تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • إطار نووي جديد لإنقاذ “الناتو”
  • مقالات رأي

إطار نووي جديد لإنقاذ “الناتو”

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

.

إيفو دالدر زميل بارز في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في “جامعة هارفارد”، وشغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى “الناتو” من عام 2009 إلى عام 2013.

مترجم عن “فورين أفيرز”، 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2026… المصدر اندبندنت عربية

ملخص

مع تراجع الثقة بالضمانة النووية الأميركية، تواجه أوروبا معضلة أمنية متفاقمة بين الاعتماد على واشنطن والمخاطرة بسباق تسلح نووي. ويطرح إيفو دالدر اتفاقاً نووياً جديداً داخل “الناتو”، تقود فيه فرنسا وبريطانيا دوراً أكبر، وتشارك الدول الأوروبية بفاعلية في التخطيط والقرار، بما يعزز الردع الجماعي ويحمي أمن القارة من دون تقويض نظام منع الانتشار النووي.

خلال اجتماع عقد في وقت سابق من هذا العام، وُجه سؤال إلى كبار المسؤولين في وزارات الخارجية في دول أوروبية عدة عمن منهم لا يزال يعتقد بأن الولايات المتحدة ستتدخل للدفاع عن بلده إذا تعرض لهجوم. لم يرفع أي منهم يده. وشكل ذلك مؤشراً صارخاً على مدى اقتناع الحكومات الأوروبية بأن الولايات المتحدة، التي كثيراً ما شكلت العمود الفقري لأمن أوروبا و”الناتو”، لم تعُد حليفاً يمكن الاعتماد عليه. وعلى مدى الأشهر الـ18 الماضية، تمحورت النقاشات في بروكسل وغيرها من عواصم دول “الناتو” حول سبل تعزيز القدرات الدفاعية التقليدية للقارة لتعويض تراجع انتظام واشنطن. لكن نقاشاً آخر أقل صخباً وأكثر إلحاحاً يدور أيضاً حول مدى موثوقية الضمانة النووية الأميركية باعتبارها أقوى أدوات الردع.

قبل أكثر من نصف قرن، اندلع ما أطلق عليه الإستراتيجي الفرنسي ريمون آرون اسم “الجدل الكبير” بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة حول كيفية الحفاظ على الردع النووي الأوروبي في مواجهة القدرات النووية المتنامية للاتحاد السوفياتي. آنذاك، خشي القادة الأوروبيون أن يكون تركيز واشنطن المتزايد على الدفاع التقليدي عن القارة مؤشراً إلى ترددها المتزايد في حماية أوروبا بالأسلحة النووية، ولا سيما مع تطوير موسكو صواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية. فهل ستكون الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة ببوسطن دفاعاً عن برلين؟ وقد حسم هذا الجدل في نهاية المطاف من خلال تسوية إستراتيجية جديدة كبرى: فمقابل التزام الدول الأوروبية التخلي عن تطوير أسلحة نووية، وافقت الولايات المتحدة على إتاحة مشاركة أوروبية أوسع في صنع القرارات النووية. وصمد هذا الاتفاق الجوهري على مدى 60 عاماً، وأسهم في تعزيز أمن الولايات المتحدة وأوروبا معاً، ومنع انتشار الأسلحة النووية.

لكن هذا الاتفاق انهار الآن. فواشنطن تقول إنها تريد إعادة توزيع الأدوار، فيتحمل الأوروبيون المسؤولية الرئيسة عن دفاعهم التقليدي فيما تواصل الولايات المتحدة ضمان حمايتهم في مواجهة تهديدات نووية، بيد أن هذا لا يعالج المشكلة فعلياً. وقال لي أحد المسؤولين الحاضرين في الاجتماع: “إذا كنت لا تؤمن بالتزام الولايات المتحدة الدفاع عن حلفائها بموجب المادة الخامسة، فإن الردع الموسع يصبح في حكم الميت”. وبالفعل، يجري النظر في خيارات بديلة. ففي بعض العواصم الأوروبية، يثير المسؤولون بهدوء احتمال امتلاك بلدانهم أسلحتها النووية الخاصة. أما فرنسا، فعرضت تكييف سياستها النووية للمساعدة في الدفاع عن حلفائها الأوروبيين.

