لم تكن المصالحة الخليجية مع إيران في السنوات الأخيرة إعلان ثقة بطهران، بقدر ما كانت اعترافاً بحقيقة يصعب تجاوزها: إيران ليست قوة عابرة في الإقليم، بل دولة كبيرة تقع على الضفة الأخرى من الخليج، ولا تستطيع دوله تغيير الجغرافيا مهما تغيرت موازين القوى والتحالفات. لذلك كان الانتقال من المواجهة إلى خفض التصعيد محاولة لإدارة الجوار أكثر منه رهاناً على انتهاء الخلافات.
لكن حرب 2026 وضعت هذه المقاربة أمام اختبار قاسٍ. فدول الخليج التي لم تختر الحرب الأميركية–الإيرانية وجدت نفسها وسط تداعياتها: الصواريخ والمسيّرات، أمن المنشآت والقواعد، اضطراب الملاحة والطاقة والتجارة، وعودة مضيق هرمز إلى قلب الصراع. ولم تعد الكلفة أمنية فحسب؛ فقد أصاب اضطراب الملاحة صادرات الطاقة والإيرادات، وبدأ ينعكس على اقتصادات بعض دول الخليج نفسها. وبات انشغال هذه الدول بحماية نفسها من تداعيات صراع لم تختره أكبر من انشغالها بإدارة علاقاتها الثنائية مع طهران.
لم تولد هذه المعضلة عام 2026. ففي 14 أيلول/ سبتمبر 2019، أدى الهجوم على منشأتي بقيق وخريص التابعتين لأرامكو، الذي حمّلت الرياض وواشنطن إيران مسؤوليته، إلى توقف نحو 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج السعودي بصورة مؤقتة، أي نحو خمسة في المئة من الإمدادات العالمية آنذاك. وكانت الصدمة أبعد من الضرر النفطي: فقد أظهرت أن وجود المظلة الأمنية الأميركية لا يعني بالضرورة منع الهجوم ولا الرد عليه بالطريقة التي تتوقعها الرياض.
وبعد أقل من أربع سنوات، في 10 آذار/ مارس 2023، أعلنت السعودية وإيران من بكين استئناف العلاقات الدبلوماسية، بعد مسار تفاوضي استضاف العراق وعُمان أجزاء منه. وبين بقيق وبكين يمكن قراءة تحول مهم في التفكير السعودي: من الاعتماد أساساً على ردع إيران بواسطة قوة خارجية إلى إضافة أداة أخرى هي إدارة الخطر الإيراني مباشرة، من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن.
بمعنىً آخر، لم يتصالح الخليج مع المشروع الإيراني بقدر ما تصالح مع حقيقة الجغرافيا.
عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح
لكن الجغرافيا نفسها تحولت خلال الحرب الأخيرة إلى مصدر للخطر. فمضيق هرمز، الذي شكّل لعقود ورقة قوة استراتيجية لإيران، هو أيضاً شريان رئيسي للطاقة والتجارة الخليجية والعالمية، وتمر عبره في الظروف العادية قرابة خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وعندما أصبحت الملاحة فيه أداة ضغط ومساومة، بات جزء أساسي من النموذج الاقتصادي الخليجي معرضاً لأن يصبح رهينة في مواجهة بين طهران وواشنطن.
وقد أظهرت حرب 2026 أن الخطر لم يعد افتراضياً، مع التراجع الحاد في حركة السفن عبر المضيق. لكن الأزمة أظهرت في الوقت نفسه حدود الردع وحده: فبينما عملت عُمان مع إيران على ترتيبات للملاحة، تحركت قطر باتجاه طهران سعياً إلى إعادة فتح المضيق وتخفيف التصعيد. وهكذا عادت دول الخليج إلى الأداة نفسها التي لجأت إليها قبل الحرب: إدارة الخطر الإيراني بالتفاوض معه، بالتوازي مع محاولة ردعه.
وهنا تكمن مفارقة استخدام إيران لهرمز: كلما ازدادت قدرتها على توظيفه للضغط، ازدادت حوافز جيرانها لبناء البدائل؛ من خطوط الأنابيب السعودية باتجاه البحر الأحمر إلى ميناء الفجيرة الإماراتي خارج المضيق وتنويع طرق الطاقة والتجارة. وهكذا يمكن لأداة القوة، إذا أُفرط في استخدامها، أن تولّد الآليات التي تقلل قيمتها مستقبلاً.
ست دول وست علاقات
لكن الحديث عن “الخليج” يخفي اختلافاً أساسياً: إيران ليست المشكلة نفسها بالنسبة إلى الدول الخليجية الست.
السعودية تنظر إليها أولاً من زاوية توازن القوة الإقليمي والصواريخ والوكلاء، وفي مقدمهم الحوثيون في اليمن، وتجربة استهداف منشآتها النفطية.
