ملخص
إذا ما كانت النواة الصلبة في أي مجتمع أو نظام، تمثل الحامل الأساس والعملي لخطاب السلطة أو النظام، فإن هذه النواة الإيرانية تختلف عن نظيراتها في الدول والأنظمة الأخرى، لأن السلطة عملت على إقصاء واستبعاد التوجهات القومية، وقدمت تعريفاً يرى هذه النواة تمثل الشريحة المدافعة عن السلطة والنظام الإسلامي، وعلى استعداد للتضحية من أجلهما، لما تمثلانه من خط الدفاع عن الانتماء الأيديولوجي أو العقائدي، أو المصالح الخاصة بها.
تشهد الحياة السياسية داخل الجمهورية الإسلامية في إيران، خلال هذه المرحلة، تحولاً عميقاً في شكل الصراع بين القوى السياسية، قد يفتح الطريق أمام تحولات أكثر عمقاً في طبيعة النظام الإسلامي والسلطة، وقد تحمل معها تغييراً في المفاهيم التطبيقية للسلطة الدينية، وكيفية تعاملها مع المكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالنظام الذي بنى قدرته وسلطته على ما يمكن تسميته بالنواة الصلبة، أو الكتلة الحاملة، التي تتوزع مروحة انتماءاتها من المؤسسة الدينية إلى القوى الشعبية، وما بينهما من شرائح سياسية واقتصادية، ترتبط بنظام مصالح ومكتسبات، بات مجبراً على الذهاب إلى إدخال تغييرات جوهرية في طبيعة تعامله مع كل المكونات الإيرانية بمختلف توجهاتها ومستوياتها، وذلك نتيجة التغييرات التي فرضت عليه من خارج إرادته عبر الحرب الأميركية – الإسرائيلية، بعد أن كان يقاوم ويتصدى لأية محاولة تعديل، أو تفكير باستيعاب التنوع والتعدد.
لا شك في أن سلسلة الاغتيالات التي بدأت بالمرشد الأعلى، علي خامنئي، مروراً بكبار القادة العسكريين والأمنيين والمسؤولين السياسيين، وضعت الدولة العميقة التي تقود القرار في إيران أمام أزمة فراغ كبير في الشخصيات القادرة على التصدي لمهمة تكريس سردية النظام، وتكريس السلطة والقرار داخل وضمن شريحة محددة ذات طبيعية أيديولوجية وعقائدية، تنفذ إرادة هذه الكتلة المؤسِسة والحاملة لمشروع النظام وخطابه وسرديته.
وقد أدت هذه الكتلة المؤسسة دورها، أحياناً بصورة مرنة، وأحياناً أخرى باستخدام القوة وأدوات السلطة الأمنية والقضائية، واستطاعت تنفيذ رؤيتها المدعومة والمنسجمة مع توجهات المرشد السابق، في إقصاء كل المنافسين السياسيين، وسواء من الليبراليين والقوميين، أو من القوى الدينية التي تحمل خطاباً منفتحاً وإصلاحياً، ولم ترحم في معركتها التي استهدفت ضرب وتفكيك أي إمكان لنشوء مراكز قوى أو استقطاب، أي شخصية أو حزب، بغض النظر عن حجم دوره وموقعه، داخل منظومة السلطة التي نشأت بعد تأسيس النظام أو عملت على إرساء دعائمه، وتحملت أعباء وتبعات هذا العمل، مثلما حصل مع الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي يعتبر القطب الأساس الذي حمل مشروع استيلاء المؤسسة الدينية على السلطة بعد انتصار الثورة.
وإذا ما كانت النواة الصلبة في أي مجتمع أو نظام تمثل الحامل الأساس والعملي لخطاب السلطة أو النظام، وهي التي تقوم في اللحظات الحرجة والمصيرية بالدفاع عن هذه السلطة، لكن هذه النواة الإيرانية تختلف عن نظيراتها في الدول والأنظمة الأخرى، لأن السلطة عملت على إقصاء واستبعاد التوجهات القومية، وقدمت تعريفاً يرى هذه النواة تمثل الشريحة المدافعة للسلطة والنظام الإسلامي، وعلى استعداد للتضحية من أجلهما، لما تمثلانه من خط الدفاع عن الانتماء الأيديولوجي أو العقائدي، أو المصالح الخاصة بها.