 

ولكل واحد من هذه الخيارات مبرراته المنطقية. لكن أياً منها لا يعالج على نحو كافٍ مشكلة ضمان أمن أوروبا من دون المخاطرة بمزيد من الانتشار النووي. وثمة نهج أفضل يتمثل في بديل رابع، وهو إبرام اتفاق نووي أميركي- أوروبي متجدد، تكون أوروبا هذه المرة في صلبه، لا مجرد شريك على الهامش. ويتعين على الأعضاء الأوروبيين في “الناتو”، بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة، الاضطلاع بدور أكبر في منظومة الردع النووي الخاصة بهم، بالتوازي مع العمل على استعادة الرابط الدفاعي عبر الأطلسي الذي شكل أساس أمن الولايات المتحدة وأوروبا على مدى عقود طويلة.

أساس السلام

شكل إطلاق الاتحاد السوفياتي للقمر الاصطناعي “سبوتنيك” عام 1957 معضلة عميقة لـ”الناتو”. فحتى ذلك الحين، كان الحلف يعتمد على الأسلحة النووية الأميركية المنتشرة في أوروبا لردع أي هجوم تشنه قوة تقليدية سوفياتية أكبر بكثير. ولكن بمجرد أن أثبتت موسكو قدرتها على إطلاق صواريخ عابرة للقارات، خشي الأوروبيون أن تتردد الولايات المتحدة في استخدام الأسلحة النووية لمنع الاتحاد السوفياتي من غزو أوروبا.

وأثارت هذه المخاوف نقاشاً حاداً داخل “الناتو” حول السبل التي تتيح للقارة ضمان توفير المظلة النووية التي تحميها. فكان بعض الدول، بقيادة فرنسا، مقتنعاً بأن على البلدان الأوروبية امتلاك أسلحتها النووية الخاصة. بينما سعى بعضها الآخر إلى إيجاد سبل أقل كلفة لاستعادة درجة من السيطرة على منظومة الردع النووي. وإحدى الأفكار الأميركية التي حظيت بتأييد واسع كانت إنشاء ما سُمي “القوة متعددة الأطراف”، وهي عبارة عن أسطول من السفن يحمل نحو 200 صاروخ. وبحسب التصور السائد، فإن قوة تتشارك دول عدة في إدارتها وتمويلها يمكن أن تمنح الأوروبيين شعوراً بأن لهم دوراً فعلياً في هذه القوة ولهم كلمة في طريقة استخدام أسلحتها النووية، فيما يبقى القرار النهائي بإطلاقها للرئيس الأميركي.

وكشف هذا النقاش عن مشكلة جوهرية في توسيع نطاق الردع النووي الأميركي ليشمل الحلفاء، خصوصاً عندما يكونون على الجانب الآخر من المحيط. فمجرد احتمال ضئيل لرد أميركي نووي قد يردع خصماً عن مهاجمة حليف للولايات المتحدة، نظراً إلى أن عواقب أي خطأ في الحسابات ستكون كارثية. لكن الحليف لن يجد في هذا الاحتمال الضئيل ما يبعث على الاطمئنان، إذ يحتاج إلى الاقتناع بأن واشنطن مستعدة فعلاً للمخاطرة بتعرضها لدمار نووي دفاعاً عنه. وطرح دينيس هيلي، وزير الدفاع البريطاني خلال معظم فترة ستينيات القرن الـ20، ما عُرف بنظرية هيلي: “لا يتطلب ردع الهجوم سوى أن تبلغ صدقية الرد الانتقامي الأميركي خمسة في المئة، لكن طمأنة الحلفاء تتطلب صدقية بنسبة 95 في المئة”.

