في سوريا الأسد، مثلاً، تمحورت السلطة حول العائلة ومن يدور في فلكها داخل الطائفة وخارجها، وفي العراق أمسكت العشيرة والعائلة زمام السلطة والقرار. وفي الحالتين الحزب الحاكم محكوم.
خارج المنطقة، في أوروبا الشرقية زمن الحكم الشيوعي، حلّ الجيش في السلطة مكان الحزب الحاكم مع تفاقم الأزمات، مثلما حصل في بولندا وغيرها. حالات عديدة مشابهة، منها كوريا الشمالية حيث السلطة بيد العائلة والحاكم الأوحد، سليل الجيل الثالث بعد المؤسس، قائد الثورة الشيوعية الدائمة. في الصين، كما في الإتحاد السوفياتي السابق، احتكر الحزب الشيوعي السلطة وانشأ Nomenklatura، “طبقة جديدة” تتحكم بالإدارة داخل الحزب وإلى جانبه.
انفلاش الحرس؟
في حالة إيران الإسلامية، برز الحرس الثوري محور السلطة وصاحب القرار الفاصل تحت راية ولاية الفقيه. لكن خلافاً للحالات الأخرى، تحول الحرس الثوري، لاسيما بعد سنوات الحكم الأولى بقيادة الإمام الخميني، إلى شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والمالية والشركات الهندسية والبترولية العملاقة، تجاوزت مهامه الأصلية في المجال العسكري.
هذا التوسع في النفوذ والسيطرة والقدرات، خصوصًا في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الآتي من داخل الحرس الثوري، ميّز الحرس عن سواه من أصحاب النفوذ في الأنظمة السلطوية. إلى القوة العسكرية الموازية للجيش في البرّ والجو والبحر، تولى الحرس الثوري عبر فيلق القدس سياسة خارجية مستقلة، عنوانها “تصدير الثورة” ومضمونها بسط السيطرة والنفوذ خارج إيران، لاسيما في لبنان وسوريا والعراق واليمن وسواها.
حصلت هذه التحولات وفق مسار تبلور بعد سنوات من الحكم وتنامي القدرات، خصوصًا خلال فترة حكم الإمام خامنئي التي دامت لأكثر من ربع قرن. لكن بعد فترة مرونة وانفتاح في عهدي الرئيسين رفسنجاني وخاتمي، استعاد الحرس الثوري سيطرته إن لجهة “تصدير الثورة” أو في سياق تمتينها داخليًا.
ما اسّسه الإمام الخميني إلى حين وفاته عام 1989، استكمله الإمام الخامنئي بزخم كبير، متأثرًا بالإخوان المسلمين، وتحديدًا بأبرز منظريهم المتشددين سيد قطب، على خطى المودودي في باكستان. بعد اغتيال الإمام خامنئي، حل مكانه نجله على عجل بدعم من الحرس الثوري وبمعزل عن الشروط الفقهية المطلوبة.
في حين أن الإمام الخميني واجه أميركا، إلا أنه تعامل مع الاعداء أثناء الحرب بين إيران والعراق بواقعية، وذلك باتمام صفقة السلاح مقابل المال بين أميركا وإسرائيل، وصولاً إلى نيكارغوا، ثم عند انتهائها بتسوية سار بها الخميني على رغم تفوق إيران عسكريا. في المقابل، ذهبت سياسة الإمام خامنئي باتجاه التشدد والالتصاق الكامل بالحرس الثوري، علاوة على إطلاق مشروع السلاح النووي.
أما الغاية فلم تكن سوى تعزيز السلطة والتوسع، وصولاً إلى الصدام مع أميركا (الشيطان الأكبر) والمجتمع الدولي. ثم جاءت إسرائيل (الشيطان الأصغر) لتقتنص الفرصة ولتقيم تحالفًا عسكريًا مع واشنطن بمواجهة إيران وحلفائها في المنطقة: الحزب في لبنان والحركات الإسلامية في فلسطين، بالإضافة إلى سوريا والعراق واليمن.
مشروع طموح؟
مقاربة السلطة واحدة وإن اختلفت الدوافع: باسم الدين في إيران أو لأسباب أخرى في الأنظمة المشابهة. وهذا “ما جعل الولي الفقيه عمليًا استمرارا لا قطيعة مع ملك الملوك (الشاهنشاه) الصفدي أو القاجاري أو البهلوي”، وفق ما اورد السيد هاني فحص في كتابه “الشيعة بين الاجتماع والدولة” (ص35).
ازاء هذا الواقع يأتي الصدام الأميركي والإسرائيلي الراهن مع إيران ما دامت الغاية السلطة والتوسع لأغراض تتجاوز الشأن الديني. وهكذا تعاملت دول الجوار مع ايران الإسلامية على أنها مشروع نفوذ مذهبي في المنطقة.
الواقع أن تمدد إيران، الدولة والثورة، غايته السيطرة والنفوذ لا في المنطقة فحسب بل في مواجهة أميركا، وبالتالي موازين القوى الدولية. فلا وظيفة السلاح النووي دينية ولا الصواريخ الباليستية مرتبطة بالشريعة الإلهية. انه مشروع طموح لإيران الفارسية وبغطاء ديني، سرعان ما اصطدم بمصالح “الأعداء” في المحيط الاقليمي وخارجه.
خلال أكثر من عقود أربعة تبدلت إيران في الداخل وفي علاقاتها مع الخارج وبات الحرس الثوري في موقع القرار للتوسع والنفوذ ولحماية المصالح الذاتية الوازنة. قد يكون نموذج كوريا الشمالية الأقرب لجهة الاحتماء بالسلاح النووي، إلا أن واشنطن وضعت حدًا لهذا الخيار. أما مشاريع الحماية الإقليمية فليست إفضل حالاً. في فلسطين حماس بحاجة إلى من يحميها، وحروب الحزب في لبنان منذ 2023 أدت الى استعادة الاحتلال. كذلك في العراق، صدام مباشر بين أميركا والأطراف الداعمة لإيران، فيما اليمن ساحة حروب مفتوحة.
الحرس الثوري، طموحات إيران مشروعة ما دام التكليف الشرعي لا يميّز بين الدين والخيارات السياسية والعسكرية في الداخل وتجاه الخارج. بنظر الأعداء المواجهة مشروعة أيضًا ما دامت الخيارات بشرية تجسّد طموحات تتعارض مع مصالحها في المنطقة وخارجها. لكن هذه المرة المواجهة ساحتها الميدان. أما الثورة فمتواصلة في إيران والحروب مستمرة.