
كاتب وسياسي… جردة الثورة السورية دمشق
منذ التأسيس المزعوم للدولة العبرية عام 1948 وحتى الآن، هنالك عنوان دائم ” الامن الإسرائيلي”. هذا العنوان في الواقع يعبر عن أزمة بنيوية في الدولة تأسيسا، وتداولا في المستوى السياسي الإسرائيلي. هذا التأسيس بني على استهداف شعب آخر.
هذا الاستهداف غير المشروع، وفقا لأية شرعية إنسانية ودولية، فرض بالقوة. حتى يستمر هذا الاستهداف لا بد من قوة عسكرية ذات بعد سيادي في المنطقة تحميه. هل كان ممكن أن تتوفر هذه القوة، لولا دعم دولي مسيطر نسبيا على العالم؟
هنالك نقطة تقاطع مهمة وتأسيسية أيضا، تتعلق بأمن إسرائيل وأمن أنظمة المنطقة كلها ما عدا تركيا. هذا التقاطع التأسيسي منذ عام 1948، لا يمكن أن يكون عبثا أو صدفة! أمن إسرائيل من جهة، وأمن النظم السياسية من جهة أخرى. لا أحد في السياق الدولي كان يتحدث عن أمن شعوب المنطقة وازدهارها.
هذا الأمر أيضا نلاحظه في أغلب نظم العالم غير الغربي. مضى الغرب في هذه الترسيمة إسرائيليا ونفطيا، اقتصاديا وسياسيا، مراكمة نفوذ وسيادة. إسرائيل فقط كانت جزءا من هذه التوليفة الغربية، لاعتبارات لسنا بصدد التطرق لها هنا.
في مراكمة النفوذ والسيادة هذا، وصلنا إلى مقولة كنت ارددها دوما منذ عقود “الغرب وأمريكا الشر الذي لابد منه”. حتى في ذروة السوفييت كانت هنالك اتفاقات ضمنية ومتواطئة في كل منطقة على حدة، بينه وبين الغرب، وهذا ينسحب على منطقتنا. هذه القصة لها علاقة بموازين القوى بالضرورة.
السيادة المأزومة تتجلى في مرور 33 عاما تقريبا على اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، وبدل أن يتقدم حل الدولتين، يتراجع أمام استمرار الاستيطان في الضفة الغربية مثلا، عداك عن محرقة غزة. إسرائيل لولا الغرب واصراره على تفوقها الجوي والنووي، ما كان ممكنا أن تستمر بجرائمها، جرائمها التي لا تبرر للطرف المقابل سياساته المبنية على أنظمة أيضا مأزومة. الدليل الآخر: أنه لولا الحسابات الإيرانية لأمريكا، لم تكن إسرائيل قادرة على لجم القوة الصاروخية الإيرانية. التناقض مبني على استمرار اللا سلام في المنطقة.
ضمن هذه المقدمة يمكننا مناقشة الوضع السوري- الإسرائيلي. خارج هذا السياق لا يمكننا فهم هذا الحقل. إسرائيل منذ تحررت سورية من الاسدية، وهي تقوم بشكل شبه اسبوعي باعتداء على سورية. هل لهذا الامر علاقة بتركيا كما تصرح ماكينة نتنياهو السياسية والإعلامية؟ بالتأكيد هنالك صراع نفوذ بينهما، لكنه صراع مسيطر عليه ومنضبط، في سياق الحضور الغربي عموما والامريكي خصوصا.
لكن حتى لو لم تكن ذريعة تركيا موجودة، إسرائيل لن تتوقف عن مهاجمة سورية الجديدة، للعودة لحالة اللاحرب واللاسلم التي كانت قائمة مع الاسدية منذ اتفاقيات الفصل على جبهة الجولان 1974. حالة اللاحرب واللاسلم مع التفوق الغربي- الإسرائيلي هي التي تأمل إسرائيل بأن تسمح لها بقضم الجولان مع الزمن.
يترافق ذلك مع رغبة بسيادة جوية على سورية، إضافة إلى امتيازات جديدة في ظل الوضعية الصعبة لسورية بعد التحرير. كأن يكون لها منطقة امنية جديدة في الجنوب الغربي السوري. يضاف إلى ذلك الآن ازمة نتنياهو وحلفائه من اليمين الأكثر تشددا في إسرائيل، في حركة هروب للأمام من استحقاقات إسرائيلية داخلية.
إسرائيل لا تريد سلاما مع سورية الآن. لماذا تريد السلام وامريكا لا تزال تعطيها الحرية في الهجوم على سورية؟ يبرز هنا سؤال: ما هو سيناريو السلام الذي تطرحه إسرائيل في الشرق الأوسط برمته؟ هذا السيناريو لم تطرحه إسرائيل، بل كل ما جرى من اتفاقيات سابقة خرقتها إسرائيل في وضعية دولية وافقت عليها أمريكا.
الآن الوضع الدولي بات أكثر تمزقا من جهة، وأكثر أمركة من جهة أخرى. سورية المنهكة تقف في وسط المشهد في هذه المنطقة. إسرائيل تقصف مطار أبو الضهور بحجة أن هنالك تمددا تركيا مرفوض من قبلها في سورية. رغم وجود تواصل مباشر بين السلطة في سورية وإسرائيل. تواصل برعاية أمريكية مباشرة.
إن القصف الإسرائيلي لمطار أبو الضهور، سببه الحقيقي ليس تركيا، بل التفاوض الجاري مع السلطة السورية بشكل مباشر وغير مباشر، والذي تريده إسرائيل هو تثبيت التسيد الجوي على سورية الذي عمره أكثر من خمسة عقود، والاحتفاظ بالجولان بتسوية تعترف بها السلطة السورية والامم المتحدة. كما تم مع فلسطين.
قصة تركيا فقاعة. تركيا ليست إيران، وروسيا كانت موجودة في سورية ولا تزال، لم تطالب إسرائيل بخروجها. تركيا وإسرائيل جزء من فضاء الناتو الامريكي. بعد التحرير لم يتبق جيش تركي في سورية. كانت إسرائيل وافقت على دخوله مع روسيا 2016، وقبله وافقت على تدخل حزب الله وإيران لصالح الأسد، لقتل السوريين.
إسرائيل تدرك أكثر من غيرها، أن التمدد التركي إن حصل عسكريا في سورية، لن يكون خارج توليفة حلف الناتو. هنالك سبب آخر: الانتخابات الإسرائيلية ومصير نتنياهو. خلال هذا الأسبوع الأخير إسرائيل قامت بعدة هجمات على سورية. وكل مرة تضع عنوانا مختلفا: تارة تركيا وتارة الإرهاب! تعتقل مواطنين سوريين وتفرج عن بعضهم دون محاكمات وتبقي بعضهم لديها دون محاكمات أيضا. هل هذا سببه تركيا؟
من جهة أخرى الأداء التركي في هذا الملف يحتاج لمعالجته في مادة لوحدها. السلام هو الاستراتيجية المطلوبة. لأن السيادة المأزومة ستبقى عدوة للسلام في المنطقة.