وحُسم النقاش في نهاية المطاف من خلال اتفاق. فوافق حلفاء واشنطن الأوروبيون على التخلي عن حقهم في حيازة أسلحة نووية مقابل الحصول على دور أكبر في السياسة النووية الأميركية وإستراتيجيتها. وعلى رغم التخلي عن فكرة إنشاء قوة متعددة الأطراف باهظة الكلفة، أتاح تأسيس “مجموعة التخطيط النووي” (NPG) التابعة لـ”الناتو” إطاراً يسمح للأوروبيين بإبداء آرائهم في شأن التخطيط النووي الأميركي، كما أتاح لواشنطن إثبات أن المصالح الأمنية الأوروبية تشكل جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجيتها النووية وانتشار قواتها. وبعدما اطمأنت الدول الأوروبية، وافقت جميعها (باستثناء فرنسا والمملكة المتحدة) على إضفاء طابع رسمي على وضعها كدول غير نووية من خلال معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968.

واحتفظت دول أوروبية كثيرة بمنظومات برية وجوية قادرة على استخدام الأسلحة النووية الأميركية المتمركزة على أراضيها. واليوم، لا تزال نحو ست دول أوروبية تنشر طائرات ذات قدرات مزدوجة تستطيع حمل قنابل نووية أميركية من طراز “بي-61”. وتبين أن ترتيبات التشاور النووي وتقاسم الأعباء المرتبطة بهذه الأسلحة أكثر أهمية بكثير في طمأنة الحلفاء من تدابير القوة العسكرية الصلبة (مثل استهداف قدرات العدو العسكرية والأسلحة منخفضة القوة التدميرية وزيادة دقة الضربات) التي عادةً ما اعتقد الإستراتيجيون الأميركيون بأنها كانت ضرورية. فركزت التدابير الأخيرة على حل مشكلة الصدقية البالغة خمسة في المئة، فيما عالجت التدابير الأولى مسألة الصدقية البالغة 95 في المئة.

وكانت فرنسا الدولة الوحيدة التي رفضت هذا الاتفاق النووي. (أما المملكة المتحدة، فأصبحت قوة نووية في خمسينيات القرن الـ20، لكنها وضعت جميع أسلحتها النووية في خدمة “الناتو”، وشاركت في مجموعة التخطيط النووي وفي المهام التي تُنفذ باستخدام الطائرات ذات القدرات المزدوجة أي القادرة على حمل أسلحة نووية أو تقليدية). وخلال عهد الرئيس شارل ديغول، خلصت فرنسا إلى أنها لا تستطيع الاعتماد على دولة أخرى لضمان أمنها النووي. لذلك، شرعت باريس في برنامجها النووي الخاص، ورفضت المشاركة في “مجموعة التخطيط النووي” أو في مهام الطائرات ذات القدرات المزدوجة، وانسحبت عام 1966 من هيكل القيادة العسكرية لـ”الناتو”. ومع ذلك، أرست التسوية الشاملة الأساس لما أصبح نظاماً ناجحاً للغاية في الردع والطمأنة ومنع الانتشار النووي.

ما نسف الاتفاق

على خلاف ما حدث خلال ستينيات القرن الـ20، لم ينشأ النقاش النووي الحالي نتيجة تغير في ميزان القوى العالمي، بل جاء نتيجة تغيير أحادي الجانب في موقف الولايات المتحدة تجاه أوروبا. وكما أوضحتُ في مجلة “فورين أفيرز” العام الماضي، فقد رفضت واشنطن، خلال ولاية ترمب الثانية، المبدأين الأساسيين اللذين تقوم عليهما التزامات “الناتو” الدفاع الجماعي، وهما وجود فهم مشترك لطبيعة التهديدات التي تواجه أعضاء الحلف، والإقرار بأن أمنهم مترابط وغير قابل للتجزئة.

ولم يعُد بإمكان الأعضاء الأوروبيين في “الناتو” افتراض أن التزام الولايات المتحدة أمنهم، المنبثق من الفكرة الجوهرية التي ترسخت بعد حربين عالميتين مدمرتين ومفادها بأن أمن الولايات المتحدة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن أوروبا، هو التزام راسخ لا يتزعزع، بل على النقيض من ذلك، وكما أشار مراراً وتكراراً رئيس السياسات في “البنتاغون” إلبريدج كولبي، “في ظل قيادة الرئيس ترمب، فإن الحقيقة البسيطة هي أن الدول لم تعُد تستطيع اعتبار الدعم الأميركي أمراً مضموناً ومسلماً به”.