في المقابل، وأمام محاولة النظام تكريس الطبيعية الأيديولوجية والعقائدية لهذه النواة، باعتبارها من مكونات الأمن القومي والوطني، فإنه بذل جهوداً كبيرة ووظف طاقات جبارة من موارد النظام الفكرية والسياسية والعقائدية، لمنع القوى الأخرى من بناء نواتها الاجتماعية الصلبة، مستخدماً كل الأساليب الأمنية والاجتماعية والأخلاقية، والتسقيط والآليات غير القانونية باستخدام القانون، من أجل إقصائها وإبعادها من مراكز القرار، أو حتى استخدام هذه النواة في فرض نفسها شريكاً في السلطة والقرار.
الحرب الأميركية – الإسرائيلية، والتداعيات التي رافقتها، وضعت النظام والدولة العميقة أمام حقيقة صعبة وقاسية، تمس بقاء النظام واستمراره، وأن الهدف الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه الحرب، لا يستهدف فقط القضاء على النظام، بل يحمل في طياته مشروع تفكيك إيران وضرب وحدتها الجغرافية، وتركيبتها القومية المتعددة والمركبة، وهو الخطر الذي لمسه المرشد السابق علي خامنئي بعد حرب يونيو (حزيران) 2025، ودفعه نحو اعتماد وتنبي خطاب سياسي مختلف قدّم فيه البعد الوطني والتضامن الشعبي والقومي والوطني على البعد الديني للنظام والسلطة، مما كشف عن أن المرشد والدولة العميقة شعرا بخطورة الاستمرار، في اعتماد خطاب ديني إقصائي لا يعترف بالتنوع والتعدد في تركيبة المجتمع الإيراني والاجتماع السياسي والثقافي، وأن من يحمي إيران ووحدة أراضيها هو الوحدة الوطنية، والاعتراف بنواة أوسع تبدأ من الشباب المعترض والمطالب بحقوقه، وصولاً إلى كل القوى السياسية المختلفة والمخالفة للنظام الرسمي.
وإذا ما كانت الدولة العميقة قد استطاعت عبور حافة الهاوية والتقاط اللحظة، واستطاعت إعادة التوازن للنظام، وقطعت الطريق أمام سقوطه وانهياره حتى الآن، فإن ذلك لم يكن ممكناً من دون انتفاضة قومية ووطنية قام بها الشارع، ليس دفاعاً عن النظام وخطابه العقائدي والأيديولوجي، وإنما دفاعاً عن إيران ووحدة أراضيها، وأن الشعور بالتهديد الوجودي لدى المجتمع الإيراني قلّص عمق الهوة بينه وبين السلطة، ليس من باب التسامح معها، بل انطلاقاً من شعور قومي ووطني، من دون التخلي عن مطلب المحاسبة والمطالبة الناتجة من حراك داخلي، لا نتيجة إرادة خارجية.
هذا الالتفاف الوطني حول إيران في مواجهة العدوان وتحمل الخسائر، شكّل المدخل الذي عزز تأثير الأصوات الداعية إلى إنهاء حال العداء المزمن بين إيران والمجتمع الدولي، وبالتالي منح القوى الداعية إلى الحوار والتفاوض ورقة قوة في وجه الجماعات الرافضة مثل هذا المسار، بخاصة أن الدولة العميقة ومعها المرشد أدركا بوضوح أن العودة للخطاب الأيديولوجي المغلق، واستمرار سياسات العداء ورفض الحوار والتفاوض، ستعيد وضع إيران والنظام في دائرة الخطر الحقيقي، سواء نتيجة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية أو السياسية، ومزيد من العزلة وبقاء إيران في دائرة التهديد المستمر للاستقرار الإقليمي والدولي.
هذا التحول، الموزع بين رؤية الدولة العميقة للنواة الصلبة الحاملة للدولة والنظام من جهة، وتحجيم الخطاب الراديكالي وتفكيك أدواته، نقل الصراع إلى مستوى وطبيعة مختلفة، لم تعد محصورة بين خطاب عقائدي وأيديولوجي وآخر إصلاحي واعتدالي ووسطي، إذ أصبح موزعاً بين خطاب وطني تنضوي تحته شرائح متنوعة، من محافظين معتدلين ووسطيين وإصلاحيين، وبات خطاباً رسمياً للدولة العميقة والمرشد الجديد، وخطاباً متشدداً يحاول أن يعيد إيران لمرحلة ما قبل الحرب وتداعياتها، مدفوعاً بسرديات أيديولوجية، يمكن القول إن منظومة السلطة قد تجاوزتها وأسقطتها من أولوياتها لمصلحة أولوية أساسية، وهي إنقاذ إيران وإخراجها من دائرة الخطر، والانتقال بها إلى فضاء أكثر استقراراً وانفتاحاً، وعلاقات مستقرة مع مكوناتها الداخلية ومحطيها الإقليمي والمجتمع الدولي.
