خليل حسين محرر بموقع السفينة
ما يتشكّل في إيران اليوم ليس مجرد تعديل في بنية النظام، ولا إعادة توزيع تقليدية للسلطة بين أجنحته، بل تحوّل نوعي في طبيعة الحكم نفسه. فالنظام لم يعد قادراً على إعادة إنتاج صيغته العقائدية الأولى، كما أنه لم يحسم أمره لصالح هيمنة مطلقة للحرس الثوري. بدلاً من ذلك، يتجه نحو نموذج يمكن تسميته بـ”الدكتاتورية التوافقية”: سلطة مغلقة لا يشترك فيها المجتمع، لكنها ليست موحّدة داخلياً، بل تقوم على مساومات مستمرة بين مراكز قوة متنافسة.
هذا النموذج لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف عن مأزقه. فالتوافق هنا ليس خياراً سياسياً بقدر ما هو ضرورة فرضها تآكل الشرعية وتضارب المصالح داخل النخبة الحاكمة. المؤسسة الدينية لم تعد قادرة على فرض هيمنتها الرمزية كما في السابق، والحرس الثوري، رغم تمدده الاقتصادي والعسكري، لا يستطيع الانفراد بالحكم دون المخاطرة بتفجير توازنات داخلية حساسة. أما الأجهزة الأمنية وشبكات الاقتصاد السياسي، فقد تحولت إلى لاعبين مستقلين يسعون لحماية امتيازاتهم ضمن هذا الترتيب الهش.
في هذا السياق، يصبح “التوافق” أشبه بآلية لإدارة الأزمة لا لحلّها. إنه يجمّد الصراعات بدلاً من إنهائها، ويؤجل الانفجار بدلاً من منعه. والنتيجة نظام يبدو متماسكاً من الخارج، لكنه في الداخل قائم على توازن قلق بين قوى لا يثق بعضها ببعض.
غير أن فهم هذا التحول يبقى ناقصاً دون وضعه في إطار الحرب الدولية المفتوحة وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. فإيران اليوم لا تتحرك في فراغ، بل تستفيد من لحظة دولية تتراجع فيها قدرة الغرب على فرض إرادته بشكل أحادي.
روسيا، المنخرطة في صراع مفتوح مع الغرب، لم تعد تنظر إلى إيران فقط كشريك إقليمي، بل كجزء من منظومة مقاومة أوسع ضد الهيمنة الغربية. هذا التقاطع يمنح طهران هامشاً استراتيجياً، لكنه في الوقت نفسه يربطها بحسابات موسكو التي قد لا تتطابق دائماً مع مصالحها. أما الصين، فهي أكثر برودة وبراغماتية: تدعم استقرار النظام بالقدر الذي يضمن مصالحها الاقتصادية وتدفق الطاقة، لكنها لا تستثمر في بقائه سياسياً إلا بقدر ما يخدم مشروعها العالمي الأوسع.
في المقابل، يبدو الموقف الأوروبي متردداً ومحدود الفاعلية. فبين العقوبات والرهان على التفاوض، لم تنجح أوروبا في التأثير العميق على سلوك النظام، خاصة في ظل انشغالها بأزمات أمنية واقتصادية داخلية. بل يمكن القول إن الضغوط الأوروبية، في ظل غياب استراتيجية حاسمة، أصبحت جزءاً من معادلة يتكيّف معها النظام الإيراني بدلاً من أن تهدده فعلياً.
ضمن هذا المشهد، تتحول “الدكتاتورية التوافقية” إلى صيغة حكم تتغذى على الانقسام الدولي. فكلما تعمّق الصراع بين القوى الكبرى، تراجعت فرص الضغط الموحد، وازدادت قدرة الأنظمة الهجينة على المناورة. وهنا تكمن مفارقة أساسية: ضعف النظام داخلياً يقابله تحسّن نسبي في قدرته على الصمود خارجياً.
لكن هذه الصيغة تحمل في داخلها عناصر تفككها. فهي لا تنتج استقراراً حقيقياً، بل تراكماً للأزمات. الاقتصاد يزداد هشاشة، المجتمع يبتعد أكثر عن الدولة، والنخبة الحاكمة نفسها تعيش في حالة تنافس مكتوم قد يتحول إلى صراع مفتوح عند أول اختلال كبير في التوازن.
بمعنى آخر، ما نشهده ليس استقراراً جديداً، بل تأجيلاً لأزمة أكبر. فـ”الدكتاتورية التوافقية” قد تنجح في إدارة التناقضات مرحلياً، لكنها عاجزة عن تجاوزها. ومع استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وتبدّل موازين القوى الدولية، قد يجد هذا النموذج نفسه أمام اختبار حاسم لا يمكن احتواؤه عبر التوافقات الداخلية وحدها.
في النهاية، إيران لا تعيد إنتاج نفسها، بل تعيد اختراع آلية بقائها. غير أن هذه الآلية، بقدر ما تمنح النظام وقتاً إضافياً، فإنها في الوقت ذاته تعمّق الشروط التي قد تقود إلى تحوّل أكثر جذرية في المستقبل.