لكن الدول الأوروبية لم تتعامل يوماً مع الولايات المتحدة على أنها حليف مضمون، بل افترض الأوروبيون أن واشنطن تتبنى قناعتهم نفسها بأن أمن الولايات المتحدة وأمن أوروبا لا يمكن الفصل بينهما، وأثبتوا التزامهم هذا المبدأ عندما فعّل “الناتو” المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي للمرة الأولى والوحيدة، رداً على هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 التي استهدفت الولايات المتحدة.

وأوضح الرئيس الأميركي وغيره من كبار المسؤولين أن التزام الولايات المتحدة الأمني تجاه أوروبا لا يستند إلى فهم مشترك للتهديدات التي يواجهها الطرفان، بل إلى اعتبارات ثانوية مثل مستوى الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية ومدى دعمها للسياسة الخارجية الأميركية. وفي أغسطس (آب) الماضي، أرسل “البنتاغون” إلى حلفائه الـ31 في “الناتو” استبياناً مطولاً يؤكد فيه أن التزام واشنطن الأمني مشروط: فطلب منهم إعلان ولائهم لسياسة ترمب الخارجية، والتعهد بشراء المعدات الدفاعية من الشركات الأميركية، وإعطاء الأولوية لتمويل إعادة بناء القاعدة الصناعية الأميركية، من خلال معارضة أية مبادرات تدعو إلى “شراء المنتجات الأوروبية”.

ولا يزال بعض قادة الدول الأوروبية الأعضاء في “الناتو” يرفضون الاعتراف علناً بأن تغييراً جوهرياً قد طرأ. لكن معظمهم توصلوا، في أحاديثهم الخاصة، إلى الاستنتاج نفسه الذي خلص إليه كبار المسؤولين السياسيين الأوروبيين: وهو أن الولايات المتحدة لم تعُد جهة يمكن التعويل عليها للدفاع عن أوروبا. وإذا صح ذلك في ما يتعلق بالدفاع التقليدي، فإنه يصح بدرجة أكبر في ما يتعلق بالضمانة النووية. وهذا يضع أوروبا أمام أسئلة لم تضطر إلى طرحها من قبل. ماذا لو هاجمت روسيا أراضي إحدى دول “الناتو”، وأبلغت واشنطن أوروبا بأنها ستواجه مصيرها وحدها؟ كيف ستتمكن الدول الحليفة غير النووية من التصدي لروسيا المسلحة نووياً؟ وماذا لو استخدمت موسكو التهديدات النووية، الصريحة أو الضمنية، في محاولة لإرغام أوروبا على إنهاء دعمها لأوكرانيا؟ لا يُعد أيٌ من هذه السيناريوهات مستبعداً. فقد وجهت روسيا تهديدات نووية مبطنة ضد أوروبا مراراً وتكراراً منذ عام 2022، كان آخرها في سبتمبر الماضي، بعدما أجرى “الناتو” تدريبات جوية فوق شمال شرقي بولندا، قرب كالينينغراد.

صفقات خاسرة

بدأت تبرز ثلاثة خيارات لسد الفجوة التي أحدثها التغيير في السياسة الأميركية. في الواقع، تفضل واشنطن إعادة إرساء الاتفاق النووي مع توزيع جديد للمسؤوليات، مما تطلق عليه اسم نسخة “الناتو” الثالثة أو “الناتو 3.0”. وقال كولبي لوزراء دفاع دول “الناتو” في وقت سابق من هذا العام: “سنواصل توفير الردع النووي الأميركي الموسع، على أن تتولى أوروبا زمام المبادرة في مجال دفاعها التقليدي”، بل إن الولايات المتحدة ألمحت إلى أنها قد تكون مستعدة لتوسيع مظلتها النووية من خلال توسيع ترتيبات المشاركة النووية لتشمل دولاً أخرى (بولندا على سبيل المثال) وتطوير قنبلة نووية من الجيل التالي يُحتمل نشرها في أوروبا.

