امام واجهة محل النظارات وقفتُ أتأملُ، وشعرت أن الأحلام تبدو أوضح خلف الزجاج. احترت في أمري: “باي موديل يمكن أن أبدو بشخصية عريضة المستوى في حال وجدتُ كنزاً، و اشتريت طائرة، وتمكنت من رشوة طيار سوري لاختراق اجواء سوريا نحو الأبيض المتوسط، ثم الأطلسي، و تلاعبت على مصداقية حارس في البيت الأبيض، ثم التقيت دونالد ترامب على الباب، و تمكنت من مغازلته، و صرعته بعباراتٍ معسولةٍ جعلته يرمي الكرافاة الحمراء أرضاً، و يحتار بين سواد ثوبي الطويل، و حقيقة جنسي، و نظراتي المختفية خلف عدسات النظارة ” ضحكتُ بصوتٍ خافتٍ ثم نزعت النظارة، وأعدتها إلى مكانها برفق، كما يعيد الفقير حلماً إلى الرف عندما يعرف أنه لا يملك ثمنه. شكرت البائع، فهزَّ رأسه، ثم ودعني بعبارات ذكرتني ب أُمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، فأدركت كم صار للشُرودِ السوري معنى، وكم صار للموقف السوري ثمن لا يدفعه سوى المواطن الذي صنع رغيفه بيده، كيلا يتعلّم الصمت قبل التفكير. ” لا حول، ولا قوة إلّا بالله. الله يثبت علينا العقل والدين ” صدى عبارته جعل كل الباعة يلتفتون نحوي بينما كنتُ أخرج إلى الشارع، و لكن حرارة تموز التي كادت تُذيب الإسفلت، والناس الذين يمشون بخطواتٍ متعبة، جعلوني أنسى استيائي منه. جلستُ على مقعدٍ مكسور ورحتُ افكر. في سوريا، صار شراء نظارة يشبه مشروعاً مؤجلاً ، فحين يزرع السوري مئات الأحلام المستحيلة في رأسه هذا يعني بأن الحلم صار بالنسبة إليه وسيلة نجاة، و ليس ترفاً. تنتهي الحياة ولا تنتهي الأحلام، وان كان يقيني بأن تحقيق الأحلام البكر يستند إلى تهم كبيرة، فلأني امراة تنتمي إلى ضلع كل رجل سوري شريف لم يحصل على لقمة إضافية لأنه لم يوسع للرذيلة مكاناً في حياته، لكن تجرأ أن يبحثَ في تهمٍ كبيرةٍ. في بلد ضعيف الدخل والحجة كسوريا، كل عائلة تأكل اللحم مرتين في الأسبوع يعني انه يوجد عدة عائلات تحتفل بالمعكرونا. وكل مسؤول يبدل ٣ أطقم كل أسبوع يعني ان ٣٠ من العاطلين عن العمل يدخنون النرجيلة او الحشيش بالفانيلا، وكل بناء يتنعم بكافة الخدمات يعني ان عشرات الأحياء تعاني نقص في جميع الخدمات، وزيادة في أكوام القمامة، وكل مجموعة تنوس بمطالبها بين المكاسب والرفاهية تدل على أن التصحر البشري يُهدد أماكن غير مُعلنة، و سيشرع كحالة من حالات الطوارئ عم قريب. فمن أين لمواطن سوري عادي ان يحلم بشراء نظارة فاخرة إن لم تخترق رأسه مئات الأفكار البلورية! رُبما عندما يبدأ المنشغلون بالشأن السوري بالمطابقة لتوضيح الرؤية، أو ربما عندما يصبح حجم المفارقات محصوراً بارتداء نظارة، او خلع نظارة.