أما الإمارات فتجمع بين خلافات حادة حول الأمن والملاحة والجزر الثلاث، وبين واحدة من أكبر العلاقات التجارية الإيرانية مع الخارج. وتظل دبي إحدى أهم بوابات إيران التجارية والمالية. لكن حرب 2026 كشفت الوجه الآخر لهذا التشابك: فبعدما وافقت أبوظبي في حزيران/يونيو، وفق تقارير، على الإفراج عن مليارات الدولارات الإيرانية في سياق خفض التصعيد، أوقفت بعد شهرين التعاملات المالية والاقتصادية مع إيران إثر اتهامها طهران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه الملاحة، وهو ما نفته إيران. وهكذا أصبح التشابك الاقتصادي نفسه أداة ضغط عندما انهار الاستقرار الأمني.
أما قطر فتفرض عليها الجغرافيا معادلة مختلفة، إذ تتقاسم مع إيران مكمن الغاز العملاق المعروف قطرياً بحقل الشمال وإيرانياً ببارس الجنوبي، ما يجعل استقرار العلاقة مع طهران مرتبطاً مباشرة بأحد أهم أصولها الاقتصادية. وقد أظهرت حرب 2026 الوجه الآخر لهذه الجغرافيا: فاضطراب الملاحة والأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز انعكسا على الصادرات والإيرادات، لتصبح العلاقة مع إيران بالنسبة إلى الدوحة مسألة أمن اقتصادي بقدر ما هي مسألة دبلوماسية.
وفي الكويت، يتجاور الخلاف مع إيران على حقل الدرة مع حرص شديد على تجنب المواجهة؛ فموقعها بين السعودية والعراق وايران، وتجربة الغزو العراقي جعلا استقرار الخليج ومنع اختلال موازين القوى جزءاً أساسياً من مفهومها للأمن.
أما عُمان فجمعت علاقتها بإيران بين التاريخ والجغرافيا والوساطة: من الدعم الإيراني للسلطان قابوس خلال حرب ظفار إلى دور مسقط وسيطاً بين طهران والغرب، فضلاً عن إطلال البلدين على جانبي هرمز.
وتبقى البحرين الحالة الأكثر توتراً، بفعل الإرث السيادي القديم والاتهامات المستمرة لطهران بالتدخل ودعم جماعات معارضة ومسلحة، في مقابل اعتماد أمني وثيق على الولايات المتحدة ووجود قاعدة الأسطول الخامس الأميركي.
نحن إذن أمام ست دول وست علاقات مختلفة: السعودية يحكم موقفها الردع وتوازن القوة؛ الإمارات تجمع بين الأمن والتجارة؛ قطر تربطها بإيران جغرافيا الغاز؛ الكويت تحمل هاجس الحدود ومنع الصراع؛ عُمان تجمع بين هرمز والوساطة؛ والبحرين تحمل إرثاً من التوتر الأمني والسيادي.
لكنها تلتقي عند سؤال واحد: أي إيران يريد الخليج أن يعيش معها؟
لا مهيمنة ولا منهارة
قد تبدو الإجابة البديهية: إيران ضعيفة. لكن إيران المنهارة ليست بالضرورة خبراً جيداً للخليج. فدولة يزيد عدد سكانها على تسعين مليوناً، تمتلك ترسانة عسكرية ومكونات قومية وإثنية متعددة وموقعاً حيوياً على طرق الطاقة والتجارة، يمكن أن يتحول انهيارها إلى فوضى وهجرة وتهريب وصراعات تمتد إلى الجوار.
وتبقى تجربة العراق بعد 2003 حاضرة في الذاكرة الإقليمية: إسقاط النظام من دون بناء دولة قادرة فتح المجال أمام انهيار المؤسسات والصراعات وصعود التنظيمات الجهادية، وصولاً إلى “داعش”. ولا يعني ذلك أن إيران ستكرر التجربة العراقية، بل أن انهيار دولة كبيرة قد تكون كلفته على جيرانها أكبر من كلفة احتوائها.
لذلكَ تبدو المصلحة الخليجية واقعة بين نقيضين: لا إيران مهيمنة ولا إيران منهارة، بل دولة مستقرة وقادرة على حماية نفسها، من دون أن تتحول قدراتها العسكرية والجغرافية إلى مصدر تهديد دائم لجيرانها.
ومن هنا أعادت حرب 2026 الردع إلى قلب التفكير الخليجي، لكنها كشفت أيضاً حدود الاعتماد على ضامن واحد. فالولايات المتحدة ستظل القوة الخارجية الأكثر قدرة على توفير قدرات عسكرية واستخبارية وردعية يصعب استبدالها، لكن الدرس لا يبدو أنه يدفع دول الخليج إلى الابتعاد عنها بقدر ما يدفعها إلى التخلي عن فكرة أن واشنطن تكفي وحدها.