لكن هذا الخيار يتجاهل جوهر المشكلة. فإدارة ترمب لم تفعل شيئاً لإقناع حلفائها بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة “الناتو”، باستثناء تأكيدها ذلك بالكلام. ولا يمكن لأية عمليات نشر إضافية للأسلحة أن تعوض عن المضمون الجوهري المتمثل في أن التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه الحلفاء الأوروبيين باتت مشروطة بالولاء السياسي.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في إنهاء الاتفاق النووي تماماً. وبدلاً منه، ستحصل الدول الأوروبية على أسلحتها النووية الخاصة. وجاء أوضح تعبير عن هذه الفكرة في مارس (آذار) عام 2025، عندما صرّح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أمام البرلمان قائلاً: “إن امتلاكنا ترسانة نووية خاصة بنا سيجعلنا أكثر أماناً، وهذا أمر لا شك فيه”. وبعد عام، أبلغ حكومته أن بولندا “ستسعى جاهدةً للاستعداد… لاتخاذ إجراءات مستقلة قدر الإمكان” في ما يتعلق بالأمن النووي. وليست بولندا الدولة الوحيدة التي تفكر جدياً في هذا الخيار. ففي السويد، استشهد بعض السياسيين بالبرنامج النووي السري الذي امتلكته البلاد خلال ستينيات القرن الـ20 للدلالة على اهتمامهم بالسعي إلى خيار تطوير قدرة نووية وطنية. وحتى في ألمانيا، حيث ظلت الاعتبارات المرتبطة بتاريخ البلاد تفرض قيوداً على النقاشات المتعلقة بالدفاع، صرّح أحد جنرالات الجيش الألماني علناً في وقت سابق من هذا العام بأن ألمانيا “تحتاج إلى أسلحة نووية تكتيكية خاصة بها”، وهو تصريح كان من غير الممكن تصوره قبل بضعة أعوام وحسب. وتُطرح أفكار مماثلة في آسيا، بخاصة في كوريا الجنوبية، مما ينذر باحتمال حدوث موجة متسلسلة من الانتشار النووي بين حلفاء الولايات المتحدة.

نظرياً، يمكن لامتلاك مزيد من الدول الأوروبية قدرات نووية خاصة بها أن يحل معضلة الردع الموسع. لكن هذا الحل غير قابل للتطبيق عملياً، إذ ستحتاج بولندا أو السويد، أو حتى ألمانيا، إلى أعوام طويلة لتطوير قدرات ردع نووي مستقلة. كما أن تحول أوروبا إلى قارة تضم مزيداً من الدول المسلحة نووياً سيقوّض بنية معاهدة عدم الانتشار النووي التي صُمم الاتفاق النووي الأميركي- الأوروبي الأصلي في ستينيات القرن الـ20 لحمايتها، ومن الممكن أن يؤدي ذلك أيضاً إلى إشعال سباق تسلح نووي يقوض الأمن الأوروبي بدلاً من ترسيخه. وهكذا، فإن إستراتيجية صممت لتعزيز الردع ستفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف بنية التحالف نفسها التي سعت إلى تقويتها.

وبدلاً من اللجوء إلى أحد هذين الخيارين، تقود فرنسا نهجاً ثالثاً يهدف إلى استبدال المظلة النووية الأميركية أو، في الأقل، تدعيمها. فاقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الحل خلال خطاب ألقاه في مارس الماضي، معلناً عن مبادرة “الردع المتقدم” التي ستشمل إشراك الحلفاء الأوروبيين في تدريبات نووية، ونشر طائرات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية موقتاً على أراضي الحلفاء، وإجراء محادثات موسعة في شأن القضايا النووية مع الدول المشاركة. وحتى الآن، انضمت 10 دول أوروبية إلى المبادرة من خلال إنشاء مجموعات ثنائية للتشاور في شأن الإستراتيجية النووية الفرنسية وكيف يمكن لتطورها أن يعزز أمن تلك الدول المشاركة.

