطرسة وتصبح منبوذة دولياً، تماماً كما إيران.
كيف لدولة أن تترك شؤونها الداخلية عرضة للاستثمار من الخارج من دون أن تعالج آثاره ومسبّباته؟
واقعياً، المنظار الذي نحاول من خلاله إيجاد معايير محددة للوجود الإسرائيلي لا يعفينا من نقد ذواتنا دولاً وشعوباً، فما زلنا نعاني من فورات الحالة الشعورية، ونعتمد على الآخرين في الاقتصاد والتقنية والتنمية المحلية. شعوب لم تبنِ دولاً متمركزة على ذاتها في قرارها السيادي، بقدر ما تتحكم فيها معادلات الاقتصاد العالمي وسوق التقنية الدولي والضرورة العسكري. فإن كانت دول الخليج العربي تسعى جهدها إلى بناء استقرارها واستقلاها السياسي باعتماد معادلة المال مقابل التقنية، والسلام مقابل الاستقرار، فدول شرق المتوسط ما زالت كانتونات متقاتلةً متخاصمةً بنيوياً وداخلياً، وتفتقر إلى مقوّمات الوجود المادي لمفهوم الدولة في أدنى مستوياته. فكيف وهي لم تشعر بطعم الاستقرار لعقود خلت، سواء في حروب لبنان الأهلية الطويلة أو العراق المتفسّخ أو الثورة السورية التي لا تكاد تنجح وتخطو حتى تتعثر، فيما لا يزال الشعب الفلسطيني يعاني ويلات الفورات العسكرية المجردة من الحسابات السياسية في بناء الدولة وعلى حساب الشعب الفلسطيني وحقه في الاستقرار وفق مفهوم حل الدولتين. فبينما يعاني اللبنانيون من آثار حزب الله العسكرية الأيديولوجية ضد مفهوم الدولة، يقع السوريون أمام مأزق متجدّد عنوانه قضم شروط الاستقرار الداخلي، وتمكين إسرائيل من فرض شروطها السياسية بقوة الوجود العسكري، سواء على حدودها المباشرة، أو بتأجيجها الأمن الداخلي السوري، خاصة في جنوبها. فإضافة إلى استمرار إسرائيل في قصفها المتقطع لأي جديدٍ في البنية العسكرية السورية، والتمركز في جبل الشيخ، تسعى لاستكمال مشروعها “سوفا 53” الذي بدأ عام 2022 وتابعته بعد سقوط النظام مباشرة، ومنذ نهايات عام 2025 وهي تحاول ترسيمه خطوةً خطوة. ودلالة هذا التمدّد هي بنية إسرائيل الذاتية القائمة على الكراهية والخوف من الآخر العربي والساعية لإيجاد محيط آمن على حدودها عبر بناء السواتر الترابية والأنفاق على طول حدودها مع سورية في القنيطرة، وهي تطمح إلى مدها وصولاً نحو الحدود الأردنية جنوباً عبر درعا. وتقابل هذا هشاشة بنى الدولة في سورية ولبنان وعدم قدرتها حتى اليوم على امتلاك شروط الاستقرار وآلياته، وإلا كيف لدولة أن تترك شؤونها الداخلية عرضة للاستثمار من الخارج من دون أن تعالج آثاره ومسبّباته.
معركة الجنوب بين سورية وإسرائيل قد تتغيّر معاييرها العسكرية بخرق فجّ لحسابات الاستخبارات الإسرائيلية، وهذا احتمال وارد، لكن المعركة تُدار على إقامة حواجز الكراهية نفسها بين أطياف الشعب السوري، خصوصاً في المنطقة الجنوبية. فهل سنكتفي بتحليل بنية إسرائيل ووصفها بدولة الشر والغطرسة العسكرية والهشة بنيوياً ولا نقف عند هشاشتنا البنيوية ذاتها؟ سؤال بحكم السياسة المحلية وإدارة المرحلة، فمن يكسب معركة الجنوب السوري اليوم سيرسم خطوط السياسة الإقليمية والدولية من حيث الطاقة والمياه، وسيرسم حدود الاستقرار المحلي والإقليمي، وهذا منوط بقدرة الحكومة السورية على إعادة النظر في سياستها الداخلية ونزع ورقة هشاشتنا البنيوية المبنية على الطائفية والكراهية المتنامية في جنوب البلاد، ومعالجة آثار يوليو/ تموز 2025 الدامية في السويداء، وإلا سنجد لـ”سوفا 53″ أرقاماً أبعد مما رسمته إسرائيل ذاتها.