وهنا يمكن فهم تسريع تطوير الصناعات العسكرية الخليجية، وتوسيع العلاقات مع أوروبا والصين، وتعميق الشراكات مع تركيا وباكستان. وفي هذا السياق يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان معنى يتجاوز إنشاء «ناتو إسلامي» أو محور موجه ضد إيران: إنه طبقة إضافية في نظام أمني يتجه إلى التعدد.
الاقتصاد جزء من الردع
لكن الردع العسكري ليس سوى نصف المعادلة. النصف الآخر اقتصادي.
فإيران، إذا خرجت يوماً من دائرة العقوبات والمواجهة، تحتاج إلى استثمارات هائلة في النفط والغاز والكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية. وفي المقابل تملك اقتصادات الخليج رأس المال والموانئ والخدمات المالية والخبرة في الطاقة والقدرة على المساهمة في إعادة ربط إيران بالاقتصاد العالمي.
وهنا يمكن أن يتغير معنى الأمن نفسه: فبدلاً من زيادة كلفة العدوان فقط، يمكن أيضاً زيادة قيمة الاستقرار.
لكن التجربة الإماراتية أظهرت الوجه الآخر لهذه المعادلة. فكلما اتسعت المصالح المتبادلة، ارتفعت قيمة الاستقرار، لكن ازدادت أيضاً قدرة الطرفين على استخدام هذا التشابك أداة ضغط. فالمنفذ الاقتصادي الذي يساعد إيران على مقاومة العقوبات يمكن، عندما ينهار الأمن، أن يتحول إلى جزء من منظومة الردع ضدها.
ومع تعثر المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني، انتقلت المواجهة في صيف 2026 بصورة متزايدة من اختبار القدرة العسكرية الإيرانية إلى اختبار قدرتها على الصمود الاقتصادي. وهنا لم تعد دول الخليج مجرد جوار للحرب؛ فموانئها وأسواقها ومصارفها ومسارات الطاقة فيها أصبحت، بدرجات مختلفة، جزءاً من ميدانها الاقتصادي.
وهكذا يبدو الدرس الخليجي أكثر تركيباً من الاختيار بين الحوار والردع: الحوار عندما يكون ممكناً، والردع عندما يكون ضرورياً، وتنويع الشراكات كي لا يحتكر طرف واحد أمن المنطقة، وبناء مصالح اقتصادية تجعل هدم الاستقرار أكثر كلفة على الجميع.
لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب تحولاً إيرانياً أيضاً. فالخليج لا يستطيع إلغاء إيران، وإيران لا تستطيع أن تزدهر في خليج يعيش تحت التهديد الدائم. وربما لا يكون التحدي الحقيقي أمام طهران امتلاك أكبر عدد من أدوات الضغط، بل إعادة صياغة مفهومها للقوة: من القدرة على جعل الجيران يخشون ما تستطيع فعله بهم، إلى جعلهم يخشون ما يمكن أن يخسروه إذا انهارت العلاقة معها.
وعندها يتغير السؤال: هل تستطيع إيران أن تصبح جزءاً من نظام الخليج الأمني والاقتصادي، بدلاً من أن تبقى القوة التي يُبنى هذا النظام لمواجهتها؟
من الخليج إلى الصين
لكن الإجابة لم تعد تتوقف على طرفي الخليج وحدهما.
عندما احتدمت أزمة هرمز، ظهرت في آن واحد حدود الردع العسكري الأميركي وأهمية النفوذ الاقتصادي الصيني. فإلى جانب التعويل على واشنطن عسكرياً، بدأ الخليج يختبر قدرة بكين على استخدام ثقلها الاقتصادي لدى طهران.
الصين ليست بديلاً عسكرياً عن أميركا، ولا يبدو أن الخليج يريدها كذلك. لكنها تملك أدوات تأثير مختلفة. ومن هنا لا تبحث دول الخليج عن استبدال ضامن بآخر، بقدر ما تسعى إلى زيادة عدد القوى التي تصبح لها مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة.
إنه انتقال تدريجي من البحث عن ضامن واحد إلى بناء شبكة من الضمانات والمصالح.
لكن الصين تطرح مفارقة أكبر: فهي المشتري الأهم للنفط الإيراني، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية هائلة مع السعودية والإمارات وبقية دول الخليج. لذلك لا تنظر بكين إلى المنطقة من زاوية الاختيار البسيط بين إيران وخصومها، بل من زاوية مصالح تحتاج إلى الطرفين.
وهنا يبدأ سؤال الحلقة الثانية: ماذا يحدث عندما تتعارض حاجة إيران إلى الصين مع حاجة الصين إلى استقرار الخليج؟ وهل بكين حليف لطهران، أم أن عزلة إيران هي التي جعلت الصين شريكاً لا تستطيع الاستغناء عنه؟