ويمثل اقتراح ماكرون تحولاً كبيراً في التفكير الفرنسي، إذ يوسع صراحة نطاق المصالح الحيوية لفرنسا ليشمل أمن شركائها الأوروبيين. ويُعد استعداد باريس للدخول في محادثات مباشرة مع جيرانها الأوروبيين في شأن القضايا النووية خطوة إيجابية تستحق الترحيب. إلا أن هذه المبادرة تنطوي على عيوب حقيقية. فخلال إعلانه، أعاد ماكرون التأكيد على “اللاءات الأربع” الراسخة التي تقوم عليها العقيدة الدفاعية الفرنسية، وهي: لا قرارات مشتركة في شأن استخدام الأسلحة النووية ولا تخطيط نووي مشترك ولا تعريف مشترك للمصالح الحيوية الفرنسية ولا ضمانة نووية “بالمعنى الدقيق للكلمة”. كما أن اعتماد هذا الإطار على المحادثات الثنائية يضعف فكرة أن الدفاع عن أوروبا ينبغي أن يكون جهداً جماعياً ضمن “الناتو”.

والأهم من ذلك أن العقيدة النووية الفرنسية التي تجيز توجيه ضربة تحذيرية يعقبها رد مدمر إذا فشل التحذير في ردع الخصم، تتيح خيارات أقل لإدارة الصراع مقارنة بالإستراتيجية الأكثر مرونة المعتمدة في “الناتو” التي تسمح بالتصعيد التدريجي. وقد يؤدي هذا النطاق الأضيق من الخيارات إلى تقليل صدقية التهديدات النووية الفرنسية في نزاع يتعلق بأمن أحد الحلفاء. وفي نهاية المطاف، سيوفر الاقتراح الفرنسي قدراً من الطمأنة والردع، لكنه لن يكون كافياً لسد الفراغات التي أحدثها التغيير في السياسة الأميركية.

حماية متبادلة ومضمونة

لا يقدم أيّ من الخيارات الثلاثة المطروحة حالياً حلاً لمعضلة الردع النووي الأوروبي الموسع، لكن كل خيار منها يتضمن عناصر يمكن أن تسهم في بلورة حل، إذ يتعين على “الناتو” تعزيز الركيزتين الأوروبية والأميركية في منظومته للردع النووي، وإدماج فرنسا في هياكل التشاور والتخطيط النووي التابعة له، وتوسيع ترتيبات تقاسم الأسلحة النووية القائمة لتشمل أعضاء إضافيين. وستتطلب هذه المهام من أعضاء “الناتو”، ولا سيما القوى النووية الثلاث فيه، إجراء تعديلات جوهرية على معتقداتهم وسياساتهم القائمة. أما البديل، فليس الإبقاء على الوضع القائم الذي بات غير قابل للاستمرار أصلاً في ظل طبيعة التهديد الروسي والتغييرات في السياسة الأميركية، بل الانتشار النووي السريع.

وسيتعين على دول “الناتو” الموافقة على ثلاثة تعديلات رئيسة في وضعها النووي، تتعلق بعدد الأسلحة المنشورة وأنواعها وبآليات التشاور بين أعضاء “الناتو” النوويين وغير النوويين وبالعقيدة التي يعتمدها الحلف في استخدام الأسلحة النووية. أولاً، ينبغي للدول النووية في “الناتو” تحديث قواتها النووية. وعلى الولايات المتحدة أن تستبدل قنبلة الجاذبية من طراز “بي-61” التي سيكون من الصعب استخدامها بفاعلية ضد أهداف شديدة التحصين، بصاروخ يُطلق من خارج نطاق دفاعات العدو، ويستطيع الوصول إلى عمق الأراضي الروسية انطلاقاً من المجالات الجوية لدول “الناتو”. وكان ينبغي إجراء مثل هذا التحديث منذ زمن طويل.

وإضافة إلى ذلك، يتعين على الدول الأوروبية أن توافق على تطوير صاروخ بعيد المدى يمكن تزويده برأس حربي نووي تطوره فرنسا والمملكة المتحدة بصورة مشتركة. وينبغي أن تمول الدول الأوروبية هذا الصاروخ، وأن يكون قابلاً للإطلاق من طائرات تملكها وتشغلها دول حليفة غير نووية. وأخيراً، ينبغي نشر هذه القدرات النووية الأميركية والأوروبية الجديدة في عدد أكبر من دول “الناتو”، بما يوسع المشاركة الأوروبية في مهمة الردع النووي.

إن التغييرات في المعدات العسكرية ضرورية لاستعادة صدقية الردع النووي الأوروبي. لكن آليات التشاور بين الدول ينبغي أن تكون في صميم الجهود، كما كانت الحال خلال ستينيات القرن الـ20. ففي ذلك الوقت، رفضت فرنسا الانضمام إلى توافق “الناتو” وانسحبت من هيكل القيادة العسكرية المتكاملة للحلف. وحتى عندما عادت له عام 2009، ظل ردعها النووي مستقلاً تماماً، ولم تنضم إلى “مجموعة التخطيط النووي”. وهذا الإصرار على الاستقلالية هو ما دفع باريس إلى السعي هذا العام إلى إبرام ترتيبات نووية ثنائية. لكن هذه المحادثات الثنائية الموازية لا تثير الارتباك وانعدام الثقة لدى الدول الشريكة في شأن نوايا باريس الحقيقية وحسب، بل تحرم الأوروبيين أيضاً من فرصة تعزيز التماسك الذي يمكن أن ينشأ عن حوار أوروبي جماعي في شأن الردع النووي.

ببساطة، يتعين على باريس الانضمام إلى “مجموعة التخطيط النووي”. ولن يؤدي ذلك تلقائياً إلى وضع قدراتها النووية تحت قيادة وسيطرة “الناتو”، لكنه سيمنح الشركاء الأوروبيين فهماً أفضل للتفكير الفرنسي، كما سيتيح لفرنسا معرفة أوسع بحاجات أوروبا في مجالَي الردع والطمأنة. ويمكن للأعضاء الأوروبيين في “مجموعة التخطيط النووي” الاتفاق على عقد اجتماعات دورية من دون مشاركة الولايات المتحدة، لمناقشة سبل دمج قوات الصواريخ النووية الأوروبية الجديدة في إستراتيجية “الناتو” النووية. فعلى مدى أعوام عدة، عقدت الدول التي تستضيف قوات نووية أميركية اجتماعات منفصلة عن أعضاء “الناتو” الآخرين ضمن “مجموعة التخطيط النووي”، ومن شأن تشكيل تكتل مماثل، يضم الدول الأوروبية وحدها، أن يستفيد من تلك التجربة وينطلق منها.

أما التعديل الضروري الثالث، فيتعلق بالعقيدة. فثمة عنصر في عقيدة “الناتو” النووية لا يمكن تغييره: وهو أن القرار النهائي باستخدام الأسلحة النووية سيظل دائماً في يد الدول المالكة لهذه الأسلحة، وهي فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. ولا يمكن تفويض هذه القرارات إلى جهات أخرى. كما ستظل سياسات الردع النووي الوطنية خاضعة للعقائد الوطنية لكل دولة، لا لسيطرة “الناتو”. وإذا أرادت فرنسا الإبقاء على عقيدتها القائمة على توجيه ضربة تحذيرية واحدة ثم التصعيد، فيمكنها فعل ذلك حتى بعد انضمامها إلى “مجموعة التخطيط النووي”. لكن سيتعين عليها توضيح كيف يمكن لهذه العقيدة أن تسهم في طمأنة الحلفاء وتعزيز الردع. وفي الوقت نفسه، ستؤدي مشاركة فرنسا في “مجموعة التخطيط النووي” وإضافة قوة الصواريخ النووية الأوروبية الجديدة إلى توسيع نفوذ أوروبا في تطوير إستراتيجية “الناتو” النووية. كما ستضعان موسكو أمام حقيقة أن قرار استخدام الأسلحة النووية دفاعاً عن أوروبا لن يعود حكراً على واشنطن وحدها.

وتتطلب هذه التعديلات الجوهرية في منظومة الردع تغييرات كبيرة في السياسات والتوجهات. فسيتعين على واشنطن أن تتقبل أن نشر مزيد من القوات النووية الأوروبية يعني أنها لن تعود قادرة على إملاء سياستها وإستراتيجيتها النوويتين على “الناتو”، بما في ذلك، في نهاية المطاف، القرار المتعلق باستخدام الأسلحة النووية. في الوقت نفسه، يجب على باريس أن تقبل بتعميق اندماجها في “الناتو”. وسيتعين على لندن توسيع تعاونها النووي مع الولايات المتحدة ليشمل فرنسا، وتطوير منظومة نووية ثانية (إلى جانب قوتها النووية القائمة على الغواصات)، وتوفير الموارد اللازمة لتصميم رأس حربي جديد وبنائه بالتعاون مع فرنسا. كذلك، سيتعين على الدول الأوروبية غير النووية أن توافق على تمويل تطوير منظومات صاروخية جديدة وشرائها، وربما شراء طائرات جديدة أيضاً (وإن كان ذلك لا يشمل الرؤوس الحربية النووية لأن امتلاكها سيشكل انتهاكاً لالتزاماتها بموجب المعاهدات). ويجب عليها أيضاً تمويل الأمن والاتصالات وغيرها من التحسينات بصورة جماعية، بما يتيح التوسع في نشر الطائرات ذات القدرات المزدوجة. والأهم من ذلك، سيتعين على هؤلاء الحلفاء غير النوويين تجديد التزامهم التخلي عن امتلاك أسلحة نووية خاصة بهم، وإعادة تأكيد الاتفاق الجوهري الذي ترسخ قبل 60 عاماً.

لن يحدث أيّ من ذلك بسرعة أو بسهولة، إذ سيتطلب الأمر من لندن وباريس وواشنطن التخلي عن قدر من السيطرة على ترساناتها النووية، مما حرصت كل منها على صونه بشدة لأكثر من 60 عاماً. لكن البدائل أسوأ. فأمن أوروبا والولايات المتحدة لا يقبل التجزئة في الواقع، بغض النظر عما تعتقده الإدارة الحالية في واشنطن. وإذا تُركت أوروبا لتتدبر أمرها بنفسها وانتشرت الأسلحة النووية في مختلف أنحائها، فإن أمن الأميركيين سيتراجع بدلاً من أن يتحسن. ومع ذلك، فإن تقليص الولايات المتحدة لالتزاماتها الخارجية هو حقيقة قائمة أيضاً لا يمكن تجاهلها، ولن تتمكن أية تطمينات تصدرها واشنطن من إعادة الصدقية إلى ضمانة نووية بات الأوروبيون يشككون فيها. وفي ظل الانكفاء الأميركي، فإن إبرام اتفاق جديد تتحمل أوروبا بموجبه قسطاً أكبر من العبء النووي، وتحظى بدور أوسع في اتخاذ القرار حول استخدام الأسلحة النووية، هو السبيل الوحيد لضمان الأمن عبر الأطلسي.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: غرب إيران في دائرة التصعيد.. تحركات كردية تثير مخاوف طهران من فتح جبهة برية مقاتلون أكراد إيرانيون
التالي: المنح الدراسية… سلاح بريطانيا لمواجهة أزمة القوارب الصغيرة

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

دونالد ترامب أمام الاستحقاق: إسترضاء النظام في إيران او استدراجه لإسقاطه

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ديفيد آيالون ينحاز في كتابة تاريخ المماليك في مصر المركز القومي لم ينتبه إلى المغالطات المقصودة في ترجمته العربية

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ماذا يحدث عندما يتداخل الدين مع الذكاء الاصطناعي؟

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • دونالد ترامب أمام الاستحقاق: إسترضاء النظام في إيران او استدراجه لإسقاطه
  • إعلام عبري: إسرائيل تملك قدرات استخباراتية داخل إيران تشبه البيجرات
  • ديفيد آيالون ينحاز في كتابة تاريخ المماليك في مصر المركز القومي لم ينتبه إلى المغالطات المقصودة في ترجمته العربية
  • ماذا يحدث عندما يتداخل الدين مع الذكاء الاصطناعي؟
  • “يالطا- 2″… هل يتقاسم بوتين وترمب وشي النفوذ في الكون؟

لربما فاتك

  • مقالات رأي

دونالد ترامب أمام الاستحقاق: إسترضاء النظام في إيران او استدراجه لإسقاطه

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
  • الأخبار

إعلام عبري: إسرائيل تملك قدرات استخباراتية داخل إيران تشبه البيجرات

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ديفيد آيالون ينحاز في كتابة تاريخ المماليك في مصر المركز القومي لم ينتبه إلى المغالطات المقصودة في ترجمته العربية

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ماذا يحدث عندما يتداخل الدين مع الذكاء الاصطناعي؟

المحرر Editor